قراءة 116 مرات

تصورات حول "منهج المستقبلية الإسلامية"

14 / حزيران / 2000 الإعلامي المصري .. معروف عبد المجيد



استضافت إذاعة طهران (القسم العربي) الأستاذ علي المؤمن مدير مركز دراسات المستقبل الإسلامي في برنامجها الأسبوعي «تيارات فكرية»، وحاورته حول منهج «المستقبلية الإسلامية»الذي يتبنى المركز الدعوة إليه والمساهمة في تأسيسه، والسعي إلى إشاعة الوعي بقضاياه. ويتولى الحوار ـ الذي تواصل على عدة حلقات ـ تسليط الضوء على جانب من التحديات التي تواجه المشروع في النطاق النظري والمنهجي والتطبيقي. وفيما يلي نص الحلقة الثانية من الحوار.

■ونحن نتحدث حول النظرية الإسلامية المستقبلية أو «المستقبلية الإسلامية»كما تطرحونها، نجد أن ثمة إشكالية نظرية فيما يرتبط بكيفية توظيف مصادر التنظير الإسلامي ودلالاتها، على أساس من تنوع غايات التنظير، حيث أن هناك تبايناً بين مستويات التنظير الفقهي والعقائدي ذي الطابع الفلسفي، وكذلك في المعرفة الفلسفية والاجتماعية وسواها. السؤال هنا حول مدى صحة توظيف مناهج أصول الفقه وسواه من الحقول القانونية والاعتبارية في مجالات تتوخى غايات ذات طابع حقيقي كما هو الشأن ـ مثلاً ـ في الدراسات المستقبلية؟

●هذه الإثارة ترتبط بمجمل العلوم، على اعتبار أن حقل المستقبليات حقل شامل واسع وتتنوع مداخله العلمية ومناهجه البحثية، لذا فإن الدراسات المستقبلية لا تخص علماً معيناً ولا تخص حقلاً معرفياً معيناً، بل تشتمل على جميع الحقول ذات العلاقة ببناء الحياة، ومن هنا فنحن ننظر مرّة إلى حقل المستقبليات كوحدة واحدة وإطار واحد ونظرية واحدة، فلا بد أن توظف مناهج هذه العلوم على تنوعها مناهجها في إطار منهج مركب، ونستنبط الإطار العام أو المنهج العام أو النظرية العامة لحقل المستقبليات، ومرة أخرى نأخذ حقلاً أو فرعاً معيناً من المستقبليات، سواء كان فرعاً اجتماعياً أو سياسياً أو اقتصادياً، حينها يجب أن نعتمد المنهج الخاص لذلك العلم، على اعتبار أن المستقبليات تتفاعل مع أكثر من علم ويستخدم فيها أكثر من منهج بحثي، بل وجدتُ علماء المستقبليات يشيرون إلى مناهج مركبة في عملية البحث، تلفق بين المنهج التجريبي والمنهج التاريخي والمنهج الفلسفي والمناهج التي تدخل في صياغة العلوم البحتة والتطبيقية، ومن خلال المنهج المركب نستطيع أن نستنبط منهجاً يقدم معالجات مناسبة لقضايا ومسائل هذا الحقل المعرفي المركب.

■لي سؤال حول علم الفقه بالذات في هذا الموضوع، لأنه ينظم شؤون الحياة، نجد أن الفقه الآن لم يتجاوز المسائل المستحدثة كما تسمى، وهذه المسائل مع أنها تناولت ظواهر علمية كالاستنساخ مثلاً أو كيفية الصلاة على بعض الكواكب في الفضاء أو كيفية التعامل مع قضايا الإرث مثلاً في إطار تطبيقات الاستنساخ الجيني، غير أن هذه الأشياء ليست مستقبلية بقدر ما هي حاضرة. فنتساءل هل يصح للفقه أساساً أن يتناول مسائل مستقبلية غيبية ويضع لنا أحكاماً فقهية، يعتمد عليها كتكليف شرعي أم لا؟.

●إذا نظرنا إلى حقيقة الفقه، سنرى أنه يهدف إلى إخضاع الواقع للشريعة، بمعنى استيعاب جميع مجالات الحياة وإخضاعها للشريعة وإخضاعها لأصول الإسلام، هذه وظيفة الفقه، التي تتناول قضايا الحاضر والمستقبل. وتناول الفقه لقضايا المستقبل ليس تجاوزاً للحاضر ولا يعني وضع فرضيات وهمية، بل يعني استعداد الفقه للمستقبل، مثلاً تناول بعض قضايا المستقبل ـ كالتي أشرتم إليها ـ مثل الاستنساخ أو مسائل علم الجينيتيك أو البايولوجيا أو الانفورماتيك والفضاء والطب والاتصالات والتنمية والسكان وغيرها، هذه الحقول وضع متخصصوها مجموعة خطط للمستقبل، وفتحوا باب البحث على مصراعيه، طبعاً في بعضها فتحوا هذه الأبواب دون محددات أخلاقية أو محددات إنسانية، ليس فقط أنهم تجاوزوا السماء وتجاوزوا التعاليم الإلهية، بل تجاوزوا حتى التعاليم الإنسانية الوضعية نفسها، وفي المستقبل مثلاً بعد 20 سنة أو 25 سنة سيقطف الإنسان ثمار هذه الخطط. وبعد 25 سنة ـ مثلاً ـ قد نجد أن الحياة مختلفة تماماً من خلال ما يقوم به علماء الحقول وغيرها. أنا أقول أن الفقه يجب أن يستعد أيضاً لما بعد 25 سنة، أي للمعادلات التي سيفرزها علم الأحياء أو علم الهندسة الوراثية ـ مثلاً ـ والتي يحضِّر لها الآن علماء هذه الحقول وستظهر نتائجها بمرور الزمن، وعلى الفقه أن يجد لها حلولاً أو تكييفات أيضاً. وهذا يستدعي اطلاعاً كاملاً بالنسبة للفقهاء على التطورات اليومية التي تحدث، لكي لا نُصدم في المستقبل، ولكي لا يصيبنا الذهول من مضامين المستقبل وأشكاله. وهنا يقول الباحث المستقبلي آلفين توفلر أن الإنسان الغربي يعيش في خضم التقدم التكنولوجي، إلا أن عجلة التطور السريعة والمتغيرات الهائلة جداً التي يعيشها الإنسان ستعرِّض الإنسان الغربي إلى صدمة في المستقبل. هذا ما يحذر منه الغربيون، فكيف بنا نحن؟!

■هل توجد خلفية آيديولوجية لهذا التطور؟

●أنا أعتقد أن المجتمع الذي لا يلاحق هذه التطورات ولا يلاحق هذه المتغيرات السريعة سيسحق مستقبلاً بعجلات هذا التطور، لأن تلك العجلات ستسحق أي مجتمع، لا يلاحق ما يستجد من عملية التطور التكنولوجي الهائلة جداً، ولا أعني بالتكنولوجيا الصناعة فقط، بل على مستوى العلوم الحديثة، علوم الفضاء، المعلوماتية، الاتصالات والإعلام، المواصلات، الهندسة الوراثية، علم الإحياء، الطب، كل هذه العلوم تخطط للسعي إلى تطور مستقبلي، وإذا لاحظنا تطورات هذه العلوم وما تفرزها من معارف، فإنها ستصدمنا بالمستقبل، وأرجو أن لا يعتبر البعض أني أتكلم بتشاؤم، فإذا لم تستوعب ميادين الفك الإسلامي هذه المتغيرات، بمعنى عدم التحضير لما تفرزه هذه العلوم في المستقبل، فيسبب ذلك صدمة كبرى للأجيال القادمة وستتساءل كثيراً عن حقيقة قابلية الشريعة على استيعاب متطلبات المستقبل؛ لأننا سنواجه فجأة بوجود تحول كبير جداً، مثلاً في علم الجينيتيك سنرى ربما الكثير من المجتمعات في الغرب تتجاوز عملية التناسل المتعارف، بعد إيجاد مكاتب وبنوك لعملية التناسل، فتأتي المرأة لتختار طفلاً لها، تختار لون عيونه أو لون البشرة، والميول النفسية والعلمية، الطول، الوزن، كل هذه الأمور ستتحقق في المستقبل من خلال اختيار الإنسان للطفل الذي يريده، حتى على مستوى الميول، نعم سيكون للشخص تحقيق رغبته في أن يكون طفله ذا ميول فلسفية مثلاً، ذا ميول علمية، ذا ميول طبية، ذا ميول هندسية وكذا اختيار المشاعر كحالة الحب والبغض، وربما يعتبر البعض أن هذا تدخل في مشيئة الله سبحانه وتعالى، ولكن هذا علم، وإن كان علماً يحتمل أن تلابسه تطبيقات غير أخلاقية، لأنه فتح الباب على مصراعيه للبحث دونما ضوابط.

■لماذا تعتبر التعامل مع الواقع العلمي في العلوم التطبيقية أمراً غير أخلاقي؟

●أنا لا أعني ذلك في جميع مستويات استثماره وتوظيفاته، ولا أقول أن علوم الهندسة الوراثية أو البايولوجيا أو حتى غزو الفضاء أو وسائل الاتصال أو المعلوماتية علوم لا أخلاقية، ولكن أعني الحذر من فتح الباب على مصراعيه، وأن يكون هدف العلم ذاتياً (العلم للعلم) ولا يكون علماً غائياً يعنى بتحقيق غاية معينة هدفها إسعاد الإنسان وتحقيق المجتمع الأفضل. وهذا هو مظنة لوقوع ممارسات غير خاضعة للأخلاق، فمثلاً إذا اختارت الأم أو الأب ابنته أو ابنه بالتبني بهذا الشكل الفلاني أو المضمون الفلاني، أنا أعتقد أن هذا ممكن من ناحية الشكل، ولكن أنا أتحدث عن التجاوز العلمي للفطرة، فقد خلق اللَّه سبحانه وتعالى الرجل وخلق المرأة وجعل التناسل والتكاثر وحدد المسار الطبيعي لهما، ولكن أن تكون هناك مختبرات وبنوك وانتقاء بويضة من امرأة أجنبية وحيمن من رجل أجنبي، ويأتي إنسان آخر غير هذا الرجل وغير تلك المرأة ويختار طفلاً معيناً له ميول معينة، ويتدخلون في اختيار جيناته، هذه العملية اللاأخلاقية هي التي تتجاوز تعاليم السماء، وهي التي تتجاوز حتى القيم الأرضية، فهذا الطفل ابن من؟ ابن المرأة صاحبة البيضة، أم ابن الرجل صاحب الحيمن، أو ابن هذا الذي ساهم في عملية بنائه وتكوينه، أم الذي تبناه؟. هنا يأتي دور الفقه ليقول كلمة الفصل. ولا نتصور أن هذه العملية ستكون بمنأى عن مجتمعاتنا الإسلامية، لا يمكن هذا، وإذا لم نرض بمفهوم القرية العالمية الواحدة، فيجب أن نتحدث مستقبلاً عن البيت العالمي الواحد الذي طرحناه في إطار بحث أهمية المستقبلية الإسلامية؛ البيت الواحد الذي تكون الشعوب كلها داخله، ولن تكون بمنأى عن أي تأثير لعملية استيعاب هذه المتغيرات وملاحقة هذه التطورات والاطلاع عليها. حتى عملية الاستنساخ لابد من بحثها بشكل متأنٍ دقيق، لأن الكثير من علماء البايولوجيا يعتبرون الاستنساخ خيار البشرية في المستقبل، وهذا خطر جداً. وأكرر هذه الكلمة: نحن لن نكون بمعزل عن هذا التطور. أتذكر في نهاية السبعينات أنهم كانوا يتحدثون عن أطفال الأنابيب، فكثيرون قالوا أننا سنكون بمعزل عنها، ولكن سرعان ما راحت مجتمعاتنا تستفيد من هذه التقنية الطبية، فاضطر الفقه لأن يتجاوب معها ويبحثها. أنا أدعو لأن نسبق الأحداث ونستبق الزمن لنعالج حاضرنا.. نعالج مستقبلنا، لكي لا نصدم من خلال الاطلاع ومن خلال استيعاب الفقه والفكر الإسلامي لهذه الأمور.

■إذاً، يمكن أن نقول أن الفقه يقف الآن على مفترق طرق، بصفته مسؤولاً عن تنظيم شؤون الحياة، ومعالجة مستجدات الواقع كالظواهر والتقنيات العلمية التي يتواصل استحداثها، كظاهرة الاستنساخ الجيني، مما يوجب على علم الفقه أن يتحلى بالواقعية، إذ قد تؤدي الرؤية غير الواقعية للأشياء إلى إصدار أحكام تحريمية بشأنها ترى هل هناك معايير تحفظ للرؤية الفقهية توازنها، وتوجِد آلية تفاعل معتدل بين الرأي الفقهي وواقع العلوم الطبيعية على مستويات إنجازاتها المختلفة؟

●هذا الموضوع طويل وعميق ومتشعب، أشير إلى بعض المفردات التي لها علاقة بالتحول في الفقه الحاصل حالياً، مثلاً على مستوى الجمهورية الإسلامية تم تشكيل مجموعة لجان فقهية على مستوى الحوزة العلمية في قم أو على مستوى بعض المؤسسات الفكرية والفقهية، تم تأسيس لجان لمتابعة بعض هذه المستجدات، ونعتقد أن هذه خطوة رائدة ومتقدمة أيضاً. وحتى خارج الجمهورية الإسلامية هناك مجهود عام متمثل بمجمع الفقه الإسلامي في جدة التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي. هذا المجمع فيه خبراء من حوالي 49 دولة إسلامية، الهم الأكبر لهذا المجمع هو ملاحقة التطورات وبحث المستجدات في المعارف والعلوم الإنسانية والتطبيقية، فبحثوا في مختلف الموضوعات مثلاً في موضوع المعلوماتية وموضوع الاستنساخ وزرع الأعضاء وغيرها من الأمور ذات العلاقة بالتطور العلمي.

■هناك موضوعات لعلها لم تبحث بعد، مثل موضوع الزواج عن طريق الانترنيت.

●هذه الأمور نوقشت أيضاً بواسطة التلفون، إذ تؤخذ الموافقة من الزوج أو الزوجة ويتم العقد من قبل وكيل الطرفين من خلال التلفون، أيضاً طرحت الخطبة والعقد عبر الانترنيت، والشاهد يتوفر على الانترنيت أيضاً. وليس المهم هنا أن يقال إن هذا حلالاً وهذا حرام، بل المهم عملية استيعاب الفكرة نفسها، لكي لا نصدم الأجيال، ولكي نثبت للأجيال القادمة أن الشريعة قادرة فعلاً على استيعاب الواقع وسرعة متغيراته، وأن الإسلام يستوعب كل متطلبات الحاضر والمستقبل. ولكن يجب أن يكون هذا الأمر عملياً من خلال مبادرات مفكرينا وجهود فقهائنا وعلماء الشريعة، وهذا طبعاً منوط بالاتجاه التأسيسي الكفيل بملء الفراغات الموجودة في الواقع أو التي ستستجد في المستقبل.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

الى الاعلى