قراءة 215 مرات

لا مبرر للخوف من الشيعة

14 / آب / 2005 إبراهيم بيرم

الباحث علي المؤمن: انتهى في العراق نظام عمره 1350 عاماً

ولا مبرر للخوف من الشيعة لأنهم لا يملكون مشروعاً خاصاً

 

هل تنهي الانتخابات العراقية، التي نجحت، مأزق العراق ومأساة أهله؟ وهل هي انتصار للشيعة وهزيمة للطوائف الأخرى؟

أسئلة طرحناها على مدير المركز الإسلامي للدراسات الإسلامية الباحث علي المؤمن، صاحب المؤلفات العدة عن العراق والمتخصص في تاريخ أحزابه وقواه ومنها كتاب «سنوات الجمر» الذي يؤرخ للحركة الإسلامية الشيعية وكتاب «حكم المركب الطائفي ـ القومي» في العراق.

يجيب المؤمن استهلالاً عن سؤال حول تقييمه لنتائج هذه الانتخابات وأبعادها، فيقول: «هناك تلازم بين الشكل والمضمون في الانتخابات العراقية التي جرت قبل أيام. ورغم نتائجها الإيجابية يبقى الحديث عن نجاحها في حاجة إلى تحليل متكامل وموضوعي ومعمق بعيداً من التسطيح الدعائي والإعلامي الذي يستبطن مواقف سياسية، وينظر إلى الموضوع نظرة أحادية دوغماتية.

الحقيقة أن الانتخابات العراقية هي إفراز حقيقي للواقع السياسي الذي يعيشه العراق بكل تعقيداته وتجاذباته، كما أنه استجابة لتفاعل تاريخي تراكمي يرتبط بمسار التاريخ العراقي الذي يعود إلى أكثر من ثلاثة عشر قرناً. والتحليل الذي أراه، بعيداً عن معايير السلب والإيجابي، على النحو الآتي:

أولاً، من الناحية التاريخية تعد هذه الانتخابات بداية تأسيس «العراق الثالث»، فالعراق الأول بدأ بقيام خلافة الإمام علي في الكوفة وانتهى بانتقال مركز السلطة لاحقاً إلى دمشق.

والعراق الثاني بدأ ببسط الدولة الأموية نفوذها على العراق واستمر حتى الأمس القريب.

أما العراق الثالث فهو الذي تفرزه نتائج هذه الانتخابات. إن مرحلة العراق الثاني، التي استمرت ما يقرب من 1350 عاماً، لها بالطبع خصائصها التي لا تدخل في صلب حديثنا هنا، ولكن نشير إلى أن أبرز خصيصة لها هو الفصام الكبير بين الحاكمين والمحكومين في مختلف المستويات، والمطبوع بالعنف الفريد تاريخياً وجغرافياً.

ثانياً، من الناحية الحقوقية (القانونية) تعد هذه الانتخابات بداية تأسيس «الدولة العراقية الحديثة الثانية». فالدولة العراقية الحديثة التي تأسست في آب عام 1921 انهارت في نيسان عام 2003. ولهذه الدولة (الحديثة) أيضاً خصائصها التي تبلورت كأعراف دستورية وقانونية، وأبرز هذه الخصائص هو مركبها الأيديولوجي القومي ـ الطائفي، إذ استأثرت بدولة العراق وسلطته وثروته نخب مدنية وعسكرية تنتمي إلى أقلية طائفية قومية تبلغ نسبتها 16 في المئة من سكان العراق.

ثالثاً، من الناحية السياسية، تعد هذه الانتخابات بداية لولادة «الجمهورية الثالثة في العراق». والمعلوم أن الجمهورية الأولى تأسست عام 1958 وانهارت عام 1963 وكانت جمهورية عائمة في إيديولوجيتها وتوجهاتها السياسية. وتأسست الجمهورية الثانية بانقلاب عام 1963 واستمرت حتى عام 2003. وتمثل هذه الجمهورية أوضح ألوان التزام الايديولوجيا القومية الطائفية للدولة العراقية.

من منطلق هذه الفرضيات (الأزمات) التاريخية والحقوقية والسياسية يمكن أن نتحدث عن نجاح، أو عدم نجاح، الانتخابات العراقية. والواقع أنه مجرد تنظيم انتخابات تعددية هي الأولى في تاريخ العراق، وذات فرص متكافئة لجميع القوى الفاعلة في النسيج العراقي، هو في ذاته خطوة في طريق حل الأزمات التاريخية والحقوقية السياسية والاجتماعية التي عاشها الشعب العراقي قروناً طويلة. وبالطبع ترد هنا ثلاثة إشكالات.

الأولى حول الانتخابات التعددية التي كانت تجرى في العهد الملكي (1923 ـ 1958) وأرى أن تلك الانتخابات كانت صورية ولا قيمة اجتماعية سياسية لها ولأنها لم تكن تمثل حقيقة الخريطة العراقية الاجتماعية والدينية والقومية والمناطقية.

الثاني حول تكافؤ الفرص في الانتخابات الحالية لجميع القوى الفاعلة. لا أقول أن هذا التكافؤ مطلق في حقيقته، لكنه تكافؤ مقبول ويمثل الحدود المتوسطة.

الثالث حول حقيقة التعددية في الانتخابات الحالية. لا شك أن التعددية تدل عليها الإحصاءات المرتبطة بالمرشحين، فعلى المستوى السياسي كانت هناك 111 قائمة انتخابية تمثل ما يقرب من 170 كياناً سياسياً، تمثل كل ألوان الطيف السياسي العراقي الأساسية، وينتمي إليها نحو سبعة آلاف مرشح.

وفي المستوى القومي اشتركت القوميات العربية والكردية والتركمانية والكلداشورية في تشكيل هذه القوائم بصورة تنسجم مع طبيعة حجم كل قومية. وفي المستوى الديني والمذهبي، كان هناك أكثر من 4 آلاف مرشح سني ونحو ثلاثة آلاف مرشح شيعي وعشرات المرشحين المسيحيين والأيزديين والصابئة.

وإذا كنا أكثر واقعية فإن النقطة التي لا تحتسب لمصلحة النجاح الكامل للانتخابات، تكمن في انسحاب قوى مؤثرة في وسطها، وهي القوى الإسلامية السنية العربية.

وهذه النقطة تتكامل مع عدم اشتراك بعض المواطنين في 3 محافظات. ولكن يبقى أن هذه النقطة طبيعية فمن بديهيات المفهوم الديمقراطي الذي تأسست الانتخابات عليه، إن تقاطع بعض القوى الانتخابات وتنسحب أخرى. وإن اشتراك نسبة معينة ممن يحق لهم التصويت في العملية الانتخابية في أي بلد، بنسبة 50% وأكثر، يعطي هذه الانتخابات مشروعيتها الشعبية ولا تعتبر منقوصة الشرعية شعبياً وكذلك دينياً. فالمرجعيات الدينية، ومرجعيات الإفتاء تحديداً، في العراق وخارجه وافقت بجواز الاشتراك في الانتخابات، بل حض بعضها على المشاركة، مما يعطي براءة ذمة شرعية للمكلف في ممارسة حقه السياسي. ومن الناحية القانونية أضفت قرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة المشروعية على الانتخابات، ولا سيما القرار الرقم 1546 باعتبار أن قوى أجنبية تحتل البلاد.

كل هذا لا يعني أن الانتخابات كانت مثالية وتعبّر تعبيراً كاملاً من طموحات الشعب العراقي خصوصاً أنها جرت في ظل الاحتلال، لكنها في كل الأحوال كانت تعبيراً عن نجاح الشعب العراقي على أكثر من مستوى.

الأول: نجاح الإرادة العراقية في بناء الأساس الأول لولادة العراق الجديدة.

الثاني: نجاح الإرادة العراقية في تحدي الاحتلال الذي كانت لديه أجندة مغايرة، تتمثل في اختيار نخبة تدوّن الدستور وتعرضه للاستفتاء كعملية صورية. ولكن الموقف التاريخي للمرجع السيد علي السيستاني، ومعه القوى الإسلامية الشيعية، غيّر المعادلة، وفرض على الاحتلال الانتخابات العامة، وفق ما ورد في القانون الموقت للدولة العراقية. وأعتقد أن الإرادة العراقية التي نجحت في هذه الخطوة ستنجح أيضاً في إخراج الاحتلال. وأنا على يقين بأن موقف المرجع السيستاني ومعه القوى الإسلامية الشيعية سيساهم في دفع العملية السياسية في العراق في اتجاهات مغايرة للأجندة الأميركية.

الثالث: نجاح الإرادة العراقية في تحدي الانفلات الأمني، إذ إن رهان الجماعات المسلحة على إفشال الانتخابات، ومن ثم العملية السياسية التي تمهد لولادة العراق الجديد سقط في مواجهة الإرادة العراقية.

الرابع: نجاح الإرادة العراقية في التعبير عن رأيها السياسي وبالتالي ممارسة حقها في اختيار الفئات والشخصيات التي تطمئن إليها في قيادة العملية السياسية في المرحلة المقبلة، من دون فرض أو وصاية من أحد، وستكون غالبية حكام العراق في المرحلة المقبلة ممثلة للأمة ووكيلة للشعب، معبرة عن انتماءات الطرفين وتكوينهم، وهذا لم يحدث في تاريخ العراق طوال قرون.

ولا شك في أن ما يجرح مشاعر العراقيين والمسلمين العرب عموماً، هو أن الانتخابات ومجمل العملية السياسية في العراق تجري في ظل الاحتلال، وهذا الأمر الواقع المر الذي يجب التعامل معه في إطار القواعد الشرعية التي تحددها مرجعيات الإفتاء والقواعد القانونية التي يحددها القانون الدولي والقواعد السياسية التي تحددها إرادة الشعب العراقي وخياراته.

مخاوف وأخطار وأزمات!

هل هذا يعني أن نجاح الانتخابات على النحو الذي تحدثت عنه سيزيل كل المخاوف والعراقيل؟ أم أن هناك عقبات ستواجه استقرار الوضع في العراق؟

يجيب المؤمن: «لا شك أن هذه الانتخابات ليست العصا السحرية التي ستنقذ العراق من أزماته ومأزقه التي تتفاوت أعمارها التاريخية، فهناك أزمات عمرها 1350 عاماً، وهناك أزمات عمرها 83 عاماً، وخلقتها الدولة العراقية الحديثة، وهناك أزمات عمرها 25 عاماً، خلفها نظام البكر ـ صدام، إلى أزمات لا يتجاوز عمرها عاماً ونصف عام نتجت عن واقع الاحتلال.

فكل مكونات الشعب العراقي الدينية والمذهبية، والقومية والاجتماعية والسياسية تعيش اليوم أزمات أساسية، وهذه الأزمات بعضها مستعص ولا يمكن حله بفعل سياسي واحد أو اثنين أو عشرة. ومن السذاجة أن نعتقد أن المأزق العراقي الحالي أو الأزمات الحالية هي وليدة مرحلة ما بعد سقوط نظام صدام، وإنها جاءت مع الاحتلال، بل ومن السذاجة أن نعتقد أن هذه الأزمات هي نتاج مرحلة حكم البكر ـ صدام. وكإشارة عابرة في هذا المجال، فإن أمنيتي كباحث هو إخضاع الوضع العراقي للدراسات العلمية وبعقلية موضوعية مجردة من المواقف السياسية والطائفية والعنصرية، وصولاً إلى فهم هذا الوضع دقيقاً وبالتالي وضع الحلول المطلوبة للمشكلة العراقية بكل تعقيداتها. أما المعالجات الدعائية والإعلامية للوضع العراقي والمنطقة من فهم جامد ومواقف سياسية وطائفية وعنصرية فإنها أضرت بالعراق كثيراً وخلطت الأوراق ولا سيما تلك التي تعتقد أنها تستند إلى مقولة الحق التاريخي ومقولة الحكم الشرعي.

وهكذا كان التعاطي والانتخابات، سواء من المشاركين أو المقاطعين، تعبيراً عن تعبئة شاملة عاطفية وعقلية، وخليطاً من الفعل والانفعال، ومواجهة بين التحدي والتحدي المضاد وصراع بين مقولتين للمقاومة، فنرى أن المجموعات السكانية التي شاركت في الانتخابات حملت معها عواطفها وعقلها وفعلها وانفعالها وتحديها إلى صناديق الاقتراع، كأنها تمارس عملاً تاريخياً، وهو كذلك بالفعل، فكانت الانتخابات بالنسبة إليها تكليفاً شرعياً أو واجباً وطنياً أو حقاً سياسياً أو دفاعاً عن الانتماء الشخصي (الطائفي أو القومي والاجتماعي)، أو كل هذه الأشياء معاً.

المهم أن هذه الانتخابات هي الخطوة الأهم في الاتجاه الصحيح في اتجاه إخراج العراق من أزماته وفي مقدمها أزمة إشراك مكونات العراق الأساسية في تقرير المصير وفي الدولة والسلطة والثروة في شكل عادل وأزمة بناء الدولة وأزمة الاحتلال، لأن الجمعية الوطنية التي ستنبثق من هذه الانتخابات، ستشكل حكومة جديدة أكثر التصاقاً بالواقع العراقي، وستقر الدستور الدائم الذي يمثل العقد الموضوعي الذي ستتوحد في إطاره كل مكونات الشعب العراقي، والذي سيمهد أيضاً لانتخابات أساسية تترشح عنها دولة جديدة ومؤسسات دستورية دائمة وحكومة منتخبة، الأمر الذي سيفقد الاحتلال ذرائعه في البقاء في العراق، وسيكون خروجه أو إخراجه من العراق أمراً واقعاً لا مفر له، وستكون أي ذريعة لبقائه مترافقة مع إرادة شعبية شاملة لإخراجه. وأنا على يقين بأن موقف المرجعية الدينية في النجف الأشرف والقوى الإسلامية الشيعية والوطنية سيكون مختلفاً بالكامل. وأعتقد أن الحوار مع المعارضة ومع المقاطعين للعملية السياسية لابد من أن يكون سيد الموقف في مرحلة ما بعد تشكيل الجمعية الوطنية، بهدف تقريب المواقف والتأسيس لمساحة وطنية شاملة يقف عليها جميع العراقيين. ويا للأسف تشهد المرحلة الحالية نوعاً من عدم الاعتراف بين السائرين في العملية السياسية ومقاطعيها، فأصحاب العملية السياسية (الحكم لاحقاً) يرون أنهم يمثلون القوى الأساسية في الساحة العراقية، وأن المقاطعين هم أقلية وتيارات غير أساسية، وبذلك لا تطعن مقاطعتهم في صحة العملية السياسية. أما المقاطعون فيرون أنهم قوى أساسية وفاعلة وأن العملية السياسية مطعون بشرعيتها بسبب عدم مشاركتهم وبسبب وجود الاحتلال. لذا لا يمكن حل هذه الأزمة إلا بالحوار والاتفاق على ثوابت يجمع عليها الطرفان، وإن أيقن الطرف الذي سيكون في السلطة أنه يمثل الأكثرية الساحقة من الشعب».

وهل من مخاوف وأخطار أخرى؟

يجيب المؤمن: «رغم جملة النجاحات والايجابيات التي رافقت العملية الانتخابية، هناك مخاوف وأخطار في مقدمها المخاوف من احتمال إغفال خطورة المشروع الأميركي في العراق والمنطقة، في غمرة شعور الشعب العراقي بالانتصار على التحدي وانشغال قائمة الأكثرية بهموم الحكم والأمن والجانب التنفيذي، وبالتالي فسيان ما يضمره الأميركيون للعراق والمنطقة، وتصديق دعاوى الأميركيين بأنهم جاؤوا لفرض الديمقراطية على العراق، بدليل أنهم سمحوا بإجراء انتخابات تعددية ديمقراطية! المخاوف الأخرى تأتي من احتمالات تزوير الأميركيين الانتخابات وإن في الحد الذي يخلط الأوراق، وبالتالي حرمان قائمة الأكثرية من تشكيل الحكومة التي قد تطمح إلى دفع العملية السياسية في اتجاه مغاير للأجندة الأميركية. هناك مخاوف أيضاً من انفراط عقد كتلة الائتلاف الوطني الموحد داخل الجمعية الوطنية وبالتالي حصول تجاذبات لا تفيد مساعي التهدئة وفرض الاستقرار في العملية السياسية. وكذلك المخاوف من إغفال عمليات الاعمار وإعادة البناء والخدمات والأمن. وأخيراً هناك مخاوف من تصويت ثلاث محافظات في الاستفتاء العام ضد الدستور، مما يؤدي إلى حل الجمعية الوطنية وإجراء انتخابات جديدة، وهذه الدوامة ستعمق الفلتان الأمني وتعطيل عمر الاحتلال وتكرّس مشروعه في العراق.

شيعة العراق هم العراق!

لكن ثمة من يعتبر أن المنتصر الأكبر في هذه الانتخابات هم الشيعة. يرد المؤمن:

«لا أستغرب الانفعال السياسي والإعلامي والدعائي الذي يتحدث عن سيطرة شيعية على مقاليد السلطة في العراق، لأن ما سيحدث في العراق وهو ولادة جديدة غير مألوفة للمحيط الطائفي والقومي. فالدولة العراقية التي ستولد هي دولة يريد لها العراقيون أن تمثلهم جميعاً وأن تعبّر عن إرادتهم الفكرية والسياسية والاجتماعية جميعاً، وبما أن العرب الشيعة وكذا الأكراد والتركمان سيكونون شركاء في هذه الإرادة، فإن هذا الأمر رشح عنه كل ذلك الانفعال، لأن هذا غير مألوف وجديد وغريب وينذر بالخطر على العراق والمنطقة فالعراق ظل قروناً طويلة محكوماً بمعادلة طائفية وقومية ثابتة، وهذه المعادلة هي حالياً في طور التغيير الجذري كما يبدو. وفي الحقيقة أتفهم هذه المشاعر والمواقف الصادقة ولكن لابد للمتخوفين أيضاً من قراءة الواقع العراقي قراءة موضوعية جديدة، لأن هدف الجميع لابد أن يتمحور على استقرار العراق وحل أزماته وعقده، وإعطاء الفرصة لأهله كي يعبروا عن إراداتهم الحقيقية. وتلك القراءة المطلوبة لابد من أن تستند إلى حقائق العراق ومعطياته.

إن شيعة العراق ليسوا عصابة جاءت من عوالم أخرى لتسيطر على العراق، ولا قطّاع طرق يريدون خطف العراق من أهله. شيعة العراق هم العراق، كما أن سنة العراق هم العراق وكما أن أكراد العراق وتركمانه هم العراق، ولذلك من الطبيعي أن يسيطر العراق على مقاليد السلطة وأن يكون للعراق مشروع للسيطرة على العراق. وإذا كان العرب الشيعة يشكلون الأغلبية السكانية، فمن المنطقي والطبيعي أن يكون حضورهم في الحكم وفي أجهزة الدولة أكثر عدداً وأهم نوعاً من المكونات المذهبية والقومية الأخرى. فما الغريب الموضوعي في هذه المقولة المنطقية؟ وأين الخطر في تطبيق هذه المعادلة؟

ثم إن الشيعة ليسوا كتلة واحد في المفهوم السياسي، فهم طائفة مذهبية وليسوا كتلة سياسية، صحيح أن الأكثرية الشيعية هي مع التيار الإسلامي ومع المرجعية الدينية، أي تدين بالولاء للرموز الدينية والقوى السياسية الدينية، ولكن هناك أيضاً شيعة علمانيون يتصنيفاتهم الليبرالية والقومية والماركسية وغيرها. وصحيح أيضاً أن الشيعة العرب هم الأكثرية القومية عدداً، ولكن هناك شيعة أكراد وشيعة تركمان، ولبعض هؤلاء ميول قومية أكثر من الميول الدينية.

وإذا كان القصد من ذلك الرعب والانفعال السياسي والإعلامي هو مشروع الإسلاميين الشيعة، فما المانع من أن يكون للقوى السياسية والدينية مشاريعها للوصول إلى السلطة، فكما أن لكل الأحزاب مشاريعها، فالقوى الإسلامية الشيعية لها مشاريعها أيضاً، لأن هدف كل حزب وجماعة سياسية هو الوصول إلى السلطة. وإذا كانت أكثرية الشعب العراقي قد انتخبت القوى الإسلامية الشيعية، فالمفروض احترام إرادة الأكثرية وتبقى الساحة العراقية مفتوحة للجميع، وصندوق الاقتراع هو معيار الجماهيرية والشعبية.

إن التخوف من حضور الشيعة بقوة في الدولة قد يكون في محله لو مارس الشيعة ما يعرف بديكتاتورية الأكثرية التي من شأنها مصادرة حقوق الأقليات، أو الاستئثار بالدولة والسلطة والثروة كما فعلت النخب التي سيطرت على العراق عقوداً طويلة. وقد يكون هذا التخوف في محله لو كان الشيعة أقلية طائفية وقومية تريد ابتلاع كل شيء، أو كانوا جماعة من العملاء الذين يرمون إلى ربط الوطن بالأجنبي. ولكن، كما قلنا، الشيعة ليس لديهم مشروع موحد ولا أي مشروع للاستئثار بالسلطة، لأن هذا لا ينسجم مع ثوابتهم، كما لا ينسجم مع التركيبة العراقية المتنوعة.

أما وطنية الشيعة، فلا أعتقد أن أحداً يزايد عليها، وهم يعشقون العراق لأنهم يعتبرونه أرضاً مقدسة تضم رفات ستة من أئمتهم وتضم عاصمتهم الدينية ـ النجف، ولأنهم أهل العراق منذ خمسة آلاف سنة. ورفضهم أي وصاية أجنبية أو احتلال هو الذي جلب عليهم الويلات والمصائب، فلو هادنوا الإنكليز وانتقموا لأنفسهم من العثمانيين الذين أذاقوهم الأمرّين، لكانوا أساس الدولة والسلطة منذ عام 1914، ولما حط قطار الدكتاتوريات المدعومة من بريطانيا وأميركا رحاله في بغداد طوال (83) عاماً.

أعتقد أن المحيط المنفعل والمتخوف من ممارسة شيعة العراق حقهم الطبيعي في العيش بسلام من دون اضطهاد وتمييز ومقابر جماعية، وفي أن يكون لهم حضورهم في الدولة العراقية الجديدة في شكل ينسجم مع نسبتهم العددية ومع كفاءاتهم وقدراتهم، وأن يكون لهم من خلال الدولة علاقات متميزة مع الواقع العربي والإسلامي، باعتبارهم جزءاً منه، أعتقد أن هذا المحيط سيتراجع عن موقفه غير الموضوعي تدريجياً إذا اطلع على حقيقة الموقف الشيعي من القضايا العربية والإسلامية، ويبرى أن الشيعة هم دعامة الوحدة، ومادة الممانعة الوطنية والقومية والإسلامية ومادة الاستقرار والتوازن في منطقة الشرق الأوسط.


أضف تعليق


كود امني
تحديث

الى الاعلى