قراءة 36 مرات

أسس المستقبلية الإسلامية

05 / أيار / 2000 الإعلامي المصري .. معروف عبد المجيد


استضافت إذاعة طهران (القسم العربي) الأستاذ علي المؤمن مدير مركز دراسات المستقبل الإسلامي في برنامجها الأسبوعي «تيارات فكرية»، وحاورته حول منهج «المستقبلية الإسلامية»الذي يتبنى المركز الدعوة إليه والمساهمة في تأسيسه، والسعي إلى إشاعة الوعي بقضاياه. ويتولى الحوار ـ الذي تواصل على عدة حلقات ـ تسليط الضوء على جانب من التحديات التي تواجه المشروع في النطاق النظري والمنهجي والتطبيقي. وفيما يلي نص الحوار.

■ ثمة أفكار تتردد في نطاق الساحة الثقافية، تحمل طابع التشاؤم حيال المستقبل الإسلامي، مما يشكل عائقاً ربما أمام عملية تكوين وعي بهذا المستقبل تعتمد الأسس العلمية التي تهدف إلى بنائه بتواصل، وينبغي أن تتحرك بروح متفائلة ومتفتحة، سيما وأن الموضع يرتبط بحقل آخذ بالتشكل حديثاً في وسطنا الإسلامي. ما هو رأيكم في هذا المجال؟

●أعتقد أننا خلال العقود الثلاثة الأخيرة، أصبح لدينا لون جديد من الرؤية للمستقبل ولعملية النهوض الإسلامي عموماً. ويبدو أن النظرة التشاؤمية لا تتسم بالموضوعية وتجانب الحقيقة، كما أن التفاؤل المفرط لبس بموضوعي أيضاً. وتبقى الرؤية المتوازنة التي تتحرك في دائرة النظرة العلمية التي تعتمد الأرقام، هي الأقرب للواقع ومعطياته.

إن مرحلتنا اليوم كمسلمين عن ظروف مطلع القرن العشرين. كما تختلف عن المرحلة التي يمر بها الغرب أو منظومة الشمال الآن. فمنظومة الشمال سبق وأن دخلت هذا العصر بقوة خلال القرنين الأخيرين، وبعد الحرب العالمية الأولى راح الغرب يزداد تشبثاً بالعصر ومعطياته، حينها قرر ـ والقرار لم يكن سياسياً فقط، بل عبر جهود وتوجهات مراكز ومؤسسات بحث علمية وحكومية ـ أن يولي اهتماماً للتطلع إلى المستقبل واستشرافه والتخطيط له، وذلك في إطار توظيف الإنجازات التي حققوها، وتحويلها إلى قوة محركة ودينامية تنطلق بدول منظومة الشمال إلى المستقبل.

في تلك المرحلة كنا نحن منشغلين بمحاولة التخلص من آثار الاستعمار والتخلف والماضي وبعض الموروثات التي تمثل معوقات للنهضة، في محاولة متعثرة وبطيئة لدخول العصر.

أما الآن وبعد مرور أكثر من ثمانية عقود على تلك المحاولات، أعتقد أننا أصبحنا نعيش العصر، بمعنى أننا امتلكنا الوعي بالحاضر ومعطياته، وهو ما يشابه المرحلة الغربية بداية القرن، وعلينا الآن أن نتقدم خطوة أخرى لنعي المستقبل ونستدعيه، وهذا ما تقرره الرؤية المتوازنة لمرحلتنا.

لقد تجاوز الغرب مرحلة الوعي بالمستقبل ومرحلة التعريف بالدراسات المستقبلية والدعوة إليها، تجاوزها إلى إقرار هذا الحقل في المواد الدراسية في الجامعات، وتحويلها إلى مراكز أبحاث تستخدم في عملية التحكم بالمستقبل، أي أن منظومة الشمال تعيش الآن المستقبل. في حين أن المسلمين يعيشون الآن العصر بشكل أو بآخر. ولذا يلزمنا أن نتقدم خطوة أخرى إلى الأمام، من خلال وعي خطورة الدراسات المستقبلية وأهميتها وحقيقة أنها تشكل رهان الأمة المصيري.

■رغم ما حققه الغرب من تقدم في هذه الدائرة، إلاّ أن رؤيته للمستقبل ظلت محكومة إلى حد كبير بالطابع المادي، بحيث ظهر ذلك في خطابه أيضاً، لكن الأمر يختلف فيما يرتبط بالرؤية والخطاب الإسلاميين، لأنه يعتمد تصورات عقائدية وفكرية، يجب الجانب الروحي فيها موقعاً مهماً، ترى كيف يمكن أن نوظف ذلك لتحقيق الدور المناسب إزاء تحديات المستقبل؟

●الرؤية الغربية للمستقبل تستبطن خصائص البيئة الغربية التي أفرزت هذه المناهج والنظريات، تلك البيئة المنفصلة ـ في معظم قواعدها وأهدافهاـ عن السماء والغيب، إذ تسعى هذه الرؤية في إطار مرجعية مفتوحة إلى بناء المستقبل المادي الدنيوي الذي لا يرتبط بأهداف أخروية. أما الرؤية الإسلامية، أو «المستقبلية الإسلامية»كما نحاول أن نعبّر عن هذا المنهج، فهي تختلف جذرياً عن الرؤية الغربية، على مستوى المصادر والأطر والمداخل المعرفية والأهداف، فنحن من خلال «المستقبلية الإسلامية»نطرح مجموعة قواعد أساسية تشكل النظرة الإسلامية للمستقبل وتوظف معطيات الفكر والخطاب الإسلامي لتتجاوز اللحاظ الأحادي الناقص للمنهج الغربي.

■ ما هي أبرز الأسس التي تلحظونها في هذا السياق؟

●الأساس الأول هو أن رؤيتنا للمستقبل ـ كإسلاميين ـ تتحرك في إطار النظرة الكونية التوحيدية، التي تقرر أن الله سبحانه هو المبدء وهو المنتهى )يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه(، وهو ما يفرض أن يتم بناء المستقبل في إطار ما يريده الله سبحانه من استخلاف للإنسان واعمار للأرض، وعلى ضوء ضوابط ومحددات موقع الإنسان كخليفة لله تعالى في هذه الأرض، أي أن العملية الإسلامية في البناء النهضوي المستقبلي هي عملية كدح لتحقيق أهداف الرب الرحيم ولقائه.

الأساس الثاني يرتبط بمصادر التنظير والمرجعيات العلمية للمستقبلية الإسلامية، وهو ما يمثل جانباً مهماً من الاختلاف مع الرؤية الغربية، إذ نعتمد نحن على مصادرنا المقدسة: القرآن الكريم والسنة الشريفة. فضلاً عن الاستفادة من تراثنا الإسلامي المعرفي في هذا المجال.

فالقرآن الكريم طرح رؤية واضحة جداً للمستقبل، من خلال الحديث عن السنن الإلهية التاريخية )قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين(، ومن خلال حث المسلمين على الاستعداد للمستقبل والاهتمام به والنظر للغد )يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغدٍ(، والاستعداد )واعدوا لهم ما استطعتم من قوة(هذا الاستعداد هو نفسه استعداد للمستقبل، إضافة إلى الحديث عن الوعود الإلهية التي لا بد أن تحدث في المستقبل )وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفهم في الأرض(.. )ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض...(وغيرها، كلها آيات حول المستقبل، وهي تشكل مصدراً أساسياً لتشكيل نظرية إسلامية. إضافة إلى السنة الشريفة، فلدينا الكثير من القواعد التي تستند إليها نظرية «المستقبلية الإسلامية»، فسيرة النبي صلوات الله وسلامه عليه وآله، تؤكد أنه كان يخطط باستمرار للمستقبل ويُعد البرامج للمستقبل ويستشرفه ويستشير أصحابه، من خلال الكثير من الأحداث التي مرت، ليس من منطلق النظرة الغيبية للمستقبل وحسب، بل عبر النظرة الواقعية له أيضاً، وبكلمة أدق: النظرة الواقعية المؤطرة بالغيب. مثلاً عندما كان المسلمون يحفرون الخندق حول المدينة كانت الشرارة تنطلق بعد ارتطام الفأس بالصخر فيكبر الرسول(ص) ويكبر بعده المسلمون، ويقول لهم لقد رأيت ملك فارس والروم واليمن وقد خضع للمسلمين، هذا في وقت كان الرسول مهدداً هو وأصحابه والمدينة مهددة أمام زحف المشركين. وكذلك خلال هجرته إلى المدينة حين وعد سراقة بأساور كسرى مقابل أن يتركه ليواصل هجرته، مما يدل على الرؤية المستقبلية العميقة التي كان الرسول(ص) يطرحها للمسلمين كي يستثمروها في اكتشاف غدهم وبنائه.

■السائد حول النظرة النبوية للمستقبل أنها نظرية غيبية، يعني منبثقة عن العلم الإلهي للرسول(ص)، فكيف لنا أن نفكك بين الاثنتين.. بين النظرة الغيبية والنظرة الاستشرافية القائمة على الواقع المباشر؟

●طبعاً نظرة الرسول(ص) للمستقبل لا تخرج في خطوطها العامة عن دائرة الغيب، فهو هنا )لا ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى(، ولكن في تفاصيل الواقع فإنه كان كان يرسم للمسلمين نهجاً وخطاً يتبعوه أيضاً في رؤيتهم للتبصر بالمستقبل والإمساك به، هذا ما نفهمه من ظواهر الأمور. فخلال الغزوات والحروب ـ مثلاً ـ وغيرها من الأحداث كان الرسول(ص) يستشرف المستقبل ويستعد له ويخطط لتفاصيله، بالأسلوب والطريقة التي تكون واضحة ومفهومة عند المسلمين أيضاً، هذه القواعد التي وضعها الرسول(ص) لكي يستفيد منها المسلمون في عصره، وهي قواعد أيضاً توجه نظرتنا إلى المستقبل ونظرة كل المسلمين في كل زمان. بلا شك أن الرسول في رؤيته يستبطن كل ماله علاقة بالغيب ومعرفته وأخبار الباري سبحانه وتعالى له، ولكن على مستوى معارفنا وما يمكن أن ندركه من تعامل الرسول مع هذه الأحداث، فإننا ننظر إلى ذلك من زاوية كونها أموراً استشرف الرسول من خلالها المستقبل بمنهج يعتمد على التخطيط والبرمجة الهادفة. صلح الحديبية ـ مثلاً ـ كان من أروع الأحداث التي تكشف عن تخطيط الرسول(ص) للمستقبل وعمق استشرافه له. كذلك استشهاد الإمام الحسين(ع) وثورته، أنا أعتقد أن الإمام الحسين كان يفكر بالمستقبل أكثر مما يفكر بالحاضر وما تؤول إليه الأمور خلال استشهاده وخلال واقعة كربء، كان(ع) يفكر لمئات من السنين القادمة والبرنامج الإسلامي المستقبلي. فالإمام الحسين من خلال ثورته ومحاولاته الإصلاحية ومحاولاته الثورية ومحاولاته لإسقاط السلطة أو انتزاع الشرعية منها، كان يفكر بمستقبل التعامل مع كل الحكومات الظالمة على مر العصور، أي أن الحسين(ع) استشرف المستقبل الإسلامي ومستقبل حكومة المسلمين، وقام بعمل لبناء مستقبل الأجيال القادمة.

■ تحدثتم عن أساسينمن الأسس التي يعتمد عليها في صياغة النظرية الإسلامية المستقبلية، هما النظرة الكونية التوحيدية ومصادر التنظير، هل هناك أسس أخرى؟.

● نعم، الأساس الثالث هو أهداف وغايات النظرية الإسلامية، فأهداف المناهج الوضعية تتلخص في عملية البناء الدنيوي المنفصل عن العلاقة بالبناء الأخروي، أي أن هذه المناهج تبني الدنيا للدنيا، في حين أن «المستقبلية الإسلامية»تحدد نفسها في جملة الأهداف التي رسمها الباري تعالى لحاضر الإنسان وغده، هذه الأهداف تتمثل في بناء الدنيا للآخرة، ولا نقصد بذلك ترك الدنيا وبناءها، وإنما نقصد بناء الدنيا واعمارها بمعنى تعبيد الطريق للآخرة، سواء كان هذا البناء معنوياً وروحياً أم مادياً، لأن القيام بدور الاستخلاف على أفضل وجه كما أراده سبحانه وتعالى والتمهيد لعصر العدل يتم في إطارين مادي وروحي، وحتى الإطار المادي لا.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

الى الاعلى