قراءة 181 مرات

التضحية بالشريعة والفكر الإسلامي لارضاء الاخرين

17 / تشرين1 / 2003 أمين مصطفى

الباحث والكاتب الإسلامي علي المؤمن صاحب الأربعة عشر كتاباً:

التضحية بالشريعة والفكر الإسلامي لإرضاء الآخرين لا يتوافق مع ثوابت الدين

دخول غير المتخصصين في مجالات الاجتهاد والفقه يؤدي إلى انفلات فكري وفوضى علمية

الغزو الثقافي حقيقة ومواجهته تكون بإعادة بناء ثقافتنا وتطويرها لتساير العصر

 

يعتبر الكاتب علي المؤمن، من أبرز الباحثين في مجال التجديد في الفكر الإسلامي، بهدف صياغة مشروع حضاري إسلامي، يستند إلى الجذور ويتفتح على آفاق العمل الأوسع، وله في هذا المجال وغيره أكثر من 14 مؤلفاً، لاقت أصداء ونقاشات واسعة في أوساط النخب الفكرية والثقافية.

الوطن التقته في بيروت، وفتحت معه جملة من القضايا حول التجديد وحرية الفكر ووعي التراث والعصر، والتحديات التي تواجه الأمة من خلال الغزو الثقافي وغيره، وكان الحوار التالي:

● تناول كتابك «الإسلام والتجديد.. رؤى في الفكر الإسلامي المعاصر» قضايا على قدر كبير من الأهمية أبرزها التجديد في الفكر الإسلامي وحرية الفكر ووعي التراث والعصر، كيف عالجت هذه النقاط، وما الغاية من ذلك؟

ـ مجمل هذه القضايا تدخل في إطار موضوع التجديد في الفكر الإسلامي، هذا الموضوع الذي ظل يشغل الأوساط الفكرية والثقافية والعلمية في منطقتنا الإسلامية منذ أواخر التاسع عشر الميلادي وحتى الآن، وهو موضوع في غاية الأهمية والخطورة، لأنه يرتبط بالتحديات التي تواجه الإسلام على مستوى النظرية والتطبيق، وتمثل هذه التحديات إفرازاً للتطورات السريعة التي شهدها ويشهدها العالم على مختلف الصعد الفكرية والسياسية والاقتصادية والعلمية والتكنولوجية، فضلاً عن التحديات التي واجهت الإسلام في مسار عودته الجديدة إلى الواقع، أو ما يمكن أن نسميه بالتحديات الفكرية التي فرضها واقع التطبيق، هذه التحديات تفرض تجديداً مستمراً ومتراكماً في الفكر الإسلامي ليستوعب كل تطورات الحياة ويستجيب لحاجات الإنسان الجديد.

ويشتمل التجديد على كل حقول المعرفة الإسلامية، بما ذلك القواعد والأدوات والنتاجات، ويستدعي كل ذلك تحديداً للمفاهيم والأطر والمساحات، لكي لا تكون عملية التجديد عملية عشوائية ومفتوحة بالمطلق على كل العناوين ولكل في شاء، أي ما هي مساحات التجديد وما هي عناوينه ومن له الحق في ممارسة عملية التجديد وما هي مناهج التجديد؟

والحقيقة أن مناهج حيادية أو مجردة منفصلة عن حقائق الإسلام نفسه، بل هي مناهج ترتبط بالأصول الشرعية الثابتة، أي بالثوابت الدينية. والتجديد هنا ليس نسخاً لفكر قائم أو تأسيساً لفكر جديد أو إحياء لفكر قديم، كما يمكن أن يتم تفسير مفاهيم ومصطلحات كالتأسيس والاجتهاد والاستنباط والإحياء والاكتشاف والتأصيل والعصرنة والأسلمة، فهذه التفسيرات يجب أن تكون واضحة ومحددة أيضاً، بل إن التجديد هو عملية تفاعل حيوي داخل فكر قائم، لإعادة اكتشافه، وتطويره وملء جميع الفراغات التي تظهر بمرور الزمن، أي إن للتجديد قواعده ومنهجه ومرجعيته وثوابته.

ويهدف التجديد الفكري في الإسلام إلى صياغة المشروع الحضاري الإسلامي الذي يشتمل على استيعاب جميع متطلبات الحياة، أي إن التجديد هو معلول الحاجات العملية، وليس حركة نظرية مجردة ومنفصلة عن الواقع، ولا يهدف التجديد إلى اختراع نظريات وأحكام ورؤى جديدة تفصل الشريعة أو الفكر الإسلامي على مقاس العصر أو للتوافق مع الأفكار الوضعية والأنظمة الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية الجديدة الوافدة من الغرب مثلاً، فلا يمكن التضحية بالشريعة وبالفكر الإسلامي من أجل إرضاء الآخر أو التكيف مع فكره أو توظيف النص والتراث لخدمة الواقع، فهذه الموازنات لا تتوافق مع ثوابت الدين وخصائص الديمومة فيه. ومساحات التجديد لا تشتمل على ثوابت الدين أي الشريعة المتمثلة بالمصدرين المقدسين القرآن الكريم والصحيح من السنة الشريفة، أي إن نصوصهما ثابتة ولا يمكن التجديد فيهما أو الاجتهاد في مقابلهما، بل إن التجديد يقتصر على مساحة المتغيرات، وهي مساحة واسعة جداً، وتتمثل في فهم الثوابت، أي فهم القرآن والسنة، فهذا الفهم هو المتجدد، ويدخل تجدد الفهم هنا في إطار عملية الاجتهاد في الفقه وأصوله وتجديد علم الكلام والتقسيم الموضوعي لأبواب الفقه وصولاً إلى فقه النظريات تشبيهاً بالتفسير الموضوعي للقرآن الكريم وتأسيس أو تطوير النظريات المتخصصة بكل حقل وموضوع ابتداء بالاجتماع والسياسة وانتهاء بالاقتصاد والإعلام وغيرها، فضلاً عن ملاحقة المستجدات والقضايا المستحدثة في كل المجالات، بما في ذلك العلوم والتكنولوجيا، ونشير هنا إلى قضية في غاية الحساسية وتتعلق بالتراث، فالثوابت الدينية أي المرجعية الثابتة المقدسة المتمثلة بالقرآن وصحيح السنة هي ليست تراثاً ولا جزءاً من التراث، لأنها صالحة لكل زمان ومكان، وهي مصداق حلال محمد وحرامه، أما التراث فالمراد منه ما وصلنا من نتاج علمي شرعي للمسلمين، أي النتاج العلمي والفكري والثقافي للمسلمين ضد انتهاء عصر التشريع وحتى الآن، وهو يشتمل على الفقه في أحكامه المتغيرة وأصول الفقه في أحكامه المتغيرة وأصول الفقه ومتغيرات التفسير القرآني وعلم الكلام والفلسفة، وكل ما يعبّر عن فهم بشري للنصوص وللواقع، أي المساحة التي تفصل بين النص والواقع أو القاعدة الشرعية والواقع، هذه المساحة هي مساحة عمل الفهم البشري.

● من له الحق في ممارسة عملية التجديد؟

ـ الذي يملك الحق في ممارسة عملية التجديد الفكري هو صاحب الاختصاص، فالتفسير وعلم الحديث والفقه وعلم الكلام والفكر والفلسفة والعلوم الإسلامية الشرعية هي علوم تخصصية، شأنها شأن العلوم الأخرى التطبيقية والبحتة والإنسانية، ومن غير المنطقي والمعقول، أن يكون لكل من شاء حق في الاجتهاد والتفسير والتجديد، لأن دخول غير المتخصصين هذا المجال سيؤدي إلى انفلات فكري وفوضى علمية، وهو ما نشاهده للأسف لدى بعض الأوساط، ولا سيما بعض الكتاب والصحفيين، وما نقصده بأصحاب الاختصاص هنا هم المتخصصين في جملة من العلوم الشرعية دراسة وبحثاً وتحقيقاً، كعلوم اللغة العربية، وعلوم القرآن وعلم دراية الحديث وعلم الرجال وعلم الكلام وأصول العقيدة وعلم الفقه وعلم أصول الفقه وغيرها من العلوم التكميلية، إضافة إلى تعمق هؤلاء المتخصصين في قضايا الفكر الحديث وفي قضايا الواقع وتطوراته، فالقادرون على التجديد الحقيقي في الشأن الفكري والإسلامي هم المتخصصون في العلوم الشرعية والفكر الإسلامي والعارفون أيضاً بقضايا الواقع وإشكالياته وتعقيداته، ولا نقصد هنا وجود قيمين على الفكر الإسلامي، بل نقصد احترام التخصص والإذعان بضرورة ترك التخصص لأهله، سواء في مجال الفكر الإسلامي أو علم الكلام أو الفقه أو علم الاجتماع أو القانون أو الطب أو الهندسة أو الفيزياء، فهي كلها تخصصات لابد من احترامها وعدم الاستهانة بأي منها، فالاستهانة هي أن يجتهد الطبيب في الهندسة ويجتهد عالم الاجتماع في الفيزياء ويجتهد الصحفي في الفقه ويجتهد الروائي في علم الكلام أو تفسير القرآن، والمؤسف أيضاً أن تصل الاستهانة بالفقه والفكر حدا أن يقوم بعض الممثلين بإصدار فتاوى وتفسيرات شرعية، وأنا لا أقصد هنا أي انتقاص من أحد، بل إن للصحفي والفنان والممثل تخصصاتهم التي يجب أن نحترمها، كما أن للفقيه والمفكر الإسلامي تخصصهما الذي يجب أن نحترمه.

● تتعرض المنطقة لصد هذا التيار وتفنيد مزاعمه؟

ـ أود الإشارة ابتداء إلى أن بعض المنفعلين والمتغربين في منطقتنا العربية والإسلامية يعترضون على شيء اسمه الغزو الثقافي، برغم أنه حقيقة نلمسها ونعيشها بكل تفاصيلها، فيحاول هؤلاء تبرير ما نتعرض له من هجوم للثقافة المضادة بزعم أن ما يحدث هو مجرد احتكاك وتفاعل ثقافي طبيعي، وهذا الزعم هو بحد ذاته لون من ألوان الغزو الثقافي الداخلي الذي يحاول أن ينخر بالجسم الثقافي للأمة في الداخل، ويهدف هؤلاء إلى نزع أسلحة الأمة في مواجهة الغزو الثقافي أو إحباط أي استعداد للمواجهة. أما إذا أحسنا الظن ببعضهم فهو للأسف يتعامل بسطحية مع الموضوع سواء على مستوى النظرية أو على مستوى الواقع، فنظرياً لا يستطيع التفريق بين الغزو والتفاعل أو الهجوم والحوار، وواقعياً خارج العملية الثقافية ولا عيشها كما هي، المهم أن مواجهة الغزو الثقافي تستدعي كمقدمة الإذعان بوجود الغزو الثقافي وتقدير حجمه تقديراً موضوعياً بعيداً عن الاستهانة وبعيداً عن التهويل، ثم إشاعة هذا المفهوم في أوساط شعوبنا المستهدفة، لتركيزه في وعي الأمة كجز من عوامل تحصينها، ولرفع مستوى حساسيتها تجاه مضامين الغزو ومظاهره ورموزه، وبالتالي العمل على ملء أي فراغ يمكن أن يخترقه الغزو الثقافي. والحقيقة أن وجود هذه الفراغات هو الذي يعطي الفرصة للغزو للعمل والتمدد، ونحن لا نعاتب الغازي على غزوه، كما لا فائدة من التباكي على النجاحات التي يحققها لأن الغازي يتعامل بمنطق القوة والتفوق فرض الأمر الواقع وليس بمنطق الحق أو احترام الآخر، هذا هو منطق الغازي المتفوق، فمواجهته إذن لا تكون بالطلب إليه أن يكف عن عمله أو بالتباكي أو تقديم الشكاوى ضده، لأنه لن يكف بالتأكيد، وغاية ما سيفعله بها دموعنا، بالطبع هذه المناديل سيكون مطبوع عليها صور ارنولد أو علم الغازي وربما باربي.

● ماذا تريد أن تقول؟

ـ ما أريد قوله هو أننا لا يكفي أن نفضح الغازي الثقافي ونتحدث عن أساليب غزوه وحجمه، بل الأساس هو أن نعيد بناء ثقافتنا ونطورها بالصورة التي نستطيع من خلالها التماشي مع التعقيد الذي يتسم به الواقع الثقافي العالمي والسلوكيات والأفكار التي أفرزها التطور العلمي والتكنولوجي الهائل والتي نصل إليها عبر الكثير من الوسائل المعقدة أيضاً كالصحف والمجلات والفضائيات والسينما والكتب والانترنت والصور والملابس والألعاب وغيرها، فتبرز من خلال تعاطي هذه الوسائل مظاهر الغزو الثقافي، ككثير من الممارسات الاجتماعية والسلوكيات الفردية والجماعية والأفكار والمأكولات والمشروبات والأزياء وغيرها. ولا شك أن هذه المظاهر لا يقتصر تأثيرها على الهيمنة الثقافية الأجنبية على واقعنا، بل تتعداه إلى الهيمنة الاقتصادية والسياسية والفكرية، وبالتالي تكون الثقافة التي يفرضها علينا الغازي هي الايديولوجيا التي نتعبد بها والمعيار الذي نحتكم إليه، أي إن المثقف لدينا سيكون هو الذي يلوك باستمرار الأسماء الغربية والأفكار الغربية، وإن الإنسان الراقي هو الذي يحضر الحفلات المختلطة ويراقص النساء، وأن المتخلف هو الذي يصلي ولا يشرب الخمر، وإن المنفتح هو الذي يرى في أفكار أمته وعاداتها وتقاليدها انغلاقاً، أما المنغلق فهو الذي يحترم خصوصيات أمته وثقافتها ويعمل على تحصينها والحيلولة دون ذوبانها.

وفي النتيجة فإن بدائلنا الثقافية التي تنبع من واقعنا وتمثل تراكماً لخبراتنا وتكون إفرازاً لفكرنا وبيئتنا هي التي نتصدى بها للغزو الثقافي ومظاهره، ووصول هذه البدائل إلى أيدي الأمة يتم أيضاً عبر استثمار الوسائل المتطورة علمياً وتكنولوجياً والتي تراعي كل الجوانب النفسية والاجتماعية، أي سهولة الوصول والقدرة على التأثير وديمومة التأثير، ومن تلك الوسائل الإذاعة والتليفزيون والصحافة وألعاب الأطفال والأزياء والأفلام والانترنت، ويتم من خلالها طرح فكر معاصر رصين وثقافة أصيلة حديثة.

● نلاحظ من كتاباتك استشرافك للمستقبل، أي رؤية تعمل عليها الحماية الجذور، والانفتاح؟

ـ الحقيقة أن علاقتي بالدراسات المستقبلية علاقة وطيدة بل عضوية، فالفكر الإسلامي المستقبلي هو اهتمامي الأساسي، وهو ما عبّرت عنه في مشروعي بالمستقبلية الإسلامية. وقد بدأت هذه العلاقة بعد تعرفي على فلسفة التاريخ من خلال توينبي وسبنغلر وغيرهما والتي قادني إليها الإمام محمد باقر الصدر في السنن التاريخية ثم تعرفت على كتابات قسطنطين زريق والتي قادتني إلى الدراسات المستقبلية الحديثة، وتحديداً دراسات إدوارد كورنيش والفين توفلر ودوجو فينيل، وقد أذهلني ما تحظى به الدراسات المستقبلية في الغرب من اهتمام كبير إلى الحد الذي أصبحت فيه علماً يدرس في الجامعات والمعاهد وتأسست من أجله مئات المراكز البحثية والجمعيات والمؤسسات، وأصبحت مناهجها محاور لعمل مؤسسات التخطيط، سواء الحكومية أو الأهلية، وحين تأملت في النصوص الإسلامية وبحثت عن جذور لموضوع المستقبل فيها، أقصد في القرآن الكريم والحديث الشريف، فذهلت أيضاً، ووجدت أن المسلمين من المفروض أن يكونوا أكثر من كل الذين على وجه الأرض اهتماماً بالمستقبل ودراسته واستشرافه والتخطيط إليه، حينها كتبت في افتتاحية مجلة التوحيد التي كنت أرأس تحريرها عن إطار عام للدراسات المستقبلية الإسلامية، وربما كان ذلك خلال عام 1991، واستمر الاهتمام بالموضوع حتى عام 1999 حين أسست بمعونة بعض الأخوة المركز الإسلامي للدراسات المستقبلية.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

الى الاعلى