قراءة 141 مرات

التكامل في مشروع الشهيد الصدر

28 / آذار / 2014 علي المؤمن


أهم ميزة طبعت شخصية الشهيد محمد باقر الصدر. تكاملها، فلم تكن أحادية البعد، ولم يبرز فيها بعد على حساب آخر. وظل الإبداع السمة التي رافقت كل واحد من هذه الأبعاد، وأفرز التكامل في الشخصية منهجاً متكاملاً أيضاً في صياغة مشروعه الإسلامي وتنفيذه، هذا المشروع الذي أعلن عنه الشهيد الصدر في مرحلة مبكرة من عمره، وشرع بتنفيذه في بدايات عقده الثالث. وازدادت سرعة تألق المشروع خلال فترة قصيرة، حتى ساد الوسط الإسلامي طيلة عشرين عاماً من تاريخ العراق (1957 ـ 1980).

لقد انبثق مشروع الشهيد الصدر من تكامل عدّة ملفات، تحمل عناوين: الإبداع العلمي، والتجديد الفقهي، والتنظير الفكري، والعمق الثقافي، والعمل الإعلامي، والتحرك السياسي، وقاد بها حالة النهوض الإسلامي في العراق، ببراعة نادرة، كرّست موقعه عالماً ومفكراً ومؤلفاً وعاملاً وزعيماً. ولم يقتصر هذا التأثير على حدود العراق الجغرافية، بل امتد إلى أكثر من بلد إسلامي.

ولم يكن الشهيد الصدر محترفاً في أي من أبعاد شخصيته ومشروعه، بل كان ينطلق من أداء التكليف الشرعي. وهكذا لم يكن تحركه السياسي ـ موضوع الدراسة ـ عملاً احترافياً، بل كان جزءاً لا ينفصل عن منهجه التغييري ومشروعه الإسلامي الشامل. ومن هنا أطلقت الدراسة على هذا التحرك عنوان «الملف السياسي»، لأنه ـ بالنتيجة ـ عمل إسلامي ودعوي يمارس بأدوات سياسية، أي إن أدوات هذا الجزء تعارفت الأدبيات المعاصرة على وصفها بالسياسة.

والحقيقة أن أهمية الملف السياسي في مشروع الإمام الصدر، تم اكتشافها بعد استشهاده، لأن الظرف السياسي وأجواء التعتيم يسمحا بالكشف عن هذا الجزء، حتى أن معظم الباحثين الذين سبق أن درسوا أفكار الشهيد الصدر ونظرياته ومؤلفاته، ولم يفهموا حقيقة مشروعه وطبيعة المرحلة التاريخية التي صاغها، ظلوا ـ بعد استشهاده ـ متوقفين طويلاً عند المحطات السياسية في حياته، متسائلين: هل صحيح أن منظّراً عبقرياً بهذا المستوى النادر من الإبداع الفكري يقود عملاً سياسياً وجهادياً بالمستوى نفسه من العبقرية؟!

استشهاد الصدر وقيام الدولة العراقية الحديثة

قد لا يصح منهجياً تناول موضوع استشهاد الصدر في بداية فتح الملف السياسي لمشروعه، باعتباره ختام الملف، وقد لا يكون مستساغاً أيضاً تكوين معادلة علاقة بين قضية تأسيس النظام السياسي في العراق عام 1920 وبين جريمة وقعت عام 1980، إلا أن عملية التنقيب في حقل الحفريات التاريخية تقتضي التوغل عمودياً في عمق الحدث، للكشف عن حقائقه البعيدة التي جرّت المستقبل إليه.

الباحثون الذين درسوا خلفيات استشهاد السيد الصدر ودوافعها الأساسية، خلصوا إلى نتائج لا تخرج عن دائرة الصراع الفكري والسياسي بين حزب البعث العراقي وحركة الوعي الإسلامي، ككل الاتجاهات الآيديولوجية والسياسية التي يتقاطع معها. هذه النتائج ستطابق الواقع فيما لو نظرنا إلى حزب البعث أداة لتطبيق قواعد البناء الطائفي للدولة العراقية الحديثة، وأداة لتنفيذ المخطط الاستعماري البريطاني الذي عمل على بلورة هذه القواعد، وما زال يرعاها حتى الآن، لأسباب ودوافع عديدة سنأتي عليها. ولكي لا نبخس الناس أشياءهم، فإن هذه القواعد لم تكن من اختراع الإنجليز، بل إن الأتراك العثمانيين هم الذين أرسوها في العراق وبلاد الشام والخليج، في مراحل سيطرتهم على مقدرات هذه البلدان، مستفيدين من إرث قديم، ثم أورثوها الإنجليز، الذين بلوروها وقننوها في مرحلة ما بعد الحرب الاستعمارية الأولى([1]). وكان لون هذه القواعد فاقعاً ومثيراً للاشمئزاز في العراق أكثر من غيره، لأنها خالفت جميع حقائق الجغرافية السكانية وبديهياتها، بعد أن شيدوا عليها صرح الدولة الطائفية القومية التي تحكم الواقع السياسي والاجتماعي الذي تمثلته أكثرية الشعب الساحقة. وبالتالي فإن المعركة مع هذه المعادلة الناشزة ما زالت قائمة منذ الحكم العثماني للعراق وحتى الآن.. المعركة التاريخية التي استشهد فيها سبعون ألفاً في الأناضول في يوم واحد، وقتل فيها الشهيدان العامليان، الأول والثاني في الشام، واستبيحت فيها مدينة الحلة ثلاثة أيام، وجرّت إلى حركة الجهاد في العراق من عام 1914 وحتى عام 1920. ثم كان السيد محمد باقر الصدر أبرز ضحاياها.

الحقائق التي تعبّر عن معركة أتباع أهل البيت(ع) مع النظام السياسي الطائفي في العراق، يحاول الكثيرون تغافلها بدوافع مختلفة، قد تكون طائفية هي الأخرى، وقد تكون حرصاً على وحدة الموقف الشعبي وتجنب الإثارات الطائفية. ولكن هذا التغافل لا يعني مصلحة البلد والأمة بشيء، وهو نقيض المنهج العلمي في البحث التاريخي، لأنه سيعمل على تكريس مشكلة أساسية تعد أهم عوامل عدم الاستقرار في العراق. وبالنتيجة فإن حديثاً بهذا الاتجاه يكشف عن أسوأ مضامين الطائفية، ويعرّي الجريمة الكبرى التي ارتكبها الإنجليز بحق الأمة في العراق بكل مذاهبها وطوائفها وقومياتها.. سنّة وشيعة.. عرباً وأكراداً وتركماناً. ويبقى المستهدف في هذا الحديث ـ الذي يستبطن أسمى معاني وحدة المسلمين المبنية على حقائق الواقع وأرقامه ـ هو النظام السياسي أو الدولة، وليس طائفة بعينها، لأن الطائفة التي ينتمي إليها النظام السياسي تاريخياً وليس مذهبياً، هي الأخرى مضطهدة بألوان فيها الكثير من البشاعة، بل غالباً ما يكون هذا الاضطهاد أكثر تعقيداً لظروف يطول شرحها، وبالتالي لا وجود لأية مشكلة سياسية أو مذهبية بين الطائفتين المسلمتين الكبريين (السنية والشيعية) ولا بين القوميتين الكبريين (العربية والكردية)، بل المشكلة تكمن في البنية الطائفية للنظام السياسي والمجتمع السياسي الرسمي، اللذين ينتميان إلى مركب طائفي وقومي نسبته 17% فقط من عدد السكان، في حين أن الجماعة السكانية المضطهدة ـ التي لا يخفي النظام عدم تمثيله لها قانونياً وواقعياً ـ تزيد نسبتها على 64% من عدد السكان([2]). وهنا يقول الشهيد محمد باقر الصدر: «إن الطاغوت وأولياءه يحاولون أن يوحوا إلى أبنائنا البررة من السنّة بأن المسألة مسألة شيعة وسنّة، وليفصلوا السنّة عن معركتهم الحقيقية ضد العدو المشترك. وأريد أن أقولها لكم يا أبناء «علي» و«الحسين» وأبناء «أبي بكر» و«عمر» إن المعركة ليست بين الشيعة والحكم السني. إن الحكم السني الذي مثّله الخلفاء الراشدون والذي كان يقوم على أساس الإسلام والعدل، حمل «علي» السيف للدفاع عنه، إذ حارب جندياً في حروب الردة تحت لواء الخليفة الأول «أبي بكر». وكلنا نحارب عن راية الإسلام وتحت راية الإسلام مهما كان لونها المذهبي»([3]).

فهناك فرق جذري وأساسي بين الدولة الطائفية والدولة المذهبية، فالدولة الطائفية هي الدولة اللادينية التي تتبنى نظاماً سياسياً ينتمي تاريخياً إلى طائفة معينة، أما الدولة المذهبية فهي دولة دينية تخضع لنظام سياسي يتعبد بفقه أحد المذاهب الإسلامية، والحال أن النظام السياسي المطبق بعد قيام الدولة العراقية الحديثة هو الشكل الأول، فهو نظام طائفي قومي، لم يكن يوماً مذهبياً، بل إنه ينتمي إلى مركب الأقلية القومية الطائفية، الأمر الذي يجعله يشعر بالخطر دائماً وعدم الاستقرار والتهديد، فيبقى متحفزاً دائماً للفتك بأي تحرك يرفع صوته للمطالبة بأبسط الحقوق، وإن كانت مطالبة بخفض جرعات التمييز، فيجد صاحب الطلب نفسه ـ ابتداءً ـ أمام تهمتين شنيعتين جاهزتين: طائفي وشعوبي، أو يأخذ طريقه ـ في وضع أسوأ ـ إلى السجن وربما المشنقة، هذا إذا لم يُنف في ليلة ظلماء إلى ما وراء الحدود. مع الأخذ بنظر الاعتبار أن هذه الإجراءات أصبحت جزءاً من بنية الدولة وقانونها بصرف النظر عن طبيعة الحكومات المتعاقبة وآيديولوجيتها، وإن كانت حكومة حزب البعث العراقي أشد تعبيراً عنها.

لقد حاول الأتراك العثمانيون طيلة مئات من السنين تغيير البنية المذهبية للمجتمع العراقي، إلا أنهم فشلوا في هذا الجزء، رغم الفتاوى المضادة والحصار والاضطهاد، ونجحوا في جزء آخر، هو وضع أسس صلبة لنظام سياسي طائفي في ولايات العراق ينسجم وآيديولوجيتهم العليا. ولكن المفارقة المثيرة حدثت بدخول العثمانيين الحرب الاستعمارية الأولى إلى جانب المانيا عام 1914، حينها اتجهت الحركة العربية التي تشاطرهم الانتماء المذهبي وتقر بالولاء السياسي لهم، إلى مناهضة العثمانيين والمراهنة على دعم الاستعمار البريطاني، بفعل الوعود التي أعطاها إياها أمير الحجاز، وانتهى الأمر إلى إعلان الثورة العربية بقيادة الشريف حسين، وانضم إليه معظم الذين كبروا ـ سناً وشأناً ـ مع المناصب السياسية والعسكرية والإدارية التي أسبغتها عليهم الدولة العثمانية. وتحول الولاء من تركيا (الإسلامية) إلى بريطانيا (الصليبية)، وانقلب الهلال ـ فجأة ـ صليباً في لافتاتهم.

أما الطرف الثاني من المفارقة، فهم أتباع أهل البيت(ع) في العراق وسوريا ولبنان، واجهوا المتغيّر الجديد بالرهان على المبادئ، فدافعوا عن الدولة العثمانية بدمائهم، لأنها تنطوي على الحد الأدنى من تمثيل الإسلام، وتشكل الخيار الأصولي في المعركة مع الاستعمار البريطاني القادم، بعد أن تناسوا بفعل سخونة المبادئ عداء الدولة العثمانية التاريخي لهم. هذه الحقيقة يعبّر عنها الشهيد الصدر بقوله «إن الحكم السني (العثماني) الذي كان يحمل راية الإسلام قد أفتى علماء الشيعة قبل نصف قرن بوجوب الجهاد من أجله، وخرج الآلاف من الشيعة وبذلوا دمهم رخيصاً من أجل الحفاظ على راية الإسلام، ومن أجل الحكم السني الذي كان يقوم على أساس الإسلام»([4]). فقد أعلن علماء الدين في النجف الأشرف الجهاد ضد بريطانيا بمجرد دخول قواتها البصرة عام 1914، وقادوا المعارك إلى جانب العثمانيين، وظلوا يقاومون الإنجليز بشدة، رغم انسحاب الأتراك المبكر من ساحة المعركة، ثم دخول الإنجليز بغداد عام 1917، وإسدال الستار على النفوذ العثماني في العراق إلى الأبد.

وحين وضعت الحرب الاستعمارية الأولى أوزارها عام 1918، اتجه الإنجليز نحو إقامة نوع من الحكم الذاتي في العراق، فجاءت فتوى علماء الدين في النجف وكربلاء بأن تكون الحكومة مسلمة، فاستمر الصراع من الاحتلال الإنجليزي، حتى بات الوضع مهدداً بالانفجار. وبالفعل انفجر العراق عام 1920 بثورة شعبية مسلحة بقيادة الشيخ محمد تقي الحائري الشيرازي، تهدف إلى الاستقلال وطرد المحتلين وإقامة حكومة مسلمة. وانتهت الثورة باحتواء الإنجليز للموقف والالتفاف على مطالب الثوار بطريقة مضللة. فعاودت موضوع إقامة الحكم المحلي، ولكن بعنوان كبير هذه المرة هو «الدولة العراقية»، ولا سيما أن معاهدة (سايكس بيكو) عام 1916 وفرساي عام 1919 ومبادئ عصبة الأمم تعطي بريطانيا حق الانتداب على العراق، وتعطي الشعوب الحق الشكلي في تقرير المصير.

وقامت الدولة العراقية الحديثة استجابة شكلية لمطالب ثورة العشرين، ولكن ـ فجأة ـ وجد الثوار أنفسهم خارج لعبة السياسة والسلطة، ووجدوا صنائع الأتراك والإنجليز يحتلون معظم مناصب الدولة. وبذلك أقرّت أكثرية الشعب العراقي أنها الخاسر الأكبر بعد انهيار الحكم العثماني وقيام النظام العراقي المحلي، مضيّعة بذلك سنين طويلة من النضال من أجل استقلال البلاد وحريتها وإقامة حكم العدل والمساواة فيها([5]).

ولعل من السهل تفهم دوافع الإجراء البريطاني في تحويل قواعد النظام السياسي الطائفي إلى بنى وقوانين وهياكل إدارية، فليس منطقياً ـ وفقاً للمنهج البراغماتي في التفكير والعمل ـ أن تبادر بريطانيا إلى تأسيس نظام سياسي في العراق يعتمد قواعد الديمقراطية والدولة الحديثة التي تتبع موقف الأكثرية، فتكافئ بذلك الشعب الذي حاربها بكل الوسائل طيلة سبع سنوات، وأذل كبرياءها وغرورها!، إذ أنها ستقدّم خدمة كبرى له بصورة تلقائية. وكان من الطبيعي أيضاً أن يعيد الإنكليز تأهيل الشخصيات التي كانت جزءاً من النظام الطائفي التركي، ويبادرون لمكافأتها، بعد أن تنكرت للأتراك ووقفت إلى جانب الإنجليز. وفي النتيجة ضرب الاحتلال البريطاني عدة عصافير بحجر واحد، فمن جهة حافظ على مضمون المنتظم السياسي العراقي، وكافأ النخب التي وقفت إلى جانبه، بعد أن استخدمها في إدارة السلطات المحلية وإدارة الجيش وإعادة تشكيل المجتمع السياسي الجديد ـ القديم، بذريعة أن عناصرها يمتلكون ممارسة وخبرة في الإدارة والعمل السياسي والعسكري، ومن جانب آخر عاقبت بريطانيا الشعب الذي وقف ضدها، وحافظت على مصالحها في العراق بصورة دائمة، على اعتبار أن دولة الأقلية ستبقى بحاجة إلى الحماية والدعم اللذين يوفرهما لها البريطانيون، كما تخلصت من أعباء حكم الأكثرية، التي وجد فيها الإنجليز عدواً شرساً لا يمتلك أدوات المصالحة والمرونة السياسية ولا يمكن ائتمانه على المصالح البريطانية، ولا سيما أن أتباع أهل البيت(ع) محكومون طوعاً بنظام ديني يكون فيه الولاء للمرجعية الدينية وعلماء الدين، الذين وجدهم الإنجليز أناساً لا يقيمون وزناً للاحتراف السياسي الأرضي وقواعده البراغماتية المتداولة، وهو أمر يجعل قيام حكم الأكثرية على طرف نقيض مع استقرار المصالح البريطانية في العراق.

وبهذا استؤنفت المعركة بين الشعب العراقي والنظام السياسي الطائفي، وهي المعركة التي ظلت مشتعلة، وستبقى ـ دون شك ـ تزعزع استقرار البلد، وتضرب مصالحه في الصميم، وتهدد وحدة المسلمين بطوائفهم وقومياتهم، حتى قيام عراق جديد «تحكمه عدالة الإسلام، وتسوده كرامة الإنسان، ويشعر فيه المواطنون جميعاً على اختلاف قومياتهم ومذاهبهم بأنهم إخوة.. يساهمون في قيادة بلدهم، وبناء وطنهم، وتحقيق مثلهم الإسلامية العليا»([6]) كما يقول السيد الشهيد الصدر.

المرحلة القلقة

في الفترة التي أعقبت مؤتمر كربلاء الكبير عام 1922م، دخل التحرك الإسلامي، مرحلة غير مستقرة، تمثلت بالسيطرة البريطانية الكاملة على مقدرات العراق، واتجاه معظم علماء الدين إلى هجر العمل السياسي، إحساساً منهم بأنه لم يعد ذا جدوى. وبرز آخرون على صعيد العمل الإصلاحي والبناء الفكري والاجتماعي، كالشيخ مهدي الخالصي في الكاظمية، الذي أبعد إلى إيران، كما أبعد ولده الشيخ محمد مع السيد الصدر إلى هناك من قبل. وعند احتجاج علماء الدين في النجف على هذه الإجراءات، أقدمت السلطات على إبعاد عدد منهم أيضاً، كالسيد أبي الحسن الأصفهاني والشيخ النائيني. ثم عاد المبعدون إلى العراق بعد أن وافقوا على بعض الشروط التي أملتها عليهم السلطة، كعدم التدخل في الشؤون السياسية.

ورغم صعوبة هذا الواقع، إلا أن الحالة الإسلامية لم تكن بعيدة عن الأحداث الدائرة في الساحة بشكل مجمل، على غرار التأييد والدعم الذي قدمته لحركة مايس عام 1941 بقيادة الكيلاني، وكذلك السعي الحثيث لإسقاط معاهدة «بورتسموث» عام 1947، والموقف من حرب فلسطين عام 1948، والتصدي لحكومة نوري السعيد وما تبعها من أحداث في عام 1952 وما بعده.

وفي أواسط الأربعينات والخمسينات تأسست في العراق جماعات وتنظيمات إسلامية، جديدة في توجهاتها الفكرية وبنيتها التنظيمية ونظرتها إلى واقع الأمة الإسلامية. وكان معظمها امتدادات للحركات الإسلامية التي أنشئت في بلدان أخرى من العالم الإسلامي. ثم تأسست بعد سنوات جماعات إسلامية أخرى عراقية في جذورها، إلا أنها لم تساهم بشكل مؤثر في الأحداث السياسية، بل كانت تهتم بالجانب التربوي والتثقيفي.

وطوال الفترة الزمنية التي استغرقتها المرحلة القلقة (1923 ـ 1957)، كانت حركة الوعي الإسلامي تعيش حالة من المد والجزر، وغالباً ما كانت تضحيات الإسلاميين وإنجازاتهم تستثمر من قبل بعض الجماعات النفعية والانتهازية، وتنتهي إلى نتاجات مغايرة لتطلعاتهم. وتعود ظاهرة القلق في الواقع الإسلامي العراقي في هذه الفترة إلى عدة عوامل، تمثل مفردات الحالة العامة التي عاشتها الساحة العراقية، وأهمها:

1 ـ ضعف الوعي الشعبي على الصعيدين الاجتماعي والسياسي، الأمر الذي يؤدي إلى تخبط في تحديد الخيارات والمصلحة الحقيقية والفهم المطلوب.

2 ـ وجود بعض الانتهازيين والنفعيين في هامش الحالة الإسلامية.

3 ـ امتلاء الساحة السياسية بالتيارات العلمانية المعادية للدين، والتي استطاعت حرف شرائح كبيرة من الأمة عن أصالتها.

4 ـ امتناع معظم علماء الدين عن التدخل في الشأن السياسي، وإفساح المجال لعلماء السلطة للعبث في صورة الواقع الإسلامي.

5 ـ التشتت في القرار المرجعي، بعد توزع المرجعية الدينية في النجف الأشرف بين عدد من الفقهاء، على أثر وفاة السيد أبو الحسن الأصفهاني عام 1945 وانتقال المرجعية العليا إلى السيد حسين البروجردي في قم، الأمر الذي أدى إلى إضعاف دور النجف ومركزيتها وتأثيرها.

6 ـ غياب الجماعات الإسلامية الفاعلة والكبيرة، التي تتكفل استيعاب الساحة ورعايتها([7]).

7 ـ غياب المشروع الإسلامي التغييري الشامل، الذي ينتشل الواقع مما هو عليه.

الصدر يعلن عن مشروعه

شهدت حالة المد في حركة الوعي الإسلامي في العراق خلال المرحلة القلقة، بروز أسماء لامعة في سماء الإصلاح والتجديد والوعي، شكّلوا طبقة الرواد، فقد مثلت بعض أعمالهم إنجازات كبرى للواقع الإسلامي، ومن أبرز هؤلاء: الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، والسيد هبة الدين الشهرستاني والشيخ محمد جواد البلاغي والشيخ عبد الكريم الجزائري والشيخ مرتضى آل ياسين والشيخ محمد رضا المظفر. وباستثناء الشيخ المظفر الذي أبدع مشاريع تأسيسية رائدة مازال معظمها قائماً، فإن بريق إنجازات رواد الإصلاح الآخرين أفل بعد رحيلهم، لأن طابعها الفردي حال دون تبني الآخرين لها. وبشكل عام فإن هذه الانجازات لم تكن تفي بالحد الأدنى من حاجة الواقع الإسلامي، الذي تميّز في عقد الخمسينات بالتراجع والغياب، رغم أن العامين اللذين سبقا انقلاب 14 تموز 1958 العسكري شهدا بروز مؤشرات نهضة جديدة، أو بعبارة أخرى فإن عامي 1956 و1957 وضعا حجر الأساس لهذا النهوض الشامل، الذي شكّل مشروع الشهيد الصدر عموده الفقري.

ثم بدأ الشهيد الصدر بطرح مفردات مشروعه في الساحة، وبصورة تدريجية، ابتداءً من عام 1957، أي حين كان شاباً لم يتجاوز الثالثة والعشرين من عمره، وبعد بضع سنوات، باتت تلك المفردات يكمل بعضها بعضاً، فكان الشهيد الصدر يقف وراء مجمل تفاصيل الواقع الإسلامي.. منظراً أو مخططاً أو راعياً أو منفذاً، فأحدث بذلك ثورة على مستوى منهجية العمل الإسلامي في الوسط العلمي الديني، من منطلق تحسسه حاجات الأمة والساحة الإسلامية في مختلف مراحل التحرك، وجهوده لسد هذه الحاجات، بأساليب إبداعية تشير إلى مستوى النبوغ الذي تمتع به السيد الصدر في جميع المجالات، مما جعله متفرداً من بين رواد الوعي والإصلاح. وتمثلت المفردات الأولى في مشروعه بما يلي:

1 ـ تأسيس تنظيم إسلامي، يعمل على بناء الواقع الإسلامي، وصولاً إلى هدف تطبيق الشريعة. وكانت أول قضية طرحت على طاولة البحث في حينها، مشروعية قيام الحكومة الإسلامية في عصر غيبة الإمام المهدي(ع)، فكتب السيد الصدر في عام 1957 دراسة فقهية استدل فيها على شرعية تأسيس دولة إسلامية في عصر الغيبة، لتكون القاعدة الفقهية التي قام عليها العمل. (كان عمره حينها حوالي 22 عاماً).

2 ـ البدء بتأليف سلسلة مشاريع فكرية لمواجهة التيارات العلمانية والإلحادية التي كانت تحرف الأمة وتشغل الساحة آنذاك، وفي مقدمتها الماركسية، فألّف ونشر كتاب «فلسفتنا» عام 1959 (وكان عمره 24 عاماً)، وتبعه بكتاب «اقتصادنا» عام 1962.

3 ـ التخطيط لقيام تجمع علمائي منظم أُسست على أثره جماعة العلماء في النجف الأشرف عام 1959، والتي كان السيد الصدر محور حركتها ونشاطها، والمعبّر عن مواقفها، من خلال البيانات التي كتبها باسم الجماعة أو افتتاحيات المجلة الناطقة بلسانها.

4 ـ الشروع بتدريس أعلى مراحل البحث العلمي في الجامعة الدينية (مرحلة البحث الخارج في الحوزة العلمية) عام 1959، أسوة بكبار فقهاء الحوزة المبدعين، رغم فارق السن الكبير بينه وبينهم. ومن خلال هذا الدرس عمل الشهيد الصدر على إعداد نخبة متميزة من العلماء، ملتزمة بمشروعه الإسلامي.

5 ـ وضع أفكار أكثر النشاطات الإسلامية الأساسية التي طبعت الواقع الإسلامي بطابعها، في المرحلة التي أعقبت قيام الحكم الجمهوري في العراق عام 1958، كالاحتفالات والندوات وسلسلات الكتب الدعوية والفكرية.

ويتضح من خلال هذه المفردات، أن السيد الصدر كان يخطط لعملية مواجهة منظمة مع الواقع السياسي والفكري العام، وإلى جانبه يستشرف الواقع الجديد الذي سيقوم مستقبلاً، فكانت مفردات مشروعه مرحلية في قسم منها وبعيدة المدى في القسم الآخر. ومعرفة القيمة التأريخية لهذه المفردات تتأتى من خلال فهم طبيعة المرحلة التي ولدت فيها. فالحركة التي فرضتها الأوضاع المرتبكة في أعقاب انقلاب 1958، فسحت المجال أمام التيارات السياسية المتناقضة لتجتاح الساحة على شكل موجة رهيبة لم يألفها الشارع العراقي من قبل. وكان الشيوعيون والقوميون والوطنيون ـ بالترتيب ـ أهم مكونات هذه الموجة. وخلال ذلك كان الإسلاميون يعانون الأمرين، بعد أن نالهم الكثير من المد الشيوعي وممارسات السلطة. فالحزب الشيوعي استهدف مجتمع المسلمين في الصميم، من خلال نشاطه الكبير في نشر أفكاره الإلحادية وآرائه السياسية المتطرفة، حتى بات الشيوعيون يجاهرون علناً بعدائهم للَّه وللإسلام ولمراجع الدين، حتى أنهم حاولوا قتل الإمام السيد محسن الحكيم خلال إحدى زياراته إلى كربلاء في أوائل عام 1959. وفي الجانب الآخر، ذهبت السلطة إلى المجاهرة في محاربة تدخل علماء الدين في السياسة، وراح كثير من عملاء الحكم المندسين في صفوف المتدينين يطلقون على المنابر صرخة «فصل الدين عن السياسة»، واكتفاء علماء الدين بمتابعة الشؤون العبادية فقط، حتى أصبح حديث عالم الدين عن السياسة والعمل السياسي جريمة لدى بعض الأوساط.

ومن الطبيعي أن يكون للإسلاميين ردهم، المناسب تارة والمتردد تارة أخرى، في مقابل تلك الهجمة الشرسة، فقد حاولت جمهرة من علماء الدين والشباب المؤمن استثمار الفوضى القائمة والهستيريا الشيوعية لصالح التيار الإسلامي، فبادرت بدعم من المرجعية وتحريك من الجماعات الإسلامية إلى تعرية الشيوعية ورموزها وممارساتها، من خلال إقامة الاحتفالات والندوات والمجالس الخطابية والمحاضرات والشعائر الحسينية. كما عمد بعض العلماء إلى استحداث مؤسسات أكاديمية حديثة للدراسات الفقهية والدينية، على غرار كلية الفقه في النجف الأشرف، التي أسسها الشيخ المظفر عام 1958، فكانت من معاقل التحرك الإسلامي. كما تم فتح العشرات من المكتبات الإسلامية العامة وتأسيس عدد من المساجد في مختلف مدن العراق. وكانت هذه المكتبات والمساجد بؤراً لبث الوعي الإسلامي ولتعبئة الشباب عقائدياً. هذا الواقع كانت تقوده المرجعية الدينية في النجف الأشرف، وكان على رأسها السيد محسن الحكيم. أما المحرك الحقيقي له ـ كما ذكرنا ـ فهو السيد محمد باقر الصدر.

ونشير إلى أن الواقع الإسلامي في العراق قد زحف بقوة إلى الأمام، بعد أن عادت المرجعية العليا إلى النجف بوفاة الإمام السيد حسين البروجردي في قم، وتصدي الإمام الحكيم للمرجعية العليا عام 1960، بالنظر لما يتمتع به الأخير من خصائص متميزة أحدثت نقلة تاريخية في مؤسسة المرجعية الدينية. ورغم أن السيد الحكيم انتقد تصرفات حكومة عبد الكريم قاسم بشدة، إلا أن الأخير كان يحاول التقرب منه، لمعرفته بأهمية ذلك في استقطاب عواطف الشعب. وحين تقدمت السلطة بقانون الأحوال الشخصية الوضعي، وغيره من القرارات والقوانين المخالفة للشريعة الإسلامية، وقف الإسلاميون ضدها بكل حزم، وطالبوا بتطبيق الشريعة الإسلامية. ثم تلقى التيار الشيوعي صفعة موجعة جداً من قبل المرجعية الدينية، حين أفتى السيد الحكيم في أوائل عام 1960 بحرمة الانتماء للحزب الشيوعي وتأييده، وحكم على أفكاره وأعماله بأنها كفر وإلحاد. ومن أجل تقوية نفوذ المرجعية الدينية، أرسل السيد الحكيم مجموعة من العلماء إلى كثير من مدن العراق ودول العالم ممثلين عنه. وكانت الكثير من تحركات السيد الحكيم التي يقوم بها انطلاقاً من موقعه المرجعي، تعد أعمالاً سياسية صريحة، وتكشف عن تصد حقيقي لقيادة الأمة. كما إنه دعم الوجودات الإسلامية ودافع عنها في مقابل الشبهات والتهم، كما حصل مع مشاريع السيد الصدر، التي كانت تحارب من قبل بعض التيارات الجامدة في الحوزة العلمية أو بعض المغفلين والمدفوعين، ونموذج ذلك جماعة العلماء، التي أطلقت ضدها مختلف الشائعات([8]). وقد شكا السيد من بعض المحسوبين على الحوزة، والذين حاولوا تشويه صورة الجماعة ونشاطاتها، وبذلك يشتركون في هدف التيارات المعادية. فأصدر السيد الحكيم فتوى جاء فيها:

«إن جميع ما أصدره فريق من أعلام أهل العلم أيدهم اللَّه تعالى باسم جماعة العلماء في النجف الأشرف وما سيصدر عنهم من نشرات وغيرها، مما يتضمن الدعوة إلى الدين والإسلام، فهو من أهم الوظائف الشرعية التي يجب القيام بها في سبيل إعلاء كلمة الدين وترويج مبادئه الشريفة وتعاليمه المقدسة، فعلى عامة المسلمين العمل على مؤازرتهم والوقوف إلى جانبهم»([9]). وكما حصل أيضاً حين تحرك بعض القوميين والبعثيين لزرع بذور الخلاف بين مفردات الواقع الإسلامي من مرجعيات ووجودات وفعاليات.

الإسلاميون وتجربة القوة

ثمة مصالح سياسية مشتركة دفعت القوميين (مجموعة العقيد عبد السلام عارف الذي دخل في صراع معلن مع عبد الكريم قاسم منذ كان شريكاً له في السلطة) وحزب البعث، للوقوف في جبهة واحد ضد عبد الكريم قاسم، وأسفر هذا التحالف غير المبدئي عن قيام انقلاب 14 رمضان (8 شباط) 1963، الذي أسقط الجمهورية الأولى بمباركة مصرية. وشهد الشارع العراقي في أعقابها سيولاً من الدماء والانتهاكات السافرة على يد قوات «الحرس القومي» المليشيا لحزب البعث. وكان للإسلاميين نصيب كبير من هذا العدوان، مما حملهم للوقوف بوجه السلطة الجديدة، والذي عبّر عنه الإمام الحكيم في سفره الاحتجاجي إلى كربلاء والكاظمية وسامراء، وقيام مئات الآلاف من الجماهير بتجديد البيعة له. ولكن عبد السلام عارف لم يمهل حلفاءه الجدد، فنقلب على البعثيين بعد نحو ثمانية أشهر. وحين استقرت له الأوضاع، عمل عارف على تسيير البلاد وفقاً لنغمة جديدة ومبادئ لم يألفها الشارع من الحكومات السابقة. فقد أظهر نوعاً من الالتزام بالإسلام، محاولاً استقطاب عواطف الشعب في مقابل الحاد الحزب الشيوعي وعلمانية حزب البعث، واحتواء الموجة الدينية الجديدة، إلا أنه في الحقيقة رفع لواء الطائفية والتمييز المذهبي، وكأنه يعبّر عن إخلاصه للواقع الذي خلقه المشروع الطائفي العثماني ـ الإنجليزي، إلا أن عارف أعاد صياغة الواقع، بعد أن أضاف له مبدأين جديدين هما:

القومية والاشتراكية، لتشكل إلى جانب الطائفية الاتني التي يستقر عليها حكم عارف. وقد أخذ هذا الواقع يبرز على مختلف المستويات حتى بلغ أدنى الدوائر الحكومية، حيث تعرض أتباع أهل البيت(ع) خلالها إلى حملة طائفية وعنصرية شعواء، بعد أن جاهر عارف بالعداء لهم، بهدف كسر شوكة المرجعية الدينية وإرعاب جماهيرها.

وبعد أن شعر أن هذه السياسة ستؤدي إلى فعل معاكس، حاول إرضاء المرجعية الدينية وإسكاتها، فأوجد مجموعة من كبار رموز السلطة إلى السيد محسن الحكيم للتباحث معه حول إعطاء أتباع أهل البيت حقوقهم، إلا أن الحكيم لم يكن ينظر للأمور نظرة طائفية، على الرغم من تأثره من سياسة التمييز الطائفي والعنصري التي تمارسها السلطة، فتحدث باسم الشعب العراقي المسلم بكل قومياته ومذاهبه وطرح المطاليب التي تهم الأمة بأسرها.

وفي هذه الفترة وصل الإمام الخميني إلى النجف الأشرف، مبعداً من إيران، بعد سلسلة الأحداث الدموية التي بدأت عام 1962 في إيران وأدت إلى (انتفاضة 15 خرداد) عام 1963 ضد حكم الشاه بهلوي، الذي أقدم على إبعاد الإمام إلى تركيا ثم إلى النجف عام 1964، حيث عاش فيها نحو 15 عاماً. وقد أعطى وجود الإمام الخميني في النجف الأشرف زخماً نوعياً كبيراً للتحرك الإسلامي العراقي، وهيّأ الكثير من أوساط الحوزة العلمية لتقبل أية حالة من حالات المواجهة الشاملة مع السلطة، وكان الشهيد محمد باقر الصدر هو الأقرب فكراً وسلوكاً إلى الإمام الخميني ومدرسته في العمل. ومن هنا، وبسبب مؤشرات القوة التي برزت لدى الإسلاميين، والتي أدت إليها مجموعة متشابكة العوامل، فإن النظام فضّل عدم افتعال حالة المواجهة معهم، وأرغم في النهاية على رقع الكثير من الضغوط التي عرّضهم لها.

وبادر الإسلاميون في عام 1966 إلى تأسيس «جماعة العلماء في بغداد والكاظمية» على غرار جماعة العلماء في النجف الأشرف. وقد ساهمت الجماعة ـ بشكل أساس ـ في النشاطات الإسلامية في العاصمة، وتعدى دورها إلى العمل السياسي والمشاركة في الأحداث أو رسم المواقف حيالها، فضلاً عن العمل الثقافي والفكري الواقع. وكان الشهيد الصدر لا يدّخر وسعاً في دعم الجماعة والمساهمة في توجيهها. وإلى جانب ذلك، ظل الصدر يوجه الفعاليات الإسلامية الأخرى التي استمرت في عملها منذ سنوات سابقة، أو التي قامت قبل ذلك، ككلية أصول الدين في بغداد التي تأسست عام 1964، فكان الشهيد الصدر يشارك في الإشراف عليها ويوليها اهتماماً كبيراً، كما أصبحت دروسه العلمية وأسلوبه في التدريس ومنهجه التجديدي في البحث محط أنظار الوسط الحوزوي العلمي، وحديث المنتديات الثقافية والفكرية.

وبمقتل عبد السلام عارف عام 1966 ومجيء أخيه عبد الرحمن إلى كرسي الرئاسة، دخل العراق مرحلة جديدة تماماً، لم يألفها سابقاً،ولم تتكرر فيما بعد، فقد تميّز هذا العهد بنوع من الهدوء السياسي والاستقرار الاجتماعي والحرية النسبية والظهور الخجول للأحزاب السياسية العراقية، حتى أصبح البعثيون والشيوعيون ـ بعد إطلاق سراح قيادييهم وكوادرهم ـ يتحركون بسهولة في الساحة، فعادت الصراعات الفكرية والاشتباكات السياسية من جديد، ولكن بصورة هادئة ولم تتحول إلى ظواهر اجتماعية، كما كانت على عهد عبد الكريم قاسم. أما الحالة الإسلامية، فكانت هذه المرحلة متميزة بالنسبة لها، إذ استطاعت أن تتحرك فيها بحرية ملحوظة، دون أن تتعرض للقمع والضغط والتطويق، فبذلت بعض المسعى للحيلولة دون التفريط بهذه الفرصة. ثم جاءت نكسة حزيران عام 1967 لتترك آثارها على العراق، ككل الدول العربية والمسلمة. ومن خلالها برز تبني الإسلاميين في العراق للقضية الفلسطينية كقضية إسلامية مركزية. فكانت النكسة عاملاً آخر إضافة قوة جديدة للواقع الإسلامي، الذي بلغ مستوى كبيراً من القوة، بالشكل الذي أصبح فيه المراقبون يتوقعون تغييراً قريباً في خارطة العراق السياسية لمصلحة التحرك الإسلامي، فيما لو استثمر الفرصة ـ الضائعة التي سنحت له ـ بالشكل الذي ينبغي، والذي لم يتوافر مثيل له مطلقاً فيما بعد، لأن الحالة الإسلامية باتت تهيمن على الشارع الشعبي، وتفرض نفسها على معظم المستويات الاجتماعية والفكرية والثقافية. وقد تمثلت قوة الحالة الإسلامية في المفردات التالية التي تكمل إحداها الأخرى:

أولاً: المرجعية الدينية المتمثلة بالسيد محسن الحكيم، والوضع الجديد في الحوزة العلمية.

ثانياً: الفعاليات الإسلامية على مختلف ألوانها: السياسية والثقافية والاجتماعية والدينية.

ثالثاً: القاعدة الشعبية العريضة.

وقد حظيت المرجعية ـ في هذه الفترة بالتحديد ـ بدعم منقطع النظير من قبل الجماهير، الأمر الذي جعلها ـ أي المرجعية ـ في موقع الاقتدار أمام النظام. ولم تبخل الحالة الإسلامية في إطار قوتها من خلال العديد من الوسائل، بحيث باتت المسيرات والتظاهرات الشعبية التي يعبئ لها الإسلاميون وتدعمها العشائر، تعلن ـ ضمن مطاليبها ـ عن ولائها الصريح للقيادة الإسلامية. بل إن الجامعات شهدت تحركاً إسلامياً نشيطاً، حتى أصبح بعضها يقرر دروساً في العقائد الإسلامية. فضلاً من انتشار المساجد وصلوات الجماعة والندوات والمكتبات في جميع الكليات والأقسام. كما اعتمدت كلية الإدارة والاقتصاد في جامعة بغداد تدريس كتاب «اقتصادنا» للسيد الصدر كمقرر دراسي منهجي عنوانه «الاقتصاد الإسلامي».

الاستعمار يبحث عن بديل

لقد لمست الدوائر الاستكبارية ـ عن قرب ـ حقيقة الموقف الإسلامي في أعقاب نكسة حزيران، والقوة الكبيرة التي أصبحت تتمتع بها الحالة الإسلامية، وعجز النظام عن مواجهتها أو كبح جماحها. وإذا أضفنا موضوع شركات النفط وصفقاتها الجديدة التي ضربت جزءاً من مصالح الإنجليز والأمريكان في العراق، إلى إشكالية القوة لدى الحركة الإسلامية، فإن من السهولة معرفة ما يدور في عقل المستكبرين. وكان واضحاً أن الإنجليز شعروا بصفارة الإنذار نتيجة ما حققه الإسلاميون من واقع. إلا أن الإسلاميين ليس لهم مصلحة في السلطة، ولا يريدونها، رغم ذلك فإن الدوائر المستكبرة لم تعبأ بقناعات الإسلاميين ونوايا المرجعية، بل بادرت إلى مشروع انقلابي، يعمل عملاؤها على تنفيذه، وفقاً لما تفرضه مصالحها. ورأى الاستكبار أن البديل الأفضل الذي من شأنه كبح جماح الإسلاميين، واحتواء موقف بعض العسكريين من أتباع أهل البيت، والذين بدأت تستهويهم لعبة الانقلابات، بدوافع مختلفة، هو حزب البعث العراقي. ويعود ذلك إلى عدة أسباب:

1 ـ إن حزب البعث استفاد من الجو المفتوح في عهد عبد الرحمن عارف، فأخذ ينمو كماً ونوعاً، ولاسيما جناحه العسكري، الذي بات مؤهلاً للقيام بأي تحرك مطلوب.

2 ـ يتميز حزب البعث بالالتزام بالمخطط الاستكباري البريطاني لإدارة شؤون العراق، ومقدرته على قمع المعارضة أو أي حركة جماهيرية تسير بالاتجاه المعاكس، وهو ما برز في انقلاب 8 شباط.

3 ـ إن حزب البعث تنظيم علماني يناصب الدين العداء، فيمكن من خلال ذلك القضاء على التيارات الدينية الواسعة التي أصبحت تهدد مصالح الاستكبار في العراق.

4 ـ إن الشعب العراقي بمختلف شرائحه، ولا سيما الإسلاميين والمرجعية الدينية، لم يكن مدرساً إدراكاً كاملاً حجم خطر البعثيين، بل كانت الأغلبية تضع الشيوعية في مقدمة الأخطار المحدقة بالبلاد.

وقد جاء في تقرير المؤتمر القطري السادس لحزب البعث في العراق بأن أحد أسباب انقلاب 17 تموز 1968 هو تسلل القوى الرجعية إلى مواقع خطيرة، والخشية من سيطرتها على الأوضاع. ويقصد بذلك الحالة الإسلامية المتنامية.

ولم يكن الانقلاب ممكناً دون وفاق أو تكامل بين المصالح الأمريكية والبريطانية في العراق، وهو ما حصل بالفعل، حين تحالف حزب البعث مع الخط الأمريكي في الدولة، الذي يمثله معاون رئيس الاستخبارات وآمر الخط الأمريكي خلال 13 يوماً. حينها انهمك البعثيون برسم الخارطة السياسية المستقبلية للعراق، وتحديد مواقع وثقل الاتجاهات الفكرية والسياسية والاجتماعية المؤثرة في الساحة وكيفية التعامل معها. وقد أشارت أدبيات حزب البعث الداخلية عام 1968 إلى واقع القوى السياسية في العراق والموقف منها، وانتهت إلى أن الوجود الطائفي (ويقصد به الحالة الإسلامية والفعاليات الإسلامية التي تتقدمها المرجعية الدينية) هو الخطر الذي يهدد الحكم. هذا التقييم التفصيلي للوضع، والذي خرج به حزب البعث في مرحلته الانتقالية (1968 ـ 1969)، انتهى بهجومه الكبير على الإسلام، وتعرضه للمرجعية الدينية والتحرك الإسلامي، وقراره بتدميرهما. ثم صدر القرار الرسمي بالقضاء على الوجود الديني في العراق في 4 نيسان 1969 عن القيادتين القومية والقطرية لحزب البعث، ونص على «ضرورة القضاء على المرجعية الدينية، باعتبارها العقبة الكبرى في مسيرة الحزب»([10]). وهكذا بدأ التحرش العملي بمصادرة الأموال المرصودة لجامعة الكوفة، وهي مشروع إسلامي خيري. ثم استغل النظام أجواء خلافه الحاد مع نظام الشاه في إيران، للقيام بحملة قاسية ضد العراقيين من ذوي الأصول الإيرانية والإيرانيين المقيمين في العراق، فبدأ منذ نيسان 1969 بتهجير عشرات الآلاف منهم، في إطار قرار بتهجير نصف مليون نسمة إلى إيران بهذه التهمة، أي 6% من نفوس العراق. ويشمل ذلك عدداً كبيراً من علماء الدين والشخصيات الإسلامية. وفي غمرة الأحداث خطط السيد محمد باقر الصدر لتحرك مضاد يتناسب مع الوضع، فوجدت مقترحاته قبولاً لدى المرجعية، وكان أولها المؤتمر الجماهيري الاحتجاجي الحاشد الذي عقد في صحن ضريح الإمام علي(ع) في النجف الأشرف والذي دعا إليه السيد محسن الحكيم الذي حضره إلى جانب جمع غفير من المراجع والعلماء، وكتب السيد الصدر كلمة، تضمنت نقداً حاداً للنظام، وتطرق إلى مجمل القضايا التي شغلت الشارع العراقي طوال فترة الحكم الجديد، كمطاردة الإسلاميين وحملات التهجير ومصادرة الحريات والتضييق على الحوزة العلمية وعلماء الدين. وألقيت الكلمة باسم السيد محسن الحكيم من قبل نجله. وقد مثّل هذا التجمع آخر رد فعل قوي من جانب الإسلاميين في عهد مرجعية السيد الحكيم. ففي أعقابه نجح حزب البعث في امتصاص الحسم في مواقف الإسلاميين، بعد أن آتت استفزازته لهم أكلها، فقرر وضع حد للمناورات والقرارات السرية، وبدأ بتنفيذ مخططاته بعلانية ووضوح، تقديراً منه بأنه بات يمسك زمام الأمور بقوة، متخطياً كل المخاطر والمشاكل التي تتهدده جراء معاركه مع العديد من القوى الداخلية والخارجية، كالاتجاهات السياسية المختلفة والمرجعية الدينية والجماعات الإسلامية في الداخل، وإيران وما تمثله من ثقل في المنطقة في الخارج. فلم تمض بضعة أيام على مؤتمر النجف حتى شنت السلطة حملة اعتقالات جديدة، شملت عدداً من علماء الدين الناشطين، الذين تعرّضوا لأبشع صنوف التعذيب، مما نتج عنه استشهاد بعضهم. ويذكر أن السيد محمد باقر الصدر اقترح على المرجعية حينها تنظيم تظاهرة علمائية يقودها بنفسه، لإيقاف حملات الإبعاد والاعتقال، غلا أن المرجعية كانت تخشى على السيد الصدر، لأنها كانت ترى فيه أمل الإسلام على الصعد كافة، الأمر الذي حال دون تنفيذ الفكرة.

وفي منتصف عام 1969، وصل الهجوم البعثي على المرجعية الدينية ذروته، حتى اتهمت السلطة نجل السيد محسن الحكيم بالعمل لحساب إيران وأكراد العراق. وبهذا وجهت السلطة ضربة مباشرة لشخص المرجع الأعلى. ثم اقتحمت قوات السلطة مقر الإمام الحكيم، بهدف القاء القبض على نجله، وحين فشلت، قامت باقتياد السيد الحكيم عنوة بسيارة حكومية وأرسلته إلى مقره في الكوفة، ثم وضعته تحت الإقامة الجبرية المشددة، وقطعت عنه الماء والكهرباء والهاتف. ومن هذه الحادثة بالذات، بدأت مرحلة الهستيريا البعثية، وأخذت تتصاعد يوماً بعد آخر، إذ استمرت حملات التهجير والنفي حتى مطلع عام 1971، أما الاعتقالات فلم تنقطع، بل كانت تأخذ شكلاً تصاعدياً([11]).

وفي هذه الفترة، وجد السيد الصدر ضرورة توجيه ضغوط رسمية وشعبية من الخارج على حكومة البعث، بعد أن أخذ الداخل يحترق بالتدريج بنار القمع البعثي، الذي سلب أية مبادرة من الإسلاميين اللهم إلا ردود الفعل الموضعية. وعلى أثرها سافر الصدر إلى لبنان، لتصعيد الموقف من الخارج، فحرّك الفعاليات الإسلامية هناك، والتي قام بعضها ـ كالسيد موسى الصدر ـ بالإبراق إلى جميع رؤساء وملوك الدول العربية والإسلامية، والفعاليات الإسلامية فيها، يشرح لهم المأساة ويدعوهم للتدخل.

وفي خضم هذه الأجواء الخانقة، ارتفع صوت الإمام الخميني من النجف الأشرف، بكل جرأة، محطماً الصمت والجمود اللذين فرضهما من وصفهم بالعلماء القاعدين وغير العاملين، فبدأ في مطلع عام 1970 بطرح باب في غاية الأهمية من أبواب الفقه الإسلامي على طاولة البحث والدرس، هو باب الحكومة الإسلامية أو «ولاية الفقيه»، مؤكداً في دروسه هذه على مسألة وجوب تأسيس الحكومة الإسلامية وبناء أجهزتها، ووجوب رعاية العلماء للأمة ورعاية حقيقية، ووجوب رئاستهم للدولة، ودعاهم إلى الجهاد ومقارعة الحكومات الفاسدة والظالمة، كما فضح الأنظمة السياسية الوضعية والقوى الاستكبارية، وفضح مؤامراتها بتركيز فهم «فصل الدين عن السياسة» في الوسط الديني([12]). وعدّ تيار السيد الصدر (الفعاليات الإسلامية المرتبطة به وأصدقاؤه وتلاميذه وجمهوره) أن مبادرة الإمام الخميني العلمية هذه نصراً لهم على مختلف الصعد، سواء على صعيد مواجهة السلطة أو الأوساط الدينية التي تستنكر أي لون من ألوان التفكير أو العمل السياسي، وحضورها، كما قام بعض العلماء من أنصاره بترجمتها ومراجعتها، إذ توصل السيد الصدر في هذه الفترة أيضاً إلى الموقف الفقهي ذاته، وكان يصرّح بالولاية العامة للفقيه.

وبعد وفاة السيد الحكيم في أواسط عام 1970، بادر السيد الصدر إلى التحرك إلى المرجعيات المرشحة، لتبذل مساعيها لإيقاف حملات الإبعاد والاعتقال، إلا أنه لم يتمكن من انتزاع مبادرة مناسبة، سوى الحكم الفقهي الذي صدر حينها، والقاضي بحرمة سفر علماء وطلبة الحوزة العلمية خارج العراق، وحينها كان السيد الصدر ويستشعر الفراغ الذي تركته وفاة السيد الحكيم، بعد أن فرضت الظروف الصعبة واجتهاد الرجعيات المرشحة ورؤيتها، تجنب التصدي للعمل السياسي والاجتماعي. وبذلك استتب الوضع بالكامل لصالح النظام الحاكم، الذي تمادى في ممارساته ضد الإسلاميين دون رادع حقيقي، بعد تعزز الركود في الوسط الديني العلمي، وعودة معظم العلماء إلى التفرغ للشأن العلمي المحض، ظناً منهم بأن ذلك سيبقى على الجامعة العلمية الكبرى في النجف، قائمة والحيلولة دون انهيارها.

مخطط التصفية الشاملة

توزعت محاور مخطط النظام الحاكم لتصفية الحالة الإسلامية وفعالياتها ووجودها، إضافة إلى آفاق تنفيذ المخطط، على ثلاثة أصعدة:

الأول ـ المرجعية الدينية والحوزة العلمية:

ومن أبرز محاوره:

1 ـ منع استمرار الكثير من الطلبة ـ غير العراقيين ـ في الدراسة في الحوزات العلمية، وإسقاط إقاماتهم الرسمية، ومنع التحاق معظم الطلبة الجدد.

2 ـ تحديد التحاق الطلبة العراقيين بالحوزة، والصادق بالكثير منهم، والتضييق عليهم، ورفض إعطائهم أي تأجيل أو إعفاء من الخدمة العسكرية.

3 ـ منع تسجيل الطلبة في مؤسسات الحوزة التي لا تمتلك ترخيصاً حكومياً. والحال أن الحوزات هي مؤسسات مستقلة منذ مئات السنين، فأراد النظام الحاكم ربطها بأجهزته، من خلال مختلف الضغوطات.

4 ـ غلق معظم منافذ الإمداد المالي الشرعي (الحقوق الشرعية) من الوصول إلى مراجع الدين من مقلديهم في خارج العراق، في محاولة مهمة لإضعاف الحوزة.

5 ـ الاستمرار بحملة التهجير والنفي (أساتذة الحوزة وطلبتها) بعد إسقاط الجنسية عن بعضهم أو الإقامة القانونية. والتضييق على من تبقى من العلماء. فضلاً عن اعتقال وتعذيب الكثير منهم.

6 ـ العمل على اختراق صفوف الحوزة، من خلال إدخال ما يقارب من مئة وخمسين طالباً من عناصر السلطة إلى الحوزة، وإيجاد مجموعة من المعممين المرتبطين بالسلطة، ودعمهم وفرضهم كممثلين عن المرجعية والحوزة العلمية، إلى جانب إنشاء أو دعم بعض المؤسسات الدينية الحكومية التي تمارس الخداع باسم الإسلام.

7 ـ مصادرة الكثير من المكتبات الإسلامية العامة وما تحتويه من نوادر المخطوطات، وشمل هذا الإجراء بعض المكتبات الخاصة بالعلماء أيضاً.

8 ـ بث مختلف الإشاعات ضد الحوزة وعلمائها، ولا سيما الوسط الفاعل إسلامياً فيها، وفي المقدسة السيد محمد باقر الصدر، الذي تعرّض لأشكال الإشاعات والتهم، وفي مقدمتها أنه عالم سياسي وحركي أو أنه إصلاحي وتجديدي.

9 ـ محاولة زج العلماء في منزلقات خطيرة وفرض مواقف معينة عليهم، على غرار طلب الحزب الحاكم من الإمام محسن الحكيم تأييداً لانقلابه العسكري، أو إصدار فتوى بجواز قتال الأكراد، إذ رفض المرجع الديني الطلبين. وبعد وفاته، عاود النظام ممارساته، فطلب هذه المرة ـ فتوى من السيد الصدر بوجوب القضاء على الشيوعيين، فرفض الصدر الطلب، ليقينه بأن هذا الطلب هو لعبة سياسية أو منزلق يهدف إلى الإيقاع بأكثر من طرف بضربة واحدة.

الثاني ـ الوجودات الإسلامية:

ومن أهم محاوره.

1 ـ القيام بحملات اعتقال وملاحقة وتشريد واسعة النطاق ضد عناصرها وإخضاع المعتقلين إلى أشد صنوف التعذيب، وإصدار أحكام الإعدام أو السجن المؤبد ـ دون محاكمة ـ ضد الكثير منهم.

2 ـ القيام بحملات تشتيت ضد المشكوك بتعاطفهم مع أي من الوجودات الإسلامية، كإبعادهم إلى وظائف خارج مناطق سكناهم، وفي المناطق النائية بالذات، وحرمانهم من الامتيازات المعاشية والاجتماعية.

الثالث ـ الصعيد الثقافي والاجتماعي:

1 ـ إغلاق الصحف والمجلات الإسلامية، ومنع دخول الصادر منها إلى الخارج، وكذا الحال مع الكتاب الإسلامي، من خلال طبعه واستيراده وتوزيعه وبيعه وتداوله.

2 ـ شن حملات اعتقال وتنكيل ضد الكتّاب والمفكرين الإسلاميين.

3 ـ إغلاق جميع المؤسسات الإسلامية للتربية والتعليم، كالمدارس والثانويات والكليات والجمعيات الخيرية.

4 ـ منع بث الشعائر الإسلامية، كالأذان وصلاة الجمعة والمراسيم الدينية، من الإذاعة والتلفزيون.

5 ـ منع إقامة الكثير من الشعائر الإسلامية، كالاحتفالات والمسيرات ومجالس العزاء الحسيني.

6 ـ نشر مختلف الأفكار الانحرافية والوضعية، كالفكر العلماني والقومي والإلحادي، ومختلف النظريات الغربية التي تتقاطع مع الإسلام.

7 ـ القيام بحملة إفساد واسعة، استهدفت مبادئ وأعراف المجتمع العراقي المسلم، من خلال التلفزيون والسينما والصحافة، وأماكن الرذيلة والمجون وعلب الليل، والاتحادات والمنظمات المختلفة للأطفال والناشئة والشباب، وجعلها بؤراً لانتزاع دين وعقيدة الشباب وأخلاقهم. ولم تقتصر هذه الحملة على المدن، بل تعدتها إلى القرى والأرياف والعشائر.

8 ـ الضغط على كل من يتمسك بالممارسات العبادية والدينية، واتهامه بمختلف الاتهامات، كالرجعية والتخلف والتحجر، أو التشهير والاستهزاء به، فضلاً عن ملاحقته ومراقبته. وكذا الحال بالنسبة لموضوع الحجاب.

9 ـ إصدار قوانين (حديثة) منافية للشريعة الإسلامية، كقانون الأحوال الشخصية وغيره.

وشن النظام في عام 1971 أولى حملاته الكبيرة ضد الجماعات الإسلامية، مستعيناً بخبرات ومعلومات دوائر المخابرات البريطانية والأمريكية. فاعتقل الكثير من قيادييها وكوادرها، وأعدم قسماً منهم. وعلى أثر ذلك، جرى أول اعتقال للشهيد الصدر عام 1972، بتهم مختلفة، كالتحريض على النظام ودعم الجماعات الإسلامية، إلا أن تدهور حالته الصحية أجبر النظام على إطلاق سراحه، إلا أنه بقي مراقباً.

ولم تثن الأوضاع الضاغطة الشهيد الصدر عن الاستمرار في إخراج الجزء العلمي والفكري في مشروعه، فقد شهدت هذه الفترة، صدور مجموعة من أعماله العلمية الرائدة، وفي مقدمتها «كتاب الأسس المنطقية للاستقراء»، إضافة إلى دروسه في علم أصول الفقه، التي أرادها أن تكون منهجاً تجديدياً في هذا العلم. وفي الوقت نفسه، بدأ الكثير من الاتجاهات الإسلامية والرموز الدينية وبعض أوساط الحوزة العلمية، يطالب السيد الصدر بالتقدم لموقع المرجعية الدينية وطرح مرجعيته وإصدار رسالته العملية، ولم يقتصر هذا الجو على العراق، بل تعداه إلى بعض البلدان الإسلامية أيضاً. وكان الشهيد الصدر يرى أن هذه القضية الحساسة بحاجة إلى المزيد من التأمل والدراسة، رغم أنه بات مقتنعاً بأن الفراغ الذي يتسببه عدم وجود مرجعية متصدية للأوضاع في العراق، لم يعد محتملاً، وإنه يؤدي إلى تصدع حقيقي في كيان المؤسسة الدينية وعموم الحالة الإسلامية والمجتمع المسلم. وبقي الإعلان عن مرجعية السيد الصدر مجرد مسألة وقت.

ومرة أخرى يستأنف النظام حملته ضد الواقع الإسلامي، ولكن بصورة تختلف هذه المرة عن سابقتها، فالهجوم هذه المرة كان واسعاً كماً ومركزاً نوعاً، ففي منتصف عام 1974، قام النظام الحاكم باعتقال السيد محمد باقر الصدر للمرة الثانية خلال سنتين تقريباً، وأكثر من سبعين كادراً وقيادياً إسلامياً، بينهم عدد كبير من العلماء وأساتذة الحوزة، إضافة إلى عدد كبير من المشتبه بعلاقتهم بالجماعات الإسلامية. وعلى الرغم من إطلاق سراح السيد الصدر فيما بعد، إلا أن الدلائل كانت تشير إلى أنه كان أهم المستهدفين في هذا الهجوم الشرس، نتيجة إحساس النظام بأن مرجعيته الرشيدة المتصدية في طريقها للإعلان، وأن التحرك الإسلامي العراقي يرتبط به كمحور قيادي وفكري وإرشادي، فكان الكثير من المعتقلين من وكلائه وتلامذته ومريديه، أو ممن عمل معه وتحت إشرافه. وقد أدركت القيادات المعتقلة ذلك، فأوصت عناصرها في السجن بضرورة عدم حصول السلطة على أية معلومة أو اعتراف ضد السيد الصدر، للحيلولة دون إعطاء أية ذريعة بأيدي السلطة، لأنه ـ كما أشارت هذه التوصيات ـ أمل الإسلام ورمزه، والمساس به يعني هدم كيان المرجعية الرشيدة وتمكين السلطة من الإسلام. وهكذا لم تحصل السلطة على أي اعتراف، مهما كان جزئياً وعابراً ضد السيد الصدر. وفي الوقت نفسه شهدت أوساط الحالة الإسلامية نقاشاً حول خروج السيد الصدر من العراق، للحفاظ عليه والحيلولة دون محاولات قتله وتصفيته، إلا أن الشهيد الصدر كان يرفض أية فكرة بالخروج من العراق، لأنه كان يعتبر مكانه الطبيعي الذي ينفذ من خلاله مشروعه الشامل هو النجف الأشرف.

وصدرت الأحكام ضد المعتقلين، دون محاكمة حقيقية، وكان الإعدام نصيب خمسة منهم، والسجن المؤبد ومدد مختلفة للباقين. وجرت مساع حثيثة من قبل العلماء والحوزة العلمية في العراق وخارجها لمنع تنفيذ أحكام الإعدام، كان من أهمها ما فعله الشهيد الصدر، الذي حصل على تأكيدات من قبل عضو في القيادة القومية للحزب الحاكم بأن الأحكام لن تنفذ، ولكن تأخيرها كان خديعة من قبل السلطة، لامتصاص ردود الفعل. فتم إعدامهم في أواخر عام 1974. وبعد إعلان النبأ، أصيب السيد الصدر بحالة شبيهة بالغيبوبة، وعطّل الدراسة واعتزل الناس لبضعة أيام.

وبعد إعدامات واعتقالات وتهجيرات عام 1974، تصور النظام أنه قضى تماماً على التحرك الإسلامي داخل العراق، ولكن الذي حدث كان العكس، الأمر الذي حمل صدام حسين على وصف الإسلاميين بـ«النمل»، الذي يخرج من جهة أخرى إذا هدمت بيته من جهة، وطالب بصب الزيت عليهم وحرق الأخضر واليابس دون تراجع([13]). فتم إبعاد أكثر من «1500» عالم دين وطالب في الحوزة العلمية إلى الخارج في عام 1975، واعتقال المئات من الإسلاميين والحكم عليهم بمدد مختلفة، بعد تعريضهم لأبشع ألوان التعذيب. ثم شهد عام 1976 هدوءاً ظاهرياً ملحوظاً، بسبب الأساليب المعقدة التي اعتمدتها الفعاليات الإسلامية في التحرك، والتي لم تكن تعطي بيد السلطة أية ذريعة، فكان كل شيء مبهماً بالنسبة لها، حتى أيقنت مرة أخرى أنها قد حققت أهدافها في القضاء على التحرك الإسلامي، الأمر الذي أفاد الواقع الإسلامي كثيراً، فشعر بنوع من الاستقرار والتعامل مع الأوضاع بروح المبادرة ليس بردود الفعل. أما العامل الأساس الآخر الذي يعود إليه الفضل في توسع الحالة الإسلامية وامتدادها ثانية خلال هذه الفترة، فهو تصدي الإمام السيد محمد باقر الصدر للمرجعية الرشيدية (كأطروحة تجديدية للمرجعية الدينية)، ولزعامة جزء كبير من الحوزة العلمية، بعد نشر رسالته الفقهية العملية (الفتاوى الواضحة) واتساع دائرة مقلدية، وبنائه جهازه المرجعي، ومساهمة وكلائه في كثير من مناطق العراق مساهمة أساسية في ربط الجماهير بالمرجعية الرشيدية ونشر الوعي الإسلامي في أوساطها.

وقد برز هذا الواقع الجديد الذي يقوده الشهيد الصدر، علانية، ولم يعد منظّراً ومحركاً له فقط ـ في أحداث السنوات اللاحقة، وفي مقدمتها انتفاضة صفر الإسلامية عام 1977، التي لم تشهد النجف الأشرف مثيلاً لها في تاريخها الحديث، سوى ثورتها ضد الإنجليز عام 1917. فقوة انتفاضة صفر أربكت النظام ومعادلاته، بحيث أعلن النفير العام في صفوف حزيه، وحالة الطوارئ القصوى في القوات المسلحة. كما جاءت الأوامر إلى الجيش والجيش الشعبي والشرطة والأمن والمخابرات بسحق الانتفاضة دون رحمة. وبعد صدامات مسلحة واسعة، انتهت الانتفاضة بصورة مأساوية، إذ وصل عدد المعتقلين من الثوار الإسلاميين نحو (30) ألف معتقل، وكان الاستجواب الأهم الذي وجه لرؤوس الانتفاضة ومحركيها يدور حول علاقتهم بالإمام الصدر والحركات الإسلامية. فقد منح السيد الصدر مباركته وتأييده للانتفاضة منذ بدايتها، وتابع تطوراتها وتفاصيلها وشملها برعايته وتوجيهه، كما وافق على ذهاب أحد أبرز تلامذته إلى ساحة الانتفاضة لإعلان دعم السيد الصدر لها، ومحاولة إقناع زعمائها بعدم إعطاء النظام مبرراً لقمعها، بعد أن وصلت السيد الصدر معلومات سرية مفادها أن السلطة تنوي إبادة المنتفضين، إذ إن مسؤولي الأمن والحزب في النجف صوّروا لقيادتهم في بغداد بأن زعماء الانتفاضة يتحركون بأوامر السيد الصدر.

الانتصار الإسلامي في إيران

لم تكن الثورة الإسلامية الإيرانية حدثاً محلياً أو إقليمياً على الصعيدين الجغرافي والزمني، بل إن لها من الأبعاد العميقة ما يجعلها منعطفاً ونقطة تحول في تاريخ الإنسانية الحديث. وكان من الطبيعي أن يكون العراق هو الأكثر تأثراً بهذا الحدث والتغيير الكبير، لعوامل عدّة، أهمها:

1 ـ جغرافياً: يشترك البلدان بحدود طولها (1280) كم، وهما يشكلان وحدة جغرافية واحدة تقريباً (المناخ، التضاريس، الثروات الطبيعية، المياه وغيرها)، فضلاً عن المشتركات الكثيرة جداً في حقول الجغرافية السكانية.

2 ـ تاريخياً: يرتبط إسماهما بأحداث كبرى، تعود إلى ما قبل الإسلام، فعاصمة الدولة الفارسية الساسانية كانت قرب بغداد، وبعد الفتح الإسلامي، أصبحت بلاد فارس جزءاً من الدولة الإسلامية، التي كان العراق مركزها مئات من السنين، كما ألحق العراق بإيران في مراحل زمنية أخرى.

3 ـ سكانياً: تبلغ نسبة المسلمين في إيران 98% أيضاً من عدد السكان، وفي العراق 98%، ويشكل أتباع أهل البيت(ع) في إيران 93% وفي العراق 64%، أي إنهم الأغلبية في كلا البلدين. كما أن القوميات واللغات والتقاليد فيها الكثير من الاشتراك بين البلدين، فضلاً عن العلاقات الاجتماعية والعائلية المتشابكة.

4ـ عقائدياً: يرتبط شعبا البلدين بمراكز ورموز دينية مشتركة، كمراقد أئمة أهل البيت(ع) وأبنائهم، المنتشرة في كلا البلدين، والحوزات العلمية، وخاصة في النجف وقم، والمرجعيات الدينية العليا التي يجمع الشعبان على الولاء الديني لها.

5 ـ موضوعياً: يحظى العراق بوجود المرجعية الدينية الثائرة المتمثلة بالإمام السيد محمد باقر الصدر، والتي تسير باتجاه واحد مع مرجعية الإمام الخميني، وتحمل أفكارها، وتدين بالولاء لها، إضافة إلى وجود حالة إسلامية كبيرة تتمتع بالامتداد والقوة والشمول، وكذلك الخلفية الدينية المتجذرة للشعب العراقي، والتي فجّرت الكثير من الأحداث الكبرى منذ أوائل القرن الحالي. هذه الأحداث التي كان بإمكانها ـ عند توافر بعض الظروف الموضوعية ـ أن تتحول إلى دولة إسلامية([14]).

واشتمل التأثر بالثورة الإسلامية، الخارطة السياسية في العراق بأكملها، سلباً وإيجاباً. فلا شك أن النظام العراقي ظل أكثر الأنظمة تأثراً ـ بالسلب ـ بالثورة الإسلامية في إيران، مما جعله أكثر الأنظمة عداءً وإساءة لها. وقبل الانتصار، كان السيد الصدر وتياره قد أعلنا ولاءهما للإمام الخميني، وعملا باتجاه دعم الثورة الإسلامية فكرياً وإعلامياً وجماهيرياً، سواء في داخل العراق أو الدول العربية والأوروبية. وحين كان الإمام الخميني في باريس، أرسل إليه السيد الصدر رسالة مسهبة، نيابة عن النجف والمرجعية والشعب العراقي، وجاء في مقدمتها: «إننا في النجف الأشرف، إذ نعيش مع الشعب الإيراني بكل قلوبنا ونشارك آلامه وآماله، نؤمن أن تاريخ هذا الشعب العظيم، أثبت أنه كان ولا يزال شعباً أبياً شجاعاً وقادراً على التضحية والصمود من أجل القضية التي يؤمن بها ويجد فيها هدفه وكرامته».

وتحول العراق إلى وجه آخر للانتصار الإسلامي في إيران، فمنذ اليوم الأول للانتصار في شباط 1979، خرجت الجماهير تتبادل البشرى وتوزع الحلوى في الشوارع وتنشر الورود، على مرأى ومسمع من السلطة. وأعلن السيد الصدر عن تعطيل الدراسة في الحوزة العلمية مدة ثلاثة أيام ابتهاجاً بالانتصار. وخرجت في اليوم نفسه تظاهرة تأييد للثورة في النجف الأشرف، فتصدت لها قوات السلطة، وكانت أول مجابهة علنية بعد انتصار الثورة بين الإسلاميين والسلطة، تجري فصولها في الشارع. وفي الوقت نفسه، أعلن السيد محمد باقر الصدر على الملأ بيعته الشرعية للإمام الخميني.. قائداً للأمة وولياً لأمر المسلمين، نيابة عن الحوزة العلمية والحالة الإسلامية والشعب العراقي. وجاء في برقية البيعة: «وإنّا إذ نتطلّع إلى المزيد من انتصاراتكم الحاسمة نضع كل وجودنا في خدمة وجودكم الكبير، ونبتهل إلى المولى سبحانه وتعالى أن يديم ظلكم ويحقق أملنا في ظل مرجعيتكم وقيادتكم». وهذا النوع من البيعة شيء نادر بين المراجع المسلمين، ولم يتعود عليه عرف الحوزة العلمية، فالمرجع يحتفظ ـ عادة ـ بكيانه وولايته على مقلديه، إلا أن السيد الصدر عمل وفقاً لرؤيته الفقهية لموضوع إمامة المسلمين، إذ يعتقد بوحدتها واشتمالها على المسلمين كافة، فيقول بأن «المرجعية الرشيدة هي المعبّر الشرعي عن الإسلام، والمرجع هو النائب العام عن الإمام (المعصوم) من الناحية الشرعية»([15]).

وبعد أن طرح الإمام الخميني مشروع دستور الجمهورية الإسلامية على طاولة البحث في إيران، بادر السيد الصدر إلى المساهمة في إثرائه، بآرائه ونظرياته، ولا سيما الدراسة التي قدمها إلى الإمام الخميني قبل طرح مسودة الدستور، تحت عنوان «لمحة فقهية تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية في إيران». وقد وردت أكثر أفكار السيد الصدر في الدستور الإسلامي الإيراني، وهو ما كان واضحاً حتى لدى الدوائر الغربية، إذ تقول دراسة أمريكية متخصصة بأن آية الله الصدر يعد «أحد الآباء الفكريين لدستور الجمهورية الإسلامية([16]). وأن آراءه الفكرية والسياسية «عملت على تقوية موقع آية الله الخميني فيما يتعلق بمنصبه كفقيه للحكومة الإسلامية»([17]). ثم كتب السيد الصدر بعد شهر من انتصار الثورة خمس دراسات أخرى عن الدولة الإسلامية، كجهد فكري تمهيدي في سبيل خدمة النظام الإسلامي، جمعت في كتاب «الإسلام يقود الحياة».

ردود فعل النظام

من السهل على المراقب ملاحظة العديد من الظواهر التي أفرزتها ثورة إيران الإسلامية في الشارع العراقي، فقد أوجدت وعياً دينياً وسياسياً وجهادياً في الأمة، كما أنضجت الوعي الموجود، بصورة اجتاحت معها العراق موجة تدين واسعة للغاية، رافقها نزوع شديد نحو العمل الإسلامي، وانتهت الحالة بتطلع الشعب العراقي إلى ثورة ونظام شبيهي بإيران الإسلامية.

ومما لا شك فيه أن الثورة حطّمت معظم طموحات النظام العراقي وجهوده المبذولة خلال الأعوام العشرة من عمره لتحويل العراق إلى بلد ديني. كما أربكت معادلاته على الصعيد الخارجي، كاجتياح الخليج وعموم المنطقة سياسياً وحزبياً، ولعب دور قيادي على مستوى البلدان العربية أجمع. ومن هنا كان طبيعياً أن يتعاظم عداء النظام العراقي للثورة الإسلامية، وتكون ردود فعله حادة للغاية، ولا سيما بدخول العامل الأساس، الذي يكمن في الصراع الحضاري والآيديولوجي بين الطرفين، مما دفع النظام إلى فتح جبهتين واستعين لحسم الصراع، إحداهما في الداخل في مواجهة الحالة الإسلامية العراقية وامتدادات الثورة، والثانية في الخارج، في مواجهة الثورة الإسلامية الإيرانية مباشرة، ومواجهة تأثيراتها في العالم الإسلامي أيضاً. وكان مما فعله على الجبهتين، شن حرب إعلامية شرسة ضد الثورة، مستغلاً كل وسائل إعلامه في الداخل والخارج، ووصف الثورة بالرجعية والطائفية والعنصرية والشعوبية والعمالة وانتهاءً بالمجوسية، واحتضان أعداء الثورة الإسلامية من رجالات النظام السابق وغيرهم ووضع جميع الإمكانات بين أيديهم، والقيام بحملة إفساد منظمة للشعب العراقي لم يشهد العراق مثيلاً لها في تاريخه، لسحب البساط من تحت أقدام موجة الوعي الديني التي كانت  ترعبه بشدة، وإثارة الفتن والنعرات العرقية والطائفية في داخل إيران، وتحديداً في كردستان وخوزستان، فقام عملاؤه بالكثير من أعمال العنف والشغب، والقتل والتفجير. وأخيراً، التحرش العسكري المباشر، والذي بدأ في 4 نيسان 1979، أي بعد أقل من شهرين من انتصار الثورة([18]).

وحيال كل هذا التآمر، كان السيد الصدر يعمل في حدود إمكاناته وإمكانات تياره الإسلامي المتنامي، على المواجهة.. دفاعاً مرة وهجوماً أخرى، وعلى مستويين، آني وبعيد المدى. فعلى سبيل المثال، كان يخطط لإجراء تحول في واقع الشعب العربي في إيران، للحؤول دون استغلاله من قبل النظام العراقي، وقد تحرك بهذا الاتجاه فعلاً. وكان قد بعض لعرب إيران رسالة يحثهم فيها على احتواء الفتنة القومية، جاء في جانبها:

«إني أخاطبكم باسم الإسلام وأدعوكم وسائر الشعوب الإيرانية العظيمة لتجسيد روح الأخوة الإسلامية التي ضربت في التاريخ مثلاً أعلى في التعاضد والتلاحم في مجتمع المتقين، الذي لا فضل فيه لمسلم على مسلم إلا بالتقوى... فلتتوحد القلوب ولتنصهر الطاقات في إطار القيادة الحكيمة للإمام الخميني».

على طريق الثورة

العوامل الموضوعية التي وضعت العراق على طريق الثورة الإسلامية، تمثلت بالركائز الثلاثة التالية:

الأولى: المرجعية القائدة للسيد محمد باقر الصدر:

تصدي السيد الصدر لقيادة الواقع الإسلامي، وإعلان دعمه الكامل للإمام الخميني، وانتشار أطروحته في المرجعية الموضوعية وتبنيه لها عملياً، لعبت بمجموعها دوراً أساسياً في توجه الجماهير نحو مرجعيته الدينية وقيادته السياسية، حتى باتت أجهزة الإعلام والمخابرات الغربية تصفه بـ«خميني العراق» و«آية اللَّه العراق». ففي هذه المرحلة توسعت مرجعية السيد الصدر بصورة كبيرة، وأصبحت ثاني المرجعيات الكبرى في النجف الأشرف، وقد طرح مرجعيته بمضمون وشكل مختلفين عن المرجعيات التقليدية السائدة، التي أسماها بـ«المرجعية الذاتية»، أما أطروحته المرجعية، فأطلق عليها «المرجعية الموضوعية» أو «المرجعية الرشيدة» أو «المرجعية الصالحة»، والتي من شأنها تحويل المرجعية الدينية إلى قيادة اجتماعية ونظام ديني مؤسساتي متكامل، كي لا تكون فردية في عملها وارتجالية في مواقفها، ويمكنها تحقيق الأهداف العليا للإسلام. وحدد لهذا النظام ثلاثة أسس:

1 ـ إيجاد جهاز متكامل فيه جناحان: علمي تخطيطي، وآخر تنفيذي، تعمل المرجعية من خلالهما، ويقومان على أساس الكفاءة والتخصص وتقسيم العمل. ويحتوي الجهاز على عدة لجان لتسيير الوضع الدراسي في الحوزة، وللإنتاج العلمي، ولشؤون علماء المناطق، وللاتصالات، ولرعاية العمل الإسلامي، وللشؤون المالية.

2 ـ إيجاد امتداد حقيقي أفقي للمرجعية يجعل منها محوراً قوياً، ويتمثل الامتداد في شرائح الأمة المختلفة.

3 ـ إيجاد امتداد زمني للمرجعية أوسع من حياة الفرد، أي تبقى الأجهزة والأنظمة المرجعية قائمة بعد وفاة المرجع، ليتسلمها منه المرجع الجديد([19]).

وعمل الشهيد الصدر على توسيع دائرة ممثليه ووكلائه في المدن العراقية، فبلغ عددهم أكثر من (100) وكيل، وسعى إلى تحويل بعض جوانب أطروحته في المرجعية الموضوعية إلى واقع عملي.

الثانية: الجماعات والفعاليات الإسلامية:

وقد عمل الشهيد الصدر على إعادة ترتيب أوضاعها ومراقبة عملها بصورة مباشرة، ودفعها نحو التكامل مع مرجعيته، ودعمها بالمال، كجزء من التحضير لمشروع الثورة.

الثالثة: الجماهير المسلمة:

أدى الصراع بين الواقع الإسلامي الذي يقوده الشهيد الصدر وبين النظام الحاكم على كسب تأييد الشعب، إلى وضع مضطرب جداً في الساحة، وتلاطم في الأفكار والأهواء والمصالح، وتمايز فاصل في الولاءات. وبات واضحاً أن عدم التكافؤ في الإمكانات بين الطرفين، لم يحُل دون إعلان شرائح واسعة من الأمة عن ولائها للشهيد الصدر، والتعبير عن ذلك بوسائل مختلفة.

هذه الركائز كانت مواد التفجير وعناصر الثورة المنتظرة، والتي كان الشهيد الصدر يتسلسل في الإعلان عنها. ومن أهم الخطوات التي أقدم عليها في هذا المجال:

1 ـ أفتى بحرمة الانتماء للحزب الحاكم والتعاون معه تحت أي عنوان، ولو كان انتماءً شكلياً.

2 ـ أفتى بحرمة دخول الطالبات إلى الجامعات بدون الالتزام الكامل بالحجاب الإسلامي.

3 ـ أفتى بحرمة الصلاة خلف رجال السلطة المتلبسين بزي علماء الدين.

4 ـ استنفر تلامذته وممثليه ووكلاءه للعمل بين الجماهير في مناطق البلاد، وتعبئتها ضد السلطة.

5 ـ أرسل أحد أبرز تلامذته إلى خارج العراق، ليكون ممثلاً عنه لدى قيادة الثورة الإسلامية في إيران، والفصائل الإسلامية والجماهير في المهجر، لعمل برنامج موحد.

وقد ترتب على هذه الخطوات تحولات وأحداث كبيرة، بدأت في نيسان 1979، واستمرت حتى حزيران 1979، حيث شهدت الأوضاع منعطفاً كبيراً. ورداً على ذلك، قامت السلطة بهجومها الثالث الكبير على الحالة الإسلامية، فأخضعت تلاميذ السيد الصدر وممثليه تحت الرقابة المشددة واعتقلت قسماً منهم، وأخذت تراقب رواد المساجد، والمشاركين في الشعائر الدينية، وكل من يشتبه بعدم ولائه للسلطة. كما قام النظام بالتضييق على السيد الصدر نفسه ومنعه من مزاولة بعض نشاطاته، إلى حد محاسبته على مجلس الفاتحة الذي أقامه على الشهيد الشيخ مرتضى المطهري، بذريعة أن المطهري شخص إيراني.

وخلال ذلك، سرت شائعة قوية في أوساط المؤولين الإيرانيين، بشأن عزم الشهيد الصدر على مغادرة العراق، فأبرق إليه الإمام الخميني طالباً منه عدم مغادرة العراق: «إنني لا أرى من الصالح مغادرتكم مدينة النجف الأشرف مركز العلوم الدينية، وإنني قلق من هذا الأمر.. آمل إن شاء اللَّه إزالة قلق سماحتكم». فأبرق الشهيد الصدر مجيباً: «إني أستمد من توجيهكم الشريف نفحة روحية، كما أشعر بعمق المسؤولية في الحفاظ على الكيان العلمي للنجف الأشرف». وحقيقة الأمر أن السيد الصدر لم يكن ينوي ترك البلاد، وهو ما صرح به لتلامذته([20]). وقد انتشر هذا الموضوع (شائعة مغادرة الصدر العراق وتبادل البرقيتين بين الإمام والشهيد) بسرعة مذهلة في العراق من أقصاه إلى أقصاه، فاستثمرته الفعاليات الإسلامية، وحشّدت الجماهير على شكل وفود لزيارة السيد الصدر في النجف وإعلان البيعة والولاء له، واستمرت وفود البيعة بالتقاطر على القائد تسعة أيام متتالة. ولم تكن السلطة تتوقع هذا الولاء للمرجعية الدينية، والذي انعكس في الخارج بقوة أيضاً، مما دفع السلطة إلى إجراءات أكثر حزماً، بل إجراءات فاصلة. وبالفعل فقد انفجر الوضع، فبعد يوم واحد من انتهاء وفود البيعة، أقدمت السلطة على اعتقال السيد الصدر، واقتادته إلى العاصمة محاطاً بسيارات قوى الأمن المدججة بالسلاح. وكان الهدف هو حمل السيد الصدر على المساومة أو التصفية. أما الذي حال دون تنفيذ حكم الإعدام فهو انتظار ردود فعل الشعب. وعلى أثر ذلك، فجرت بنت الهدى الصدر (شقيقة الشهيد) الموقف، وأعلنت للملأ عن اعتقال أخيها، فخرجت التظاهرات في صباح اليوم نفسه في أكثر من أحدى عشر مدينة، وهي تطالب بإطلاق سراح الصدر. وعرفت الأحداث هذه بـ«انتفاضة رجب» التي تعد علامة مميزة في تاريخ التحرك الإسلامي في العراق في هذا القرن، لما لها من أبعاد شديدة العمق. وقد اعتبر النظام الحاكم هذا الانفجار ثورة حقيقة، قد نجحت لولا الإجراءات القمعية الشديدة التي اتخذتها السلطة. ونتيجة الضغط الجماهيري، أطلق سراح الإمام الصدر، وكان ذلك أول نتيجة إيجابية للانتفاضة، مما حمل السلطة على الاعتقاد بضرورة اتخاذ إجراءات مناسبة قبل الإقدام على عمل مشابه في المستقبل.\وعلى أثرها بقي الشهيد الصدر محتجزاً في بيته طيلة تسعة أشهر، منعته السلطة خلالها من مزاولة حتى أعماله العادية، كالتدريس والصلاة، ومنع حتى الأطباء من زيارته، رغم تدهور حالته الصحية، وقامت السلطة بإخلاء الدور المحيطة ببيته، وزرعت المنطقة برجال الأمن، ونصبت أجهزة التصوير والتنصت داخل منزله، رغم أن الزيارات إليه كانت ممنوعة بتاتاً، حتى من أقاربه.

وخلال ذلك قامت السلطة بجملة اعتقالات واسعة، شملت ما يقرب من ثمانية آلاف إسلامي، أعدم منهم (86)، وحكم على المئات بالسجن المؤبد أو بمدد مختلفة. وكان من بين المعدومين عدد من تلامذة وممثلي الشهيد الصدر. ثم اعتقلت السلطة أكثر من ثلاثة آلاف إسلامي آخر، أعدمت منهم (40) شخصاً، وحكمت على الآخرين بين السجن المؤبد والسجن لمدد مختلفة. وحينها لم يكن أمام الشهيد الصدر سوى الإفتاء بوجوب الكفاح المسلح وجوباً كفائياً، دفاعاً عن النفس. كما دعا في ندائه الأول الذي أصدره في منتصف حزيران 1979 الشعب العراقي مواصلة طلباته إلى النظام «مهما كلفه ذلك من ثمن، لأن هذا دفاع عن النفس.. دفاع عن الكرامة... دفاع عن الإسلام». وحينها تحركت الفصائل الإسلامية معلنة الكفاح المسلح، وباتت العمليات العسكرية المضادة للسلطة تمارس بشكل يومي، إلا أنها لم تكن تردع النظام أو توقفه عند حدود معينة من القمع والإرهاب، بل كانت تستفزه للمزيد من الهستيريا.

وقد عملت الجمهورية الإسلامية في إطار واجبها تجاه الشعب المسلم الجار، على دعم الواقع الإسلامي فيه، ومحاولة رفع جزء من الضيم عنه، فحاول الإمام الخميني إرسال ممثل عنه إلى الشهيد الصدر، كما حاول السفير الإيراني في بغداد زيارته، إلا أن المحاولتين فشلتا. ثم اتصل به مندوب عن الإمام الخميني تلفونياً، حيث أجاب خلال الاتصال السيد الصدر على برقية الإمام الخميني بقوله: «وإني إذ لا يتاح لي الجواب على البرقية، لأني مودع في زاوية البيت، ولا يمكن أن أرى أحداً أو يراني أحد».

وأخذت معاناة الشهيد الصدر من حالة الوعي في الحوزة العلمية تأخذ طابعاً آخر، فقد كان متقدماً عليها بأشواط كبيرة للغاية، كما كانت السبب في عدم تفاعل كثير من أوساط الحوزة مع مشروعه التغييري، الأمر الذي كان يحول دون استمراره أو نجاحه، بل كانت عبئاً ثقيلاً عليه.

رائحة الموت في كل مكان

كانت أوضاع النظام غير المستقرة، تتسبب في قلق الدوائر الاستكبارية، الأمر الذي نتج عنه تغيير في قمة هرم السلطة، فحل صدام حسين محل أحمد حسن البكر، كحل تفرضه المرحلة، والتي لابد أن تكون حاسمة، ويتم خلالها استئصال أي تحرك إسلامي مضاد ـ حسب الدوائر الاستكبارية ـ ويذكر أن الأحداث انطلقت برؤية بريطانية للأوضاع الجديدة. وتلخص السيناريو بتقديم قائمة إلى البكر تضم (300) شخصية إسلامية، بينها السيد محمد باقر الصدر، للتوقيع على إعدامها، ومقابل رفض البكر، هدده نائبه بالمصير نفسه. وحدث خلاف في قيادة الحزب الحاكم، أدى إلى تسلّم النائب للسلطة الأولى، واعتقال جميع القادة المعارضين في النظام، فأعدم (22) منهم. وحينها فتحت أبواب مرحلة جديدة من المعاناة أمام الواقع الإسلامي([21]).

وكان الوضع مهيّأً للانفجار ضد النظام، إلا أن اعتقال السيد الصدر في بيته، وفصله عن العالم الخارجي، كان يحتم وجود بديل للسيد الصدر في قيادة الانفجار واستثماره، إلا أن واقع الحال كان يؤدي إلى خيبة أمل كبيرة، جعلت الشهيد الصدر يعيش مرارة يصعب وصفها([22]). وفي الوقت نفسه كانت السلطة مستمرة في قص أجنحة حركة الصدر، لتقضي على أي رد فعل محتمل حين اعتقاله وإعدامه. فبلغ عدد الذين تمت تصفيتهم من الإسلاميين حتى نهاية عام 1979، أكثر من ثلاثة آلاف شخص. ثم تصاعدت بشكل كبير في الأشهر الأولى من عام 1980، حتى تقول صحافية مصرية عاشت أحداث تلك الفترة بتفاصيلها: «كنت طيلة الشهور قبل إبريل 1980، اسمع عن الإعدامات الجماعية التي يساق لها الشباب المسلم: 300، 400 شاب يومياً»([23]). وكان معظم الشهداء، من تلامذة السيد الصدر ووكلائه وأنصاره وجمهوره. ورافقت حملات الإعدام حرب نفسية شديدة مارستها السلطة ضد الصدر، حيث كانت تخبره يومياً بأسماء المعدومين من المقربين إليه وأنصاره، إمعاناً في إيلامه والتنكيل به، وهو محاصر في بيته.

وتحركت المنظمات الدولية لحقوق الإنسان تحركاً صورياً للدفاع عن معاناة السيد الصدر، ولكن دون أي جدوى، فقد ذكر تقرير منظمة العفو الدولية بأن الماء والكهرباء قد قطعنا عن دار آية اللَّه الصدر، وأن الطعام يجلب له مرة واحدة في الأسبوع، ولا يسمح له بمغادرة الدار، حتى الذهاب إلى المسجد، وكذلك لا يسمح له باستقبال الزوار من أصدقائه أو طلابه، ولم يسمح أيضاً بزيارة الطبيب له رغم تدهور حالته الصحية، وتم إشغال الدور المحيطة ببيته بعناصر الأمن([24]). بل أصبحت عائلة الصدر في حالة يرثى لها حين قطع عنها الطعام نهائياً.

وحاولت السلطة قتل السيد الصدر عدة مرات وهو في بيته، كي لا تتورط علناً بدمه، فحفرت نفقاً تحت البيت، في محاولة لهدمه، كما أرسلت ضابطاً لاغتياله، إلا أن الضابط تاب على يديه، فأعدمته السلطة، ثم عاودت المحاولة أكثر من مرة، إلا أنها كانت تفشل بسبب أخطاء فنية بسيطة. وفي هذه المرحلة فكّر الشهيد الصدر في تشكيل القيادة النائبة التي تتكون من عدد من تلامذته البارزين والشخصيات الإسلامية المعروفة، لتأخذ على عاتقها قيادة التحرك الإسلامي في فترة حجزه أو بعد استشهاده، غلا أن عوامل معينة ـ لا مجال للخوض فيها ـ حالت دون تحقيق هدفه([25]).

الاستشهاد.. خاتمة الملف

لا يمكن أن يكون الموت خاتمة حياة الرجال العظام الذين صنعوا تاريخ الإنسانية، فهؤلاء يظلون أحياء بأفكارهم ومشاريعهم، وبالأجيال التي أوجدوها وصاغوا شكلها ومضمونها، لتحمل همّ الفكرة والمشروع من بعدهم. والشهيد الصدر أحد الذين يقفون في مقدمة صنّاع التاريخ الإسلامي. فبرغم أن السلطة كانت تهدف من وراء إعدامه إلى تصفية الواقع الذي صنعه، ومحو اسمه وفكره من ذاكرة الأمة، إلا أن الذي حصل هو العكس تماماً. ومن هنا لا يمكن أن نعد استشهاده خاتمة للملف السياسي في مشروعه، اللّهم إلا من باب الممارسة الواقعية للعمل السياسي، فإن الشهادة كانت خاتمتها بالفعل.

حين خففت السلطة من حجم الحصار على السيد الصدر وداره، كان المراقبون يعتقدون أن هذا الحدث هو عملية جس نبض أخرى لردود الفعل. فجاءت ردود الفعل هذه المرة أيضاً على خلاف ما توقع النظام، فقد أقبلت عليه الجماهير بكثافة على مرأى ومسمع من النظام، رغم ما فعله من إجراءات الإرهاب والقمع والقتل. فأعادت وضع الحجز على ما كان عليه من قبل. وفي نهاية آذار 1980، أصدرت قيادة النظام قراراً بإبادة التحرك الإسلامي تحت ذرائع قانونية، وكان السيد الصدر أبرز المستهدفين في هذا القرار. وجاء القرار ورقة ضغط جديدة بيد السلطة في مفاوضاتها مع السيد الصدر، إذ طرحت عليه ثلاثة شروط، مقابل عودته إلى الحياة الطبيعية، وإلا فإنه سيعدم. وتلخصت الشروط بإلغاء الفتوى التي أصدرها الصدر بحرمة الانتماء لحزب البعث، والبراءة من الإمام الخميني والامتناع عن دعم الثورة الإسلامية في إيران، والبراءة من التحرك الإسلامي والإفتاء بحرمة الاشتراك فيه. فرفض السيد الصدر الشروط. ثم تناول النظام عن شروطه واكتفى بواحد فقط يختاره الصدر نفسه، فرفض أيضاً، وطرد ممثلي السلطة، وامتنع عن مقابلتهم فيما بعد، وحينها كان يتوقع إعدامه في أي وقت، حيث قال: «إني أتمنى وأرجو اللَّه أن يرزقني الشهادة، فإن الدم لم يعد له شيء.. متى يتورط هؤلاء بدمي»([26]).

واعتقل الإمام الصدر في 6 نيسان 1980 وأرسل إلى بغداد فوراً بعد احتجاز عائلته. واتخذت السلطة إجراءات مكثفة لخنق أي ردود فعل تجاه اعتقاله كما حدث في 17 رجب، لعل من أبرزها: حملات التهجير الواسعة إلى إيران، والتي شملت آلاف العوائل العراقية، إذ بدأت في اليوم السابق على اعتقال السيد الصدر، وحملات الاعتقال العشوائية الرهيبة التي لم يشهد تاريخ العراق مثيلاً لها، والتعتيم الإعلامي الشديد عن حادث الاعتقال، وبث الإشاعات السلبية ضد السيد الصدر وحركته فحين اعتقل السيد الصدر كان الشعب في الوسط والجنوب مشغولاً بنفسه، فبين معتقل ومهجّر وملاحق، أو مدعو لتسليم جثة أحد ذويه، أو يودع أهله وأقاربه المهجرين، أو يبحث عن معتقل من ذويه. كما أن 90% من تلامذة الصدر والمقربين والشخصيات الإسلامية العاملة، كانوا أيضاً بين معتقل أو معدوم أو متخف أو مهاجر خارج العراق.

وفي الأقبية السرية لمديرية الأمن العام والقصر الرئاسي تعرّض الإمام الصدر إلى صنوف التعذيب النفسي والجسدي ثلاثة أيام متتالية، شارك فيه رئيس النظام نفسه، بغية حمل الصدر على المساومة. ثم أقدم رئيس النظام في 8 نيسان 1980 على تفريغ رصاصات مسدسه في قلب ورأس السيد محمد باقر الصدر، فسقط مضرجاً بدمائه([27]).

إن إعدام السيد الصدر قضية ذات أبعاد واسعة، تاريخية وحضارية ودينية وسياسية، فجذورها الحضارية تمتد عبر قرون طويلة من الصراع بين الإسلام وأعدائه، وجذورها التاريخية ممتدة في عمق المشروع السياسي الطائفي الذي طرحه العثمانيون لإدارة العراق وحوّله الإنجليز إلى نظام سياسي ظل قائماً منذ عام 1920، أما الدينية فلها علاقة بأهداف الحزب الحاكم في تصفية الوجود الديني التغييري في البلاد، وسياسياً يتمثل في القضاء على المعارضة الثورية وقيادتها. ويصور مصدر غربي مجمل هذه الأبعاد بقوله: «إن النظام وضع في حسابه أن ما يثيره هذا العمل من امتعاض بين صفوف (المسلمين) هو أقل بكثير من تحول آية اللَّه الصدر إلى خميني العراق»([28]).

الإحالات

([1]) تسمية الحرب الاستعمارية أقرب إلى الواقع من تسمية الحرب العالمية، لأن الحرب الأولى (كما الثانية) اقتصرت على الدول الاستعمارية الكبرى في أوربا، ولم يشمل ميدانها سوى أجزاء من الكرة الأرضية، وكانت أهدافها استعمارية وتوسعية صرفة.

([2]) انظر: الملحق الإحصائي في كتاب: سنوات الجمر للكاتب نفسه، بيروت، دار المسيرة، ص 413.

([3]) النداء الثالث للشعب العراقي الذي وجهه الشهيد الصدر في أيلول 1979.

([4]) المصدر نفسه.

([5]) لعل حسن العلوي في كتابيه: التأثيرات التركية في المشروع القومي، والشيعة والدولة القومية في العراق، أفضل من بحث في الجذور التأريخية لتأسيس النظام السياسي الطائفي في العراق ومضامينه وصيغه.

([6]) من النداء الثالث للشهيد الصدر، مصدر سابق.

([7]) المؤمن، سنوات الجمر، مصدر سابق، ص 26 ـ 27.

([8]) المصدر نفسه، 44 ـ 46.

([9]) السيد محمد باقر الحكيم، من نظرات جماعة العلماء، ص 18.

([10]) مجلة العمل الشعبي (العراقية)، 7/4/1969، نقلاً عن مذكرات حردان التكريتي، ص 38.

([11]) انظر: المؤمن، سنوات الجمر، مصدر سابق، ص 91 ـ 99.

([12]) انظر: الإمام الخميني، الحكومة الإسلامية، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.

([13]) انظر: محمد السماك، من هو صدام التكريتي؟ أمريكا، 1982، ص 64.

([14]) سنوات الجمر، مصدر سابق، ص 143 ـ 144.

([15]) الإسلام يقود الحياة، ص 12.

([16]) هرايرد كمجيان، الحركات الأصولية في العالم العربي، ص 146.

([17]) المصدر نفسه، ص 148.

([18]) مضمون برقية وزارة خارجية الجمهورية الإسلامية المرقمة 4 ـ 104 ـ 50 ـ 2 ـ 3 في 4/4/1979.

([19]) انظر: السيد محمد باقر الصدر، أطروحة المرجعية الصالحة، والسيد كاظم الحائري، مباحث الأصول، قم، مكتب الإعلام الإسلامي، ج1 ق2، ص 94 ـ 95.

([20]) انظر: المؤمن، سنوات الجمر، مصدر سابق، ص 165.

([21]) السماك، من هو صدام التكريتي، مصدر سابق، ص 32 ـ 35.

([22]) أفضل من يصوّر معاناة الشهيد الصدر النفسية في هذه المرحلة، الشيخ محمد رضا النعماني في كتابه سنوات المحنة وأيام الحصار.

([23]) صافيناز كاظم، يوميات بغداد، ص 24.

([24]) في حوار خاص أجراه الكاتب مع الشيخ النعماني مدير مكتب السيد الشهيد الصدر وقد رافقه خلال فترة الإقامة الجبرية.

([25]) المصدر نفسه.

([26]) بيان المنظمة المرقم 14 ـ 14 ـ 79 في 17/10/1979.

([27]) انظر: من هو صدام التكريتي؟، ص 38 ـ 39.

([28]) مجلة مدل إيست ستديس، كانون الثاني 1985، ص 10.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

الى الاعلى