قراءة 244 مرات

قصة الإسلام الحركي

17 / أيار / 2006 وسام السبع

الباحث العراقي علي المؤمن «الغريفي» في حوار مع «الوطن»

بعض الشخصيات باتت تشعر بالحرج من ارتباطاتها التنظيمية

السابقة وسأكتشف عن معلومات مهمة في كتبي القادمة

 

لم يكن بروز الإسلام الحركي في البحرين مفصولا عن بيئات الدعوات الأم التي قامت في الدول العربية والأقطار الإسلامية المحيطة.  وإذا كانت البدايات التنظيمية الأولى قد تواكبت مع اتساع نفوذ الأخوان المسلمين المصريين في الأربعينات على المسار السني، ومع البدايات الأولى لحزب الدعوة العراقي أواسط الخمسينات من القرن العشرين في المسار الشيعي، فإن ما شهدته الساحة المحلية منذ منتصف السبعينات حتى اللحظة الحاضرة يؤشر إلى عمق تأثير هذه التيارات والحركات في العمل السياسي والاجتماعي والخيري وفي المزاج العام الشعبي على كل المناحي والممارسات.

ورغم تشعب مجالات العطاء والتأثير إلا أن الذاكرة التاريخية المحلية لا تحتفظ بالكثير من الأدبيات حول هذه الجماعات والتيارات.  وقد ظلت المدونة التوثيقية في هذا الصدد مفتقرة إلى الشهادات والبيانات والتأليفات التي تسجل وتحفظ وتمارس النقد.

لقد تدشنت ظواهر الإسلام الحركي في البحرين، غالبا، في أعقاب ازدهار عدد من التنظيمات السياسية اليسارية والقومية مثل جبهة التحرير التي مثلت التيار الماركسي وحزب البعث العربي الاشتراكي وحركة القوميين العرب، وكان خط الأخوان المسلمين هو الأسبق ظهوراً من بينها في أواخر الأربعينات، حيث شكل الفرع المحلي للأخوان عام 8491 قوة رمزية شاركت في القتال في فلسطين.  أما التيار الشيعي فقد أينعت اختماراته الأولى في السبعينات حين نجح عدد من ممثلي الكتلة الدينية في انتخابات المجلس الوطني ومنذ هاتين اللحظتين أمتد تاريخ حركي عرف المهادنة والصدام والانكفاء وإعادة إنتاج الخطاب، وكانت الأجيال المختلفة من المنتمين لهذه التيارات تؤسس لممارساتها ورؤاها وعلاقاتها المحلية والخارجية بأنماط شتى ووفق مروحة واسعة من الاجتهادات.

ورغبة في خلق ذاكرة تراكمية حول قصة الإسلام الحركي في البحرين فإن صحيفة »الوطن« تفتح الباب لتسجيل الوقائع والشهادات.  وهي تأخذ على نفسها أن ترصد وتعرض تاركة العهدة على الرواة من أبناء ورموز هذه التيارات.  ومشرعة المجال، في الوقت نفسه، للتعقيبات والتوضيحات التي تردها من المعنيين وأصحاب الصلة بتاريخ التنظيمات والجماعات المتماسة مع الموضوع.

تنشر فصول هذا الملف على حلقات متتابعة.  ويخضع تراتب النشر لاعتبارات فنية تحددها أولويات اعداد المادة الصحفية.

   (التعریف التالی یوضع مقدمة للحواربعد اعادة صیاغته من قبل الاستاذ وسام السبع )

علي المؤمن: باحث في الفكر الإسلامي

- ولد في النجف الأشرف (العراق) عام 1964، من أسرة دينية هي فرع من أسرة (الغريفي) المنتشرة في العراق وإيران والكويت إضافة إلى موطنها الأصلي البحرين.

ـ حاصل على الماجستير في علم الاجتماع السياسي ويحضر للدكتوراه في القانون الدستوري ، فضلا عن دراسته العلوم الإسلامية فی الحوزة العلمیة .

ـ بدء بممارسة الكتابة والصحافة في عام 1981.

ــ عمل رئيساً لتحرير عدد من الدوريات الثقافية والفكرية، مثل مجلة التوحيد (ابتداءً من عام 1991)، سلسة كتاب التوحيد(1993)، مجلة الكوثر (1993).

ــ شغل منصب مدير مؤسسة التوحيد للنشر الثقافي (1994).

ـ يعمل حالياً مديرا للمركز الإسلامي للدراسات المستقبلية (منذ 1999)  ورئيساً لتحرير إصداراته كمجلة المستقبلية ومجلة اتجاهات مستقبلية.

ــ شغل في عدد من البلدان مواقع إدارية واستشارية ودبلوماسية.

ــ اشترك في أكثر من (70) مؤتمر وندوة ونشاط ثقافي وفكري في حوالي (14) دولة عربية وأجنبية.

ــ له مساهمات بحثية في قضايا الفكر الإسلامي المعاصر والشأنين العراقي والإيراني والدراسات المستقبلية، تمثلت في أكثر من (250) دراسة ومقال و(14) كتاباً، منها: المسألة الطائفية في الإسلام (1994) النظام العالمي الجديد(1994)، سنوات الجمر.. مسيرة الحركة الإسلامية في العراق (1993)، الإسلام والتجديد.. رؤى في الفكر الإسلامي المعاصر(2000)، الغزو الطائفي في مواجهة المشروع الحضاري الإسلامي (2003)، الفقه والسياسة، تطور الفقه السياسي الإسلامي (2004)، النظام السياسي الإسلامي الحديث وإشكالية الاقتباس (2004).

عاملان أساسيان يؤكدان على أهمية الحديث مع الباحث في الفكر الإسلامي علي المؤمن ضمن سياقات الحديث عن قصة الإسلام الحركي في البحرين. العامل الأول ذاتي والآخر موضوعي. ويتمثل العامل الذاتي في عشرة مراجع تقليد وأكثر من 100 مجتهد، ومئات المحدثين والمحققين وعلماء الدين والكتاب والخطباء والشعراء والأساتذة الجامعيين. فضلاً عن عدد من الزعامات الدينية والسياسية والوزراء ورجال الدولة والقادة العسكريين ورجال الأعمال. وهم موزعون على أربعة بلدان أساسية احتضنت فروع الأسرة. وهي البحرين والعراق وإيران.

أما المبرر الموضوعي فيكمن في أهمية شهادة المؤمن بصفته صاحب أحد أهم المشاريع التوثيقية للتاريخ السياسي والاجتماعي للعراق الحديث من خلال ثلاثيته (سنوات الجمر) و(سنوات الحصاد) ثم (سنوات الرماد). وهو مشروع تتبع وسجل بأمانة أكاديمية رصينة مسيرة الحركة الإسلامية في العراق وتأثيرات (المركز) العراقي في توليد الوعي الحركي على (الأطراف). وامتداد الحركة الإسلامية في بعدها المذهبي الشيعي على المستوى التنظيمي.

الباحث علي المؤمن من مواليد النجف الأشرف (العراق) عام، 1964 من أسرة دينية هي فرع من أسرة (الغريفي) المنتشرة في العراق وإيران والكويت إضافة إلى موطنها الأصلي البحرين. وهو حاصل على الماجستير في علم الاجتماع السياسي ويحضر للدكتوراه في القانون الدستوري. فضلاً عن دراسته العلوم الإسلامية في الحوزة العلمية. بدأ بممارسة الكتابة والصحافة في عام 1981 وعمل رئيساً لتحرير عدد من الدوريات الثقافية والفكرية. مثل مجلة التوحيد (ابتداءً من عام 1991). سلسلة كتاب التوحيد (1993). مجلة الكوثر (1993). شغل منصب مدير مؤسسة التوحيد للنشر الثقافي (1994). ويعمل حالياً مديراً للمركز الإسلامي للدراسات المستقبلية (منذ 1999) ورئيساً لتحرير إصداراته. كمجلة المستقبلية. ومجلة اتجاهات مستقبلية. شغل في عدد من البلدان مواقع إدارية واستشارية ودبلوماسية واشترك في أكثر من (70) مؤتمراً وندوة ونشاطاً ثقافياً وفكرياً في حوالي (14) دولة عربية وأجنبية. له مساهمات بحثية في قضايا الفكر الإسلامي المعاصر. وفي الشأنين العراقي والإيراني والدراسات المستقبلية. وقد تمثلت هذه المساهمات في أكثر من (250) دراسة ومقال و(14) كتاباً. منها: المسألة الطائفية في الإسلام (1994) النظام العالمي الجديد (1994). سنوات الجمر.. مسيرة الحركة الإسلامية في العراق (1993). الإسلام والتجديد.. رؤى في الفكر الإسلامي المعاصر (2000). الغزو الطائفي في مواجهة المشروع الحضاري الإسلامي (2003). الفقه والسياسة. تطور الفقه السياسي الإسلامي (2004). النظام السياسي الإسلامي الحديث وإشكالية الاقتباس (2004). فإلى نص الحوار:

* أرى من المهم، في البداية، أن نبدأ معك بالحديث عن صلة النسب التي تربطكم بالعائلة الغريفية ذات العمق التاريخي الضارب في العراقة والعلم، ثم كيف وما هي العوامل التي دفعت رجال العائلة إلى الهجرة من البحرين قبل عقود؟

ـ الأصول البحرينية لأسرتنا في الواقع موضع فخر لنا، فبرغم مرور عقود طويلة على هجرة الأجداد إلا أن البحرين لا تزال تعيش في وجداننا، ونحن نربي أولادنا على هذه المشاعر، مما يجعلنا نتوقف عند كل ما له علاقة بالبحرين، فضلاً عن متابعة أخبار أسرتنا الغريفية في البحرين، ولدينا علاقات وتواصل مع بعض أبناء الأسرة من أبناء عمومتنا. ولا شك أن ما قدمته هذه الأسرة التي تنتسب إلى جدها الأعلى الفقيه السيد حسين الغريفي (ت عام 1001هـ) هو مفخرة لكل أتباع أهل البيت في العالم، وليس للبحرين أو لنا فقط، بالحجم الذي يجعلها متفردة على هذا الصعيد. يكفي أن نذكر أنه خلال 400 سنة وهو عمر الأسرة، خرج من أبنائها أكثر من عشرة مراجع تقليد وأكثر من 100 مجتهد ومئات المحدثين والمحققين وعلماء الدين والكتاب والخطباء والشعراء والأستاذة الجامعيين، فضلاً عن عدد من الزعامات الدينية والسياسية والوزراء ورجال الدولة والقادة العسكريين ورجال الدولة والقادة العسكريين ورجال الأعمال، وهم موزعون على أربعة بلدان أساسية احتضنت فروع الأسرة، وهي البحرين والعراق وإيران والكويت. وقد يكون مدهشاً أن نكشف بأن عدد الذين قتلهم نظام صدام حسين من الغريفيين خلال 23 عاماً فقط، أي من 1980 وحتى 2003 تجاوز مائة واثنين وثلاثين شخصاً (132) وهم الذين عرفت أسماؤهم حتى الآن.

ولعل من أهم ما يميز الأسرة الغريفية هو كثرة الترحال والهجرات، فضلاً عن اتخاذ فروعها ألقاباً وأسماء متنوعة كثيرة قد يزيد عددها الآن على عشرين لقباً، الأمر الذي جعل بعض أبنائها يجهل أن هذه الأسرة، أو تلك، هي فروع من الدوحة الغريفية، مما تسبب في قطيعة بين بعض هذه الفروع، ولكن بالطبع هناك في النجف الأشرف وبغداد وغيرهما من يضبط أنساب الغريفيين، ويتواصل مع الفروع ويربطها ببعضها.

ولهجرة فرعنا إلى العراق قصة معروفة دونها المؤرخون، فجدّنا العلاّمة السيد عبد الله البلادي (حفيد السيد حسين الغريفي) كان فقيه البحرين وسيدها، ونتيجة الأحداث التي ألمت بالبحرين في زمان زعامته، فقد اضطر، إلى الهجرة مع أسرته إلى مدينة بهبهان في جنوب إيران، وبقي أولاده وأحفاده فترات متفاوتة في بهبهان، ثم أخذ الكثير منهم يعود إلى البحرين أ, يهاجر إلى العراق وغيرها، وكان أحد أحفاد السيد البلادي الذين هاجروا إلى النجف الأشرف هو جدنا العلاّمة السيد عبد الله المؤمن الذي حمل هذا اللقب في النجف الأشرف إثر حادثة معروفة كتب عنها من ترجم للسيد، وكانت هجرته إلى النجف الأشرف في حدود العام 1760 الميلادي، أي قبل أكثر من 240 عاماً، هو عمر أسرة المؤمن في العراق، ولكن ظلت صلات الرحم قائمة بينهم وبين أبناء عمومتهم في الحرين وغيرها.

وهناك فروع أخرى من آل الغريفي هاجرت أيضاً من البحرين إلى العراق في فترات أخرى، بعضها يعود بنسبة إلى جدنا السيد عبد الله البلادي الغريفي والآخر إلى ابن عمه الشهيد السيد أحمد المقدس الغريفي المعروف في العراق بالحمزة الشرقي، وبالتالي فجميع أنساب الأسرة الغريفية في كل البلدان تعود إلى هذين السيدين الجليلين (البلادي والحمزة الشرقي).

* كتبت (سنوات الجمر) الذي يؤرخ لمسيرة الحركة الإسلامية في العراق من العام 1957 حتى العام 1986 وامتنعت عن ذكر كثير من الحقائق والرؤى والتحليلات في الطبعة الأولى منه، وهو السبب الذي يدفعك لتأجيل صدور الجزء الثاني من كتابك (سنوات الرماد) ويتناول الفترة التي تلي عامك 1986 ما هي باعتقادك الأسباب التي تجعل من الباحث في تاريخ الحركة الإسلامية بشكل عام يتهيب طرح مشاريعه التوثيقية؟

ـ لقد بدأت بتأليف الكتاب عام (1984) وانتهيت منه عام (1989) وصدر عام 1993، كنت خلالها أجري عليه تعديلات وإضافات باستمرار. وكانت هذه السنوات سنوات صراع شامل بين الحركة الإسلامية العراقية ونظام صدام، وكان لهذا الوضع انعكاساته على الأرض في أغلب البلدان العربية التي فيها امتدادات للحركة. ومن هنا كانت الكوابح الشرعية والأخلاقية والإنسانية تمنعني من إعطاء معلومات مجانية للنظام وغيره، فالأمانة على أسرار الناس أهم بكثير من الأمانة العلمية أو السبق المعلوماتي. من جانب آخر كان الوضع الداخلي للساحة الإسلامية العراقية ملتهباً هو الآخر، سواء على مستوى التصدعات والخلافات والانشقاقات، أو على مستوى ضعف أفق الساحة الإسلامية وعدم قدرتها على تحمل أي تقويم موضوعي أو نقد أو حقائق قد يعتبر بعضهم إنها تستغل ضده. وكان هذا الأمر ثقافة عامة لا يفلت منها حتى الإنسان العادي الذي لديه مجرد ميول لشخصية أو تيار.

وقد أشرت في مقابلات صحفية سابقة إلى أن كماً هائلاً من الحقائق والأرقام والتحليلات تجمع لدىّ خلال فترة الإعداد للكاتب، ربما تتجاوز الخمسة آلاف صفحة، بضمنها ما يتعلق بامتدادات الحركة الإسلامية العراقية في البلدان الأخرى، ولا سيما الخليجية ولبنان وأفغانستان. وكان مفترضاً للكتاب أن لا تقل عدد صفحاته عن (1000) صفحة، ولكن الأسباب السابقة حالت دون نشر كثير من هذه الحقائق، وما تكوّن لدي من تحليلات حيالها. وأنا هنا لا أتحدث عن مجرد كتاب، بل عن طبيعة الواقع السياسي والاجتماعي الذي كانت تعيشه الساحة. وللأسف فإن الكتابات التي صدرت خلال الفترة المذكورة وحتى عام 2002، كانت تعبّر عن اللغة السائدة آنذاك، وهي لغة تتميز بانحيازها إلى خصوصيات الذات والميول الشخصية غالباً. وقد أشرت إلى بعض الحقائق في هذا المجال في مقدمة الطبعة الثالثة. وأعتقد أن الظروف الموضوعية قد تغيرت الآن إلى حد كبير، ولعلها تسمح بالتفكير بصوت عال وهو ما دفعني إلى إضافة أكثر من مئتي صفحة إلى الطبعة الثالثة من الكتاب، وهي تحتوي على عشرات المعلومات والآراء الجديدة. كما إني فكرت بإكمال المشروع في المستقبل القريب. والحقيقة أن الهدف العلمي للمشروع لا ينحصر بموضوعة الحركة الإسلامية العراقية، بل يتعداه تحديداً إلى تاريخ العراق السياسي الحديث، فهو يدخل في إطار مشاريع إعادة كتابة تاريخ العراق السياسي الحديث، هذا التاريخ الذي كتب غالباً بأقلام رجالات السلطة، فهو التاريخ الرسمي إذن، شأنه شأن معظم كتب تاريخنا الإسلامي التي أرخت للحكام، ولم تؤرخ للمحكومين إلاّ من وجهة نظر الحكام.

* تجربتك التوثيقية في (سنوات الجمر) منحت المتلقي قراءة موضوعية مختلفة، عمادها النقد والتقويم والنظرة الفاحصة لمسارات الحركة الإسلامية في العراق.. كيف ومتى بدأ اهتمامك بتوثيق تاريخ الحركة الإسلامية في العراق؟

ـ يعود اهتمامي بموضوع الكتابة عن الحركة الإسلامية العراقية إلى عام 1981، أي منذ بدايات احترافي العمل الصحافي والبحثي. وكانت تشدني إلى الموضوع عدّة عوامل، أهمها أن الحركة الإسلامية العراقية تتعرض لحرب إعلامية كبيرة، هي استمرار للحرب التاريخية التي بدأت منذ أول صفحة تاريخ كتبت بعد انهيار الخلافة الراشدة. والحرب الإعلامية الجديدة كان يقودها النظام العراقي وتدعمه كثير من وسائل إعلام المنطقة، كما تساهم معظم وسائل الإعلامية العالمية في الجهد الحربي الإعلامي هذا من خلال التعتيم أو نشر المعلومات والتحليلات الخاطئة. ومن جهة أخرى كانت الحركة الإسلامية العراقية تعيش تحت وطأة هذا الواقع الإعلامي الضاغط، وكانت من جانبها تفتقد إلى روح المبادرة، لأسباب كثير منها خارج عن إرادتها، فكانت ممارستها الإعلامية غالباً صرخة في واد، لا تصل إلى أحد أو لا يريد أن يسمعها أحد. وكان ذلك وضعاً قاتلاً. وحيال ذلك وجدت نفسي مشدوداً إلى الكتابة عن الحركة الإسلامية، لأسباب وجدانية وأخرى موضوعية؛ فبدأت بكتابة عدد من المقالات في مجلات وصحف عربية كانت تصدر في بريطانيا والسويد ابتداء من عام 1982 فضلاً عن صحافة المعارضة العراقية.

وكما أشرت في معرض الإجابة على السؤال السابق، فإن الهدف هو الكتابة عن تاريخ العراق السياسي الحديث وحركته الإسلامية في إطار منهج علمي ولغة موضوعية، تحاول قدر الإمكان الابتعاد عن العقد التي تعيشها الساحة، سواء على مستوى السلطة أو ساحة الحركة الإسلامية. ومن هنا كنت متأنياً كثيراً في تناول المعلومات ودراسة الحقائق وتكوين الرأي؛ الأمر الذي اضطرني إلى إعادة كتابة «سنوات الجمر» ثلاث مرات. وإضافة إلى سنوات الجمر، فقد صدر لي كتابين آخرين وعدد من الدراسات التي تدخل في الإطار نفسه. ولا يفوتني أن أؤكد بأن كتاباتي عن الحركة الإسلامية العراقية وعن العراق هي غالباً موجهة لغير الإسلاميين العراقيين، أي إنني لا أكتب عادة لأبناء الساحة، بل أحاول قدر الإمكان أن أقدم فهماً للإسلاميين غير العراقيين والعراقيين غير الإسلاميين حول الموضوع، وكذلك للباحثين العارفين بالعربية خارج الفضاء العربي.

ولا أجد حرجاً أن أقول بأنني نجحت إلى حد ما في هذا المجال وفي أهدافي البحثية حول العراق. وهو ما يمكن الوقوف عليه من خلال ردود الفعل على سنوات الجمر ونتاجاتي الأخرى. وأحتفظ الآن بكثير من الدراسات والمقالات والكتب التي تناولت كتاب سنوات الجمر، بينها أكثر من خمسين مقالاً خصص لقراءة الكتاب في عشرات الدوريات العربية والأجنبية. كما أن عدداً من رسائل الماجستير والدكتوراه اعتمد سنوات الجمر مصدراً أساسياً، فضلاً عن صدور كتابين في لندن، أحدهما وثق لسنوات الجمر والآخر فند رواياته كما سماها. وظل الكتاب منذ عام 1993 (سنة صدور الطبعة الأولى) وحتى الآن مصدراً لكل ما كتب حول الموضوع باللغات العربية والفارسية والإنجليزية. واحتفظ بعشرات النماذج بهذا الشأن. الأهم من كل ذلك أن (سنوات الجمر) أصبح مصطلحاً سياسياً وثقافة صحافية في العراق.

* كيف تنظر إلى المشاريع التوثيقية والبحثية الأخرى التي تزامنت ـ إلى حد ما ت مع جهدكم في (سنوات الجمر) ودراساتكم الأخرى عن العراق مثل جهود صلاح الخرسان وعادل رؤوف، وقبل ذلك عبد الرحيم الرهيمي وحنا بطاطو وعلي الوردي؟

ـ بالطبع كتابات المفكر علي الوردي والباحث حنا بطاطو كتبت في أجواء مختلفة عن أجوائنا، لأنهما ليسا إسلاميين قياساً بالأسماء الأخرى. حنا بطاطو ظلت أهدافه أكاديمية وعلمية، وكتاباته في عرضها وتحليلها أقرب إلى المنهج الوصفي. أما الدكتور علي الوردي فبالرغم من أنه كان يعتمد علم الاجتماع مدخلاً وإطاراً، ويحاول أن يغلب شخصية الأكاديمي في كتاباته، إلاّ أنه كان يحمل هماً تغييراً؛ فيدخل في عمق مظاهر المجتمع العراقي ويحفر في مشاكله، ليدعو لمعالجتها وتخليص الواقع منها.

بالنسبة إلى الباحث الصديق عبد الحليم الرهيمي فلا أدري أن كانت نتاجات عن الحركة الإسلامية العراقية غير رسالته الماجستير التي أرخت للفترة حتى عام 1924 على ما أتذكر، وهي من ناحية كونها رسالة علمية والفترة الزمنية التي اختارتها ومعالجتها للموضوع قريبة من دراسة الدكتور عبد الله النفيسي. ولكن الفرق إن النفيسي باحث مراقب والرهيمي باحث لصيق بالحدث. أما الصديقين صلاح الخرسان وعادل رؤوف فهما ابني المحنة وابني الحركة الإسلامية، وكتاباتهما تمثل صورة من الداخل وتنطلق من التجربة الذاتية، ولكن هناك فرق كبير في المنهج بين كتابات صلاح الخرسان وعادل رؤوف؛ فالأول يعتمد التوثيق، ويقدم للقارئ معلومات تفصيلية مركّزة مليئة بالأسماء والأرقام والتواريخ، بأسلوب محايد وغير انتقائي، كما أنه يبتعد قدر الإمكان عن التحليل والرأي الشخصي، وإن تكوّن لديه تحليل فهو استنتاج مستقى من المعلومات نفسها. ومن هنا تعتبر كتاباته جهوداً توثيقية أكثر من كونها دراسات. أما كتابات عادل رؤوف فإنها تمثل منهجية مغايرة تماماً. ولكي نكون منصفين، فإن هناك نتاجات جيدة ومهمة في هذا المجال صدرت لباحثين آخرين، ولكنها لم تحظ بالاهتمام المطلوب.

* في كتابك (سنوات الجمر) ذكرت في سياق كلامك عن حملة الإعدامات التي طالت عناصر حزب الدعوة الإسلامية فيما عرف بـ«قبضة الهدى» عام 1974 أن الوسيلة الإعلامية الوحيدة التي أشارت إلى هذا الحدث هي مجلة المواقف البحرينية وهو ما دفع بالمخابرات العراقية لحكومة صدام العابثة في الخليج باغتيال رئيس تحرير مجلة المواقف عبد الله المدني «رئيس البرلمان البحريني».. وفي هذه الكلام اشتباهان يمكن أن يسجلا: فبحسب الاعترافات المسجلة في المحكمة ـ والمنشورة في الصحف البحرينية في عام 76 على لسان الجناة في قضية اغتيال المدني أن الاتهام وجه إلى أشخاص بحرينيين منتمين إلى تنظيم يساري معروف؛ ثانياً أن عبد الله المدني هو أمين سر المجلس الوطني وليس رئيساً له.. هل يمكن الحديث عن ثغرات تاريخية شبيهة استوطنت ثنايا الكتاب؟

ـ بالطبع أنا لا أدعي أن كل ما جاء في الـ720 صفحة من سنوات الجمر ونتاجاتي الأخرى هو صحيح مائة بالمائة؛ لأن كل صفحة تحتوي على كم غير قليل من المعلومات والتحليلات والاستنتاجات. ولكني ظللت خلال فترة الإعداد أبذل جهوداً مضنية للتأكد من المعلومات، لكي أبني تحليلاتي على مقدمات صحيحة. وبعد صدور الطبعة الأولى وردتني تصويبات من أشخاص وجهات مختلفة. وقد اعتمدت معظمها في الطبعة الثالثة.

* كيف ترى دور «العراق» في توليد الوعي الحركي الإسلامي لدى شعوب دول الخليج بلحاظ تأثير الحواضر العلمية في النجف وكربلاء، وبلحاظ وجود التنظيمات الإسلامية الأم فيها؟

ـ اسمح لي هنا أن أسمي الأسماء بمسمياتها، لأنني هنا أتحدث بلغة البحث العلمي. العراق بالنسبة للإسلاميين الشيعة يشبه مصر بالنسبة للإسلاميين السنة، ولا يقتصر ذلك على الشيعة والسنة العرب، بل يتعداه لغيرهم أيضاً. فمصر من خلال الأزهر وعلمائه ظلت مصدر إلهام ديني وعلمي للسنة خارج مصر، ومن خلال جماعة الإخوان المسلمين ظلت مصر إلهام حركي. والنجف الأشرف هو أزهر الشيعة من الناحية العلمية، ويزيد عليه من الناحيتين الاجتماعية والدينية في أن مرجعيته ذات تأثير فريد في الواقع الشيعي لا يرقى إليه تأثير في السنة. أما حزب الدعوة الإسلامية عند الشيعة فهو يشبه جماعة الإخوان المسلمين عند السنة. وكما أن الحركة الإسلامية السنية انتشرت خارج مصر ممثلة بامتدادات جماعة الإخوان، فإن الحركة الإسلامية الشيعية ولدت في البلدان الأخرى من خلال فروع حزب الدعوة. ولا بد أن أشير هنا إلى فارق أساسي بين الحركة الإسلامية الشيعية في العراق وشقيقتها السنية العراقية أيضاً. فالحركة الإسلامية السنية في العراق لم تكن عراقية المصدر والمنشأ، بل هي فروع لجماعة الإخوان المصرية أو حزب التحرير الفلسطيني ـ الأردني، ولم يكن للإسلاميين السنة العراقيين تأثير حركي خارج العراق. أم الحركة الإسلامية الشيعية في العراق فعلى العكس من ذلك، أي أنها عراقية بالكامل، ولدت في حدود العراق الجغرافية، وعلى يد شخصيات عراقية، أو عاشت في العراق، ومثلت الواقع العراقي في أبعاده الفكرية والسياسية والتنظيمية، ثم امتدت إلى البلدان الأخرى، أي إن الوجودات الحركية الإسلامية الشيعية في هذه البلدان غالباً هي امتدادات للحركة الإسلامية العراقية. وهذا الأمر ظل قائماً حتى تأسست الجمهورية الإسلامية في إيران؛ حينها تغيرت المعادلة إلى حد ما فكان من الطبيعي بعد عام 1979 أن يتعاظم دور قم وتأثير الجمهورية الإسلامية في الواقع الشيعي في الخارج، ويتضاءل دور الحركة الإسلامية العراقية وامتداداتها، إلى الحد الذي اهتز فيه التنظيم العالمي لحزب الدعوة وتعرض إلى خسائر كبيرة، كان بعضها قاتلاً، ولا سيما بعد حل أقاليم حزب الدعوة في لبنان عام 1982 والكويت 1983 والبحرين 1984 وتبعتهما أقاليم ومناطق أخرى؛ ولذلك أسباب كثيرة ومتشعبة. مع الأخذ بنظر الاعتبار أن تنظيمات حزب الدعوة في هذه البلدان كانت كبيرة ومؤثرة، ومادتها أبناء هذه باقر الصدر، ومرجعياً يعود أفرادها في التقليد إلى مرجعيات النجف الأشرف غالباً، وفي مقدمتها السيد الخوئي والسيد الصدر.

وهناك جماعات أخرى نشأت في البلدان الخليجية، تمثل امتدادات لجماعات ومرجعيات عراقية أيضاً، أهمها الجماعات المرتبطة بمرجعية السيد محمد الشيرازي، وهي مرجعية توصف بأنها كربلائية، وقد كان لهجرة السيد الشيرازي من العراق وإقامته في الكويت دوراً أساسياً في نشوء هذه الجماعات وتقويتها. فيما كانت تتبع تنظيمياً حركة الرسالتين الطلائع أو منظمة العمل الإسلامي (فيما بعد).

وبالطبع يضاف موضوع تنظيمات حزب الدعوة والجماعات الأخرى إلى التأثير العام الكبير لوكلاء وممثلي مرجعية النجف الأشرف وخريجي الحوزة العلمية النجفية العائدين إلى بلدانهم.

* ما هو نصيب البحرين من عمق التأثر بمركزية العراق في هذا الإطار؟

ـ دون شك البحرين مثلت قاعدة أساسية لفكر الحركة الإسلامية العراقية وامتداداتها التنظيمية، ليس على مستوى المنطقة الخليجية فحسب، بل البلدان العربية الأخرى وأوروبا، وهي بذلك تشبه لبنان في أهميتها للحركة الإسلامية العراقية في عقدي الستينات والسبعينات. طبعاً تأثير النجف الأشرف في البحرين هو تأثير قديم جداً، إذ أن معظم علماء البحرين درسوا في النجف الأشرف، وكان الأبرز منهم وكلاء لمرجعية النجف الأشرف. ولكن على المستوى الحركي، فإن الحركة الإسلامية البحرينية (الشيعية طبعاً) هي امتداد للحركة الإسلامية العراقية، وأقصد تحديداً حزب الدعوة الذي دخلت تنظيماته البحرين في أواخر الستينات من خلال علماء الدين البحرينيين الذين درسوا في النجف الأشرف. وبالنظر لحجمه وقوته، فقد ارتقى تنظيم الحزب في البحرين إلى مستوى إقليم أسوة بإقليم العراق وإقليم الكويت وإقليم لبنان وغيرها. وكانت الشخصيات التي تقود الحزب في البحرين علماء دين معروفين ومثقفين. والحديث عن الأسماء والتواريخ والوقائع في هذا المجال يطول. وربما سأتطرق إلى هذا الموضوع وكذلك باقي تنظيمات الحزب في البلدان الأخرى في كتاب (سنوات الرماد). أما التيار المرتبط بمرجعية السيد محمد الشيرازي فهو تيار ينتمي أيضاً إلى مركزية العراق، لأن مرجعية السيد الشيرازي هي مرجعية عراقية. وقد ولد هذا التيار مع دخول السيد هادي المدرسي البحرين وإقامته فيه في فترة السبعينات.

ومن الطبيعي أن تكون الخلافات التي تدور على قاعدة التنافس بين ثلاثة تيارات رئيسية في البحرين: تيار علماء الدين التقليديين، تيار حزب الدعوة وتيار السيد الشيرازي، هي خلافات تمثل انعكاساً لما كان يجري في العراق في عقد السبعينات، ثم ما كان يجري بين العراقيين في إيران في عقد الثمانينات، ولا سيما بعد بروز تيار رابع في هذه البلدان ولد قوياً هو تيار خط الإمام.

* هذا كلام يجنح إلى العمومية.. هل هناك تفصيلات أكثر من هذه الامتدادات التنظيمية؟

ـ لا أخفيك، إنني أمتلك معلومات ووجهات نظر حول امتدادات الحركة الإسلامية الشيعية العراقية في المنطقة الخليجية ولبنان وأفغانستان وباكستان، ولا سيما البحرين، ولكن لا تزال هناك حساسيات شديدة بشأن الحديث عنها، خاصة أن بعض الشخصيات باتت تشعر بالحرج من ارتباطاتها التنظيمية السابقة، فضلاً عن أن قسماً من المعلومات والتحليلات التي يمكن الحديث عنها أصبح متداولاً في الصحافة والكتب، كما إنني أحاول أن أحتفظ بالقسم الذي لم يكشف لنشره في مشروعاتي الكتابية التي حدثتك عنها.

* متى تنوي طرح كتابك (سنوات الرماد) وهل لك أن تعطينا صورة عامة عنه؟

ـ (سنوات الرماد) سيكون أول مشروع أنفذه بعد الانتهاء من مناقشة أطروحتي في الدكتوراه هذا العام. وقد خططت لسنوات الرماد كي يرى النور خلال عام 2008. علماً أن معظم مادة الكتاب متوافرة. ويستوعب الكتاب خمس عشرة سنة، أي الفترة من 1987 إلى 2001 وهي تشكل مرحلة واحدة. وسيتبعه كتاب آخر عنوانه (سنوات الحصاد) ويدرس مرحلة عمرها خمس سنوات، أي من 2002 إلى 2006 وبذلك يكون المشروع بأجزائه الثلاثة: سنوات الجمر وسنوات الرماد وسنوات الحصاد قد درس نصف قرن (1957 ـ 2006) من تاريخ العراق السياسي المعاصر وحركته الإسلامية.

* تشتغلون في مجال علم المستقبليات، وقد رأست تحرير «مجلة المستقبلية» كما تديرون المركز الإسلامي للدراسات المستقبلية.. هناك من الإسلاميين من يشكك في جدوى الاشتغال بهذا العلم، باعتبار أن الشروط الحضارية للإسلام والمسلمين لا تؤهل ـ كما ينبغي ـ كي يتحدث المسلمون من منظور ديني عن علم دنيوي في الصميم، ويحتاج إلى أدوات بحث وتحليل ومناهج أخرى تختلف عن تلك التي يستعين بها المسلمين في حديثهم عن المستقبليات.. ما رأيك أنت؟

ـ على العكس تماماً، الإسلام جاء ليصرف أنظار الناس عن المناهج الخرافية في التبصر بالمستقبل، ويمنح الإنسان منهجية واقعية في استشراف المستقبل، ويدفعه نحو البناء والتقدم والنهوض الذي يحقق للإنسان هدفه في الاستخلاف وإعمار الأرض، وبناء الدنيا، والكدح لملاقاة الرب الرحيم (ولتنظر نفسّ ما قدّمت لغد). واليوم فإن علم المستقبليات هو رهان الغرب في السيطرة على المستقبل، بل عدة مفكروه ومنهم «الفن توفلر» إستراتيجية البقاء، إذ إن الغرب يعيش في المستقبل اليوم من خلال مخططاته التي تستوعب حتى الخمسين عاماً المقبلة، وأي مجتمع يفتقد التخطيط الاستراتيجي في إطار استشراف المستقبل استشرافاً علمياً ومواجهة متغيراته، فإنه مجتمع لا يريد البقاء، لأن موجات التغيير السريعة وصدماته المتلاحقة ستسحق هذا المجتمع بعجلاتها الرهيبة. وهذا التحذير المادي الدينوي هو تعبير عن سنة كونية، يشير إليها الإمام علي بقوله: «من استقبل الأمور أبصر ومن استدبر الأمور تحيّر». وكذلك الحديث: «العارف بزمانه لا تهجم عليه اللوابس».

ونحن في دراساتنا المستقبلية الإسلامية نسعى لبلورة نظرية إسلامية أسميناها المستقبلية الإسلامية (Islamic futurism) وهي تعتمد العلم والمعرفة العلمية، ومؤطرة بالبعد الإيماني الذي يربط حياة الإنسان الدنيوية بحياته الأخروية، ويربط العمل بالجزاء، ويربط الكدح بالثواب، ويربط إعمار الأرض بتحقيق هدف الاستخلاف. وفي هذه النظرية نعمل على استثمار المناهج والتقنيات الفنية والعلمية في الدراسات المستقبلية التي بلورها الباحثون ومراكز البحوث في الغرب، ثم نسعى لتطويعها في خدمة النظرية الإسلامية في استشراف المستقبل، هي تقف على أساس السنن الإلهية أو الفلسفة الإسلامية في التاريخ، وعلى أساس النصوص الإسلامية (القرآن والحديث) التي تتحدث عن نوعية المستقبل المطلوب أو المستقبل الناجز. ومن هنا نحن نسعى لبحث إمكانية اكتشاف نظرية، فليس الهدف هو التشبه بالدراسات المستقبلية الغربية أو أسلمتها. وفي النتيجة ستكون «المستقبلية الإسلامية» هي رؤية متكاملة لعملية النهوض والبناء والتغيير الإسلامي الشامل.

قد يرى بعض مثقفينا وباحثينا الإسلاميين أن هذه الدراسات هي نوع من الترف العلمي. ولكني أتمنى على هؤلاء أن يتعرفوا على مناهج الدراسات المستقبلية، وخطورتها، وأهميتها في بناء حاضرنا ومستقبلنا. ولطالما تحاورنا مع أمثال هؤلاء الأخوة، وكنت أقول لهم بأننا مهددون في حاضرنا فلا خيار لدينا إلاّ ببناء مستقبلنا، وبناء المستقبل هو قرار الحاضر، فحاضرنا كان المستقبل بالنسبة لماضينا، ولكننا في الماضي لم نتخذ قرار بناء المستقبل، ومن هنا نحن نعيش حاضراً مربكاً، ومصادراً، ومهدداً. ونحن حين بدأنا بمشروع المركز الإسلامي للدراسات المستقبلية كنّا نعتقد أن مجتمعاتنا الإسلامية تحتاج إلى جرعات عالية من الثقة بالله تعالى ووعده وعدله (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض)، وكذلك الثقة بالنفس والمعتقد والتاريخ، كما أننا بحاجة إلى صدمات وصعقات تعيد لنا توازننا، بل إننا بحاجة إلى وعي مركّز نستبدل به العقل الدفاعي التقليدي بعقل هجومي إبداعي. والعجيب أن النصوص الإسلامية سبقت جميع علماء الدراسات المستقبلية الحديثة في الحث باتجاه استشراف المستقبل والاستعداد له وبنائه. يكفي أن لدينا مأثورات مثل: (من لم يعرف لؤم الأيام لم يحترس من سطوات الدهر) وكذلك (من لم يحترز من المكائد قبل وقوعها لم ينفعه الأسف عند هجومها)، يكفي بهذه أن تجعلنا نهتم اهتماماً بالغاً بمناهج العلوم المستقبلية ونعتبرها مصيرية بالنسبة لنا، لأن الاستسلام للواقع والوقوف متفرجون حيال المستقبل ستؤديان إلى ألوان بشعة من التراجع والتخلف (وإن ليس للإنسان إلاّ ما سعى وإن سعيه سوف يرى).

بالطبع الحديث في هذا المجال لا يتسع له هذا اللقاء ولا لقاءات منفصلة أخرى، لأنه حديث طويل لم ننته منه منذ طرحنا فكرة الدراسات المستقبلية وتحويلها إلى مشروع عام 1999. ومن يريد الاطلاع على جزء من هذه الأحاديث والحوارات العلمية وكذلك منهجيات الدراسات المستقبلية والرؤية الإسلامية فعليه مراجعة إصدارات مركزنا، ولا سيما ما أسميناه (بيان المستقبلية الإسلامية) والافتتاحيات التي كتبتها لمجلة اتجاهات ومجلة المستقبلية.

* كيف تأسس المركز الإسلامي للدراسات المستقبلية، وما هي رسالته وأبرز نشاطاته؟

ـ الحقيقة أن اهتمامي بالدراسات المستقبلية بدأ في عام 1993 حين أدهشتني أهميتها وكيف أن حقائقها غائبة عنان من خلال اطلاعي على عدد من الدوريات والمؤلفات الغربية، ثم تحول هذا الاهتمام إلى مشروع قائم على الأرض تمثل في المركز الإسلامي للدراسات المستقبلية. وظل المركز نشيطاً منذ تأسيسه عام 1999 وحتى 2001 ثم ضعف هذا النشاط، بعد أن قطع الممولون الدعم عن المركز، وبقينا نعتمد على إمكاناتنا الذاتية في إعداد وطباعة مجلة المستقبلية وغيرها من النشاطات المحدودة. المهم أننا أصدرنا خلال هذه الفترة ستة أعداد من مجلة اتجاهات مستقبلية وثلاثة أعداد من مجلة المستقبلية، وأصدرنا بعض الكراسات، واشتركنا في عدد من الندوات والمؤتمرات، كما أقمنا دورة لتأهيل باحثين في الدراسات المستقبلية، وعملنا إحصاءات بما موجود من مراكز ومؤسسات للدراسات المستقبلية في العالم، وكذلك للباحثين والمهتمين بهذا المجال في البلدان العربية والإسلامية، وتواصلنا مع كثير منهم. ومن أهم إصداراتنا مجلة المستقبلية، وهي متفرِّدة في الموضوعات والمنهجيات التي تطرحها، إذ تعدّ على مستوى البلدان العربية المجلة الفكرية الوحيدة المتخصصة في الدراسات المستقبلية وقضايا الفكر الإسلامي المستقبلي. ولدينا دراسات وأعداد جاهزة، ولكن التمويل يحول دون إخراجها إلى النور، كما أن التمويل يحول دون تنشيط المركز بهدف الاستمرار في أداء رسالته. وهذه الرسالة أوضحتها أهداف المركز ووسائله وخطوطه البحثية، فهو يهدف إلى نشر الوعي بالمستقبل وقضاياه في الوسط الإسلامي، وبلورة نظرية إسلامية في دراسة المستقبل، وإعداد الطاقات البحثية في هذا المجال، والمساهمة في مشاريع استشراف المستقبل الإسلامي في المجالات التنموية والسياسية والثقافية والاجتماعية وغيرها. ولتحقيق هذه الأهداف يقوم المركز بإعداد الدراسات التي تعالج قضايا الفكر الإسلامي المعاصر والمستقبلي، وقضايا المستقبل الإسلامي، والتعاون مع العلماء والمفكرين والباحثين في هذا المجال، وإقامة الندوات والحلقات الدراسية، وإقامة العلاقات مع المؤسسات الإقليمية والعالمية وإقامة الدورات التدريبية للباحثين.

* لديك العديد من الكتب التي تتحدث عن الإسلام السياسي، الإدارة الحكومية في الإسلام، الإسلام والتجديد، الفقه والسياسة، النظام السياسي الإسلامي.. ولعل تكوينكم الأكاديمي في علم الاجتماع السياسي الذي حصلتم على درجة الماجستير فيه، ثم الدكتوراه في القانون الدستوري، قد أسهم في فتح آفاق فكرية ومعرفية مهمة في مجال علاقة الإسلام بالدولة والسياسة.. فكيف ترى جدلية علاقة الإسلام بالسياسة؟.. ألا ترى معي أن التراث الفقهي الإمامي على وجه الخصوص تبدو عليه مسحة الخصام مع الشأن العام وفقه الدولة، في حين أنه غارق في الشأن الخاص والفردي؟ هل ترون أن أطروحة الشيخ النائيني ثم ولاية الفقيه قادرة فعلاً على التأسيس لتجربة إسلامية رائدة تستجيب لدواعي شروط الدولة المدنية اليوم والتي تراعي: حقوق الإنسان والأقليات وتنصف المرأة وتصون الحريات الفردية والمجتمعية؟

ـ فهم طبيعة العلاقة بين الإسلام والسياسة يبدو مستعصياً إذا أخضعناه لمنهجيات أو رؤى علمانية، لأن العلمانية ولدت في رحم بيئة فكرية وثقافية وسياسية مختلفة تماماً عن البيئة التي ولد فيها الإسلام ونما وانتشر، فالعلمانية تبلورت نتيجة علاقة جدلية بين الفكر والواقع الأوروبيين، وكانت نظريتها إفرازاً لواقع مختلف يعيش إشكاليات وصراعات متراكمة لم يعرفها فكرنا وواقعنا. وحاولت بعض النخب في منطقتنا استيرادها وتمثلها والتماهي معها وفرضها على واقعنا قسراً. وهؤلاء صوّروا العلاقة بين الإسلام والسياسة على إنها علاقة إشكالية وجدلية لا تختلف عن العلاقة التي يرسمها الفكر الغربي ومنهجياته بين الدين والحياة، ففلسفة الدين ومنهجيات قراءته كما فصلها الغرب على مقاساته ومقاسات حاجاته يعتقد العلمانيون أنها مشترك عام يصلح لدراسة الإسلام أو المسيحية أو أي دين آخر، وينسحب هذا على الشريعة الإسلامية وأحكامها، كما أن معادلات ومنهجيات العلوم السياسية والقانونية والاجتماعية والإنثروبولوجية التي تمثل نتاج العقل الغربي وتكونه على مدى قرون طويلة من التفاعل بين الواقع والأفكار المنتجة، هي صالحة لكل زمان ومكان ومجتمع وإنسان، مسيحياً أوروبياً كان أو عربياً مسلماً أو كنفوشيوسياً صينياً. فتكون النتيجة أن كل ما لا يصلح أن تتدخل فيه المسيحية الأوروبية وكنيستها ورجالها من سياسة واقتصاد ودولة وغيرها من المحظورات، لا يصح أن يتدخل فيه الإسلام وشرعه وعلماؤه.

أما التصور الإسلامي فهو تصور مختلف، لأن الإسلام دين يستوعب كل النظم التي تقرر شكل الحياة. ومقولات السياسة والاقتصاد والثقافة والإعلام والإدارة وغيرها تفرز نظماً تستند إلى نظريات ومذاهب، وتقوم عليها الدولة، وللإسلام نظرياته ومذاهبه في هذا المجال. صحيح أن هناك اختلاف بين نظريات المسلمين ومذاهبهم في هذا المجال، ولكن هذا الاختلاف لا ينفي حقيقة كون النصوص الإسلامية والسيرة والتشريع الإسلامي ممتلكة للقابلية على استيعاب تلك المقولات.

أما موضوع العلاقة بين مدرسة الإمامة وفقه الدولة فهي علاقة رسمتها ضغوطات الواقع الذي عاشته المدرسة طيلة مئات من السنين، وهي ليست علاقة خصام، بل هي إفراز للواقع، إذ بقيت هذه المدرسة بعيدة عن السلطة، ولم يشعر فقهاؤها بالحاجة إلى التأسيس لفقه سياسي إسلامي خاص بالمدرسة، على عكس ما فعل الماوردي وابن الفرا وغيرهما من فقهاء مدرسة الخلافة. وقد سلك فقهاء الإمامية أسلوباً خاصاً في معالجة الموضوعات الفقهية وتبويبها، فمن جانب توفقوا عن معالجة كثير من الموضوعات ذات الصلة بفقه الدولة وإدارتها ونظمها، ومن جانب آخر هناك موضوعات ذات صلة مباشرة بالفقه السياسي، إلاّ أنهم عالجوها في أبواب متفرقة، كالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحسبة والخراج وولاية القضاء وغيرها. ولم يتوقف ذلك عند الموضوعات، بل انسحب على الفكر الفقهي والأصولي ونظرته الشمولية إلى الواقع. وكان ذلك أما شعوراً بعدم الحاجة كما قلنا أو للحؤول دون لفت نظر السلطات وتأليبها، الأمر الذي أدى بالنتيجة إلى التركيز على الشأن الفردي في الفقه. وعلى العكس من ذلك انطلقت المدرسة السنية من الواقع السياسي القائم لبناء النظرية وتنظيم العلاقة مع الفقه، فاستنبط فقهاؤها ومتكلموها فقههم السياسي من الواقع الذي خلفته سيرة الخلفاء والملوك. وقد تماهت بعض الدول والحكومات التي كان زعماؤها ينتمون إلى مدرسة الإمامة مع هذه السيرة وبنوا نظامهم على الأسس ذاتها، وبذلك فإن هذه الدول والحكومات، كالإدريسية والفاطمية والحمدانية والبويهية والصفوية وغيرها، لا تمثل فقه مدرسة الإمامة، بل تمثل أفكار وسلوكيات مؤسسيها وسلاطينها، وإن كانوا شيعة.

طبعاً هناك كتابات تأصيلية كثيرة سبقت نظرية الشيخ النائيني، منها ماطوره الشيخ النراقي، الذي ساهم مساهمة تأسيسية في التأصيل لمبدأ ولاية الفقيه. أما أطروحة الميرزا النائيني في «تنبيه الأمة وتنزيه الملة» فلا بد من دراستها في إطار السياق التاريخي الذي ولدت فيه، فقد كتبها استجابة لشعارات الثورة المشروطية (الدستورية) في إيران، أي إنه رجّح خيار الدستور ومتطلباته وآلياته على خيار الاستبداد، في ظل عدم وجود خيار آخر آنذاك، ولم يكن في معرض إنشاء معالجة فقهية للحكم الإسلامي. وقد فصلت هذا الموضوع في كتابي «الفقه والسياسة».

أما مبدأ ولاية الفقيه، فهو أمر مختلف؛ لأنه مبدأ فقهي قديم، وما أصله الإمام الخميني فقهياً تمثل بتقديم فهم أوسع وأشمل للنصوص الحديثية، فضلاً عن الربط بين مقاصد الشريعة الإسلامية وإحكامها وأهداف تطبيقها، نتج عنه التأصيل لصلاحية أخرى للمرجع الديني والحاكم الشرعي تتمثل في سلطة تطبيق الشريعة وتنفيذ أحكامها، وهو ما يعرف بالولاية على الحكم، ويستتبعها إلزاماً رئاسة الدولة الإسلامية، في حين لم يلتفت الفقهاء كثيراً في دروسهم ومدوناتهم إلى هذه الشمولية في صلاحيات الفقيه قبل الإمام الخميني، لعدم حضور موضوعها في الواقع، وكانوا غالباً يكتفون بطرح مبدأ ولاية الفقيه على الأمور الحسبية والقضاء والفتوى والحقوق الشرعية، أما الولاية على الحكم فقد بلور مبدأها الإمام الخميني، رافضاً بذلك الرأي الموروث الذي يذهب إلى حرمة إقامة الحكم الإسلامي في عصر غيبة الإمام المهدي. وعلى أساس هذا المبدأ قامت التجربة الإيرانية، التي تعد في مضمونها دولة دينية تشترط في رئيس الدولة أن يكون فقهياً وتحصر التشريع في إطار المصادر الدينية أو المقبولة دينياً، وفي شكلها دولة مدنية تعتمد آلية الانتخاب وتداول السلطة، وتقدم مفاهيم جديدة في موضوعات الحقوق والحريات. ولكن تبقى هذه الدولة في سلوكها تجربة بشرية تخضع للنقد والتقويم العلمي. وهناك معالجات موسعة في هذا المجال في كتابي «النظام السياسي الإسلامي الحديث وإشكالية الاقتباس».

* حالياً، ما هي أبرز انشغالاتكم الفكرية؟

ـ الحقيقة لديّ في الحال الحاضر انشغالات أساسية إلى جانب انشغالاتي الفكرية. فإنا وبعض الإخوة من أكثر من بلد بصدد تنفيذ مشروع حقوقي إعلامي يأخذ شكل مؤسسة مدنية دولية، تستند إلى قواعد فكرية واسعة في أبعادها، وسيتم الإعلان عنها في غضون العام الحالي.

أما انشغالاتي الفكرية، فتتلخص في تدوين أطروحتي في الدكتوراه؛ بهدف مناقشتها هذا العام، وكان مفترضاً أن أناقشها العام الماضي. والأطروحة في الحقيقة هي عمل علمي وفكري أعتقد أنه سيشكل  إضافة نوعية وأساسية لإنتاجي عموماً، عنوانها (التقنين الدستوري للفقه السياسي الإسلامي)، وهي في القانون الدستوري، ويتلخص هدفها العلمي في معالجة الإشكاليات المرتبطة بتحويل نظرية الفقه السياسي الإسلامي وأحكامه إلى قانون دستوري حديث ومواد دستورية ذات صياغات وضعية، وما يكتنف هذه العملية من مشاكل ذات أبعاد كلامية وفقهية وقانونية وسياسية. والحقيقة أن خبرة المسلمين في مجال تقنين الفقه السياسي الإسلامي هي خبرة محدودة وحديثة وغير تراكمية؛ لأنها تستند إلى تجربتين أو ثلاثة فقط، ولا يزيد عمرها عن مئة عام. فضلاً عن أن الكتابات العلمية باللغة العربية في مجال القانون الدستوري الإسلامي هي قليلة أيضاً. ومن هنا أتمنى أن تكون الأطروحة نافعة وجديدة في هذا المجال.

طبعاً في الوقت نفسه أحاول أن أعزز ما لدي من مواد ومصادر لكتاب (سنوات الرماد) وكتاب (سنوات الحصاد) لكي أبدأ بتدوينها فيما بعد بإذن الله تعالى.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

الى الاعلى