قراءة 53 مرات

سبعة أعوام من العطاء

24 / نيسان / 1998 علي المؤمن


حوار مع: السيد علي المؤمن

● سجل وجودكم في المجلة بداية مرحلة جديدة، عندما انتقلت المجلة من مجلة فكرية ـ ثقافية إلى مجلة ثقافية، فلماذا اخترتم المنهج الجديد؟

■ قبل الإجابة عن السؤال أود أن أصحح معلومة وردت في السؤال. في الحقيقة أن المجلة في مرحلة تسلمي مسؤوليتها لم تتحول إلى مجلة ثقافية، بل انها بقيت مجلة فكرية ـ ثقافية، والذي حصل أن المجلة في المرحلة الجديدة كانت حازمة في تحديد هويتها، ومنهجها وخطها على المستويات الفكرية والمهنية.

أما السؤال ـ أود هنا أن أكون صريحاً ـ فقد كانت مسؤوليات أستاذنا الكبير العلامة الشيخ التسخيري كثيرة وضخمة، ففي الفترة الأخيرة من رئاسته تحرير التوحيد، ورغم اهتمامه الاستثنائي بالمجلة، إلا أن مسؤولياته الأخرى كانت تأخذ أكثر وقته، ومن هنا كان يبحث عن كادر متخصص متفرغ، بعد أن كادت المجلة تفقد هويتها وموقعها. وبعد تفضله بإلقاء المسؤولية على عاتقي، اتخذنا عدة خطوات أساسية، مثلت بداية مرحلة جديدة، عدَّها معظم المراقبين تأسيساً ثانياً للتوحيد، فقد نقلنا مكاتب المجلة من طهران إلى قم، واخترنا كادراً جديداً، وأعددنا خطة العمل في المجلة، ومن ذلك سير عملية التحرير، والموضوعات الجديدة، والتبويب الجديد، فضلاً عن الانفتاح الواسع على النخب الفكرية والثقافية داخل إيران وخارجها، وأصبحت شبكة كتَّاب المجلة فريدة من نوعها، وكذلك الانطلاقة الإعلامية والدعائية الكبيرة، ومد شبكة الاشتراكات والتوزيع، وتأكيد على الجانب الفني في المجلة، حتى باتت المجلة بشهادة أولئك المراقبين، بعد نحو سنتين من بدء المرحلة الجديدة، قريبة من المقاييس والمواصفات المهنية والفكرية المتعارفة في الدوريات العالمية المعروفة.

واختيار هذا المنهج لم يكن عفوياً أبداً ولا مزاجياً، وإن كان للمزاج والذوق مدخلية بسيطة في هذا الجانب، بل كان قبولاً للتحدي المفروض على ساحتنا الفكرية الإعلامية، فهذا التغيير تحدد في ضوء المعطيات الجديدة لهذه الساحة وفي ضوء الأهداف الأصلية للمجلة، وفي ضوء الفراغ الأساسي الذي تعاني منه ساحتنا لهذا النوع من المجلات. لقد كانت ساحتنا تضم مجموعة من الدوريات الفكرية التخصصية وكذلك الصحف والمجلات السياسية أو الاجتماعية، وكان التحدي يتمثل في إصدار مجلة ثقافية فكرية جامعة، منوعة ومصورة، وفقاً للمقاييس المهنية المتعارفة دولياً، وهذا التحدي كان قبوله يتسبب في معاناة كبيرة لأصحاب القرار، ولا سيما على المستويات المالية والمهنية والإدارية، في حين أن إصدار مجلة فكرية تخصصية هي عملية أسهل بكثير، ومن هنا كانت مؤسساتنا ولا زالت تتجه إلى إصدار مثل هذه المجلات والاكتفاء بها، لأنها غير مكلفة من كل النواحي.

إذن.. كانت هناك حاجة ماسة، فكان الانتقال للمرحلة الجديدة نتيجة لدراسة متواصلة اشترك معنا في إثرائها عدد كبير من الزملاء المهنيين المتخصصين، ولا سيما الزملاء من داخل أسرة المجلة، وكان هناك إجماع على ضرورة التغيير وضرورة النهوض الاستثنائي في المجلة. بالطبع كان هذا التحول يلقي كل الدعم والتشجيع من سماحة الشيخ التسخيري من منطلق مسؤوليته في منظمة الإعلام وإشرافه على التوحيد، وكان التنفيذ يتم في ضوء إرشاداته وتوجيهه.

● كيف تفاعل القرَّاء مع التحول الذي طرأ على المجلة، وهل لديكم ما يؤكد ذلك؟

■ لقد اشترك معنا القراء منذ البداية في أحداث هذه الطفرة، فقد كثفنا من عملية الاتصال بالقراء، من خلال الاتصال المباشر والتخاطب واستطلاعات الرأي وعقد الندوات التداولية. ولحسن الحظ فإن الذي سهَّل علينا عملية التواصل مع القراء والاستفادة الحقيقية من مقترحاتهم وآرائهم، هو أن معظم قرائنا هم من أصحاب الاختصاص والاهتمام والنخب الفكرية والثقافية، ومن هنا كان التفاعل متبادلاً ويسير في سياقه الطبيعي.

● وهل لديكم ما يؤكد ذلك؟

■ بالتأكيد لدينا، فهناك إحصاءات سنوية كنا نعملها ابتداءً من عام 1993م حول المراسلات المتبادلة بين المجلة وقرائها، الإحصاءات كانت مفاجئة حتى لنا، كان كم الرسائل الذي يصلنا هائلاً، وكان كم الرسائل الذي نبعثه، سواء إجابة على الرسائل المرسلة إلينا أو مبادرة من المجلة لمعرفة اتجاهات القراء، كان هائلاً أيضاً، لقد كان هناك تواصل مع قراء من (80) دولة في أنحاء العالم. وفي أرشيف مراسلات المجلة الآن رسائل من عدد كبير من المفكرين والمثقفين والكتَّاب والأساتذة الجامعيين المسلمين الناطقين بالعربية، من المقيمين في البلدان العربية أو خارجها، فضلاً عن الرسائل المرسلة من كبار مسؤولي الدولة الإسلامية ومفكريها. وقد أقمنا خلال عامي 1993 و1994 معرضين شاملين خاصين بالتوحيد، عرضنا فيها كلمات ومقتطفات من آراء تلك النخبة في مجلتهم التوحيد، وكانت هذه الآراء مدهشة لكل من زار المعرض. كما أن تشرفي الثاني بلقاء سماحة الإمام القائد الخامنئي كان بصفتي رئيساً لتحرير التوحيد، فوجدت سماحته مطلعاً على الموقع الذي تحظى به التوحيد ويحتفظ بأعدادها. وقد دونت هذه الخاطرة الرائعة في الصفحة الأخيرة من العدد 70 من المجلة.

● في مرحلة لاحقة استتم «مؤسسة التوحيد للنشر الثقافي» كيف تكونت لديكم هذه الفكرة وهل هناك ضرورة دعت إليها؟

تأسيس المؤسسة تم في مرحلة متأخرة، سبقتها تطورات كثيرة حدثت في المجلة، منها توسُّع نشاطات المجلة وإصداراتها، فقد أصدرنا عدداً من الملاحق، وأصدرنا سلسلة كتاب التوحيد الفصلي، ونشرنا كتباً أخرى، وأقمنا عدداً من الندوات الفكرية. وبعدها جاء التفكير بتأسيس المؤسسة. فكانت المؤسسة تتويجاً طبيعياً لهذه الإنجازات، لأن النشاط حينها لم يكن بإمكان الهيكل الإداري للمجلة استيعابه، أي إن التوحيد كانت مؤسسة في الواقع قبل إيجاد المؤسسة بالصورة الإدارية المعلنة، وبالتأكيد فنجاح أي مشروع مع التشجيع الذي يلقاه هما عاملان أساسيان لكي يبقى طموح المشروع مستمراً في التوهج، حتى تحول الطموح والضرورة إلى واقع. فحين تسلَّمت العمل في المجلة كنَّا ثلاثة فقط وغرفة واحدة وإصدارة واحدة، وانتهينا إلى مؤسسة بكادر متوسط العدد ومكاتب وعدة إصدارات.

● على ذكر الإصدارات، كان إصدار سلسلة كتاب التوحيد (الفصلي) نقلة نوعية في المؤسسة، ما هو تقييمكم لهذه التجربة؟

■ كانت تجربة غنية، وانطلاقة نوعية حقاً، ففي البدء وضعنا دراسة بالمشروع، ثم بدأ التنفيذ بعد تأييد ودعم سماحة الشيخ التسخيري بصفته مشرفاً عاماً على التوحيد ومعاوناً لرئيس منظمة الإعلام الإسلامي، وكان تحرير الكتاب ابتداءً متداخلاً مع تحرير المجلة، ثم استحثنا قسماً مستقلاً عن تحرير المجلة حمل اسم (قسم الكتاب والدراسات)، وانتظم حينها صدور الكتاب بصورة فصلية منذ العدد الثاني، واستمر لستة أعداد. وكان تجاوب الوسط الثقافي والفكري لا يقل عن تجاوبه مع المجلة. وحظيت السلسلة بلجنة استشارية علمية من خيرة الأساتذة والمفكرين من أكثر من بلد إسلامي.

● ولكن السلسلة توقفت، فهل الظروف المالية دخيلة في ذلك؟ أم هناك أشياء أخرى أخفيت علينا؟

■ نعم توقفت السلسلة بعد صدور العدد السادس الذي حمل تاريخ تشرين الثاني 1997م، ولا أعتقد أن الأسباب مالية، وإن كان لهذا السبب تأثير بسيط. بصراحة الأسباب كثيرة، من أبرزها أن بعض الإخوة لم يدعموا المشروع، فقد كانوا يرون أنه غير واضح المعالم، بالنظر لعدم اطلاعهم على مثل هذا النوع من الإصدارات. أما السبب المباشر فهو التغييرات الإدارية الواسعة التي طرأت بعد عملية دمج مؤسسات الإعلام الخارجي في الجمهورية الإسلامية، مما أدى إلى تقليص إصدارات المؤسسة ثم قصرها على مجلة التوحيد، ثم إلغاء المؤسسة، وأخيراً تحويل المجلة إلى فصلية تخصصية.

●عدا كتاب التوحيد، ما هي إصدارات مؤسسة التوحيد الأخرى؟

■ عموماً إصدارات المؤسسة كانت تتمثل في مجلة التوحيد التي كانت تصدر كل شهرين وكنَّا نخطط لإصدارها شهرياً، وكتاب التوحيد الفصلي، ومجموعة ملاحق إعلامية، منها ديوان مقتطفات من شعر الثورة الحسينية، وكتاب الجمهورية الإسلامية خمسة عشر عاماً من العطاء، وكراس مرجعية الإمام الخامنئي، وكتاب المنهج في دراسة الدولة الإسلامية، وتقويم سنوي ومجموعة بوسترات وصور وبطاقات. وأصدرنا كتباً مستقلة، أهمها كشاف مجلة التوحيد لعشر سنوات، وموقف الجمهورية الإسلامية من أزمة الكويت، كما أصدرنا ثلاثة عشر مجلداً يضم أعداد التوحيد لثلاثة عشر سنة (حتى عام 1995م) وتم التعاون مع بعض أقسام منظمة الإعلام الإسلامي ثم رابطة الثقافة في إصدار أو إعداد بعض الكتب التي سبق أن نشرت في المجلة كدراسات مسلسلة. وفضلاً عن الاشتراك في بعض الندوات والمؤتمرات والمعارض، فقد أقامت التوحيد مجموعة ندوات فكرية خاصة بها، أبرزها حرية الفكر في الإسلام (1992م) مسيرة التوحيد (1993م)، الاجتهاد في الشريعة الإسلامية (1994م)، البوسنة والهرسك.. الخلفيات التاريخية والصراع الحضاري (1995م)، الأديب الإسلامي بين الالتزام والانفتاح (1996م)، وقد شاركت في هذه الندوات أعداد من المفكرين والمثقفين والمتخصصين. بالطبع كان التخطيط لنشاطات التوحيد أكبر بكثير مما كنَّا ننجح في تحويله إلى واقع.

● ومن الانجازات ننتقل إلى المشكلات، فكل عمل ثقافي يواجه بصعوبات ومشكلات جمة، غير أن هناك عقبات كأداء، فهل مازال عالقاً في ذاكرتكم شيء من منغصات العمل الثقافي؟

■ بالتأكيد كانت هناك مشكلات وصعوبات وعقبات، لكي أعتبرها طبيعية، وهي تواجه كل من يمارس عملاً فكرياً وثقافياً إعلامياً، وبالأخص ذلك الذي يريد لمشروعه أن يحظى بالمستوى الفكري والمواصفات المهنية المتعارفة، ويوقف نفسه لهذا الهدف. وقديماً قالوا: الصحافة مهنة المتاعب، ومن خلال التجربة أعتقد أن إدارة الإعلام الثقافي والفكري هي إدارة صعبة للغاية. وإذا كانت إدارة المشروعات الثقافية تعد عملاً صعباً، فإن إدارة مشروعات النشر الثقافي والإعلام الفكري والثقافي هي أصعب بكثير. ولكني ولله الحمد لا أتذكر الآن سوى الأشياء الجميلة، وهكذا في كل المواقع التي تنقلت فيها قبل التوحيد وبعدها. وأعتقد أن مرحلة عملي الوظيفي في التوحيد التي استمرت نحو سبع سنوات كانت أخصب مراحل عملي، وفي الوقت نفسه أصعب مراحل حياتي، فقد كانت التحديات تتسبب في ضغوطات نفسية كبيرة، ولم يكن هناك مفر من هذه التحديات، فقد كان لابد من مواجهتها بزخم أكبر، رغم أنها كانت أقوى منا بكثير، وهذا هو سبب المعاناة. فقد كانت التحديات تنقسم إلى محاور ثلاثة، الأول هو تحدي المحافظة على النجاح، الثاني تحدي الاستمرار في التطور كماً وكيفاً، والثالث تحدي الإبقاء على المشروع الذي كانت تتهدده الظروف المالية والتحولات الإدارية واختلاف الأذواق. وهي تحديات أعتقد أن التوحيد انحنت لها فيما بعد.

ولا أود هنا أن أتذكر المشكلات، بل دعني أتذكر كل ما تطيب له النفس وفي المقدمة أسرة التوحيد، فقد كان الزملاء يعملون كاسرة واحدة متعاضدة يكمل بعضهم بعضاً. فقبل كل شيء كان نجاح التوحيد تتويجاً مستمراً لجهد جماعي بذلته هذه الثلة الطيبة من الزملاء، إذ أعطوا كل ما لديهم لإنجاح المشروع، ولا يمكن نسيان ذلك التفاني والإخلاص، رغم أن بعض الأحداث التي كانت نتاجاً طبيعياً للتحولات الإدارية بعد عملية دمج مؤسسات الإعلام الخارجي، كدَّرت الأجواء بنسبة معينة. وصدور العدد (100) من التوحيد هو فرصة لتكريم أسرة التوحيد بأجمعها، ومن أبناء هذه الأسرة من مازال في التوحيد ومنهم من انتقل إلى مواقع أخرى، وأخص بالذكر الزملاء الكلام عبد الحسين الكتبي مدير مكتب طهران، وعبد الله خليفة مدير الإدارة، وصادق الكعبي مدير التحرير ثم مدير قسم الكتاب، والشيخ عبد الكريم آل نجف سكرتير التحرير، وعبد الأمير المؤمن، ود. عبد الجبار شرارة والشيخ عبد الجبار الرفاعي ود. محمد علي الحسيني أعضاء هيئة التحرير، وماجد الغرباوي مدير قسم الكتاب ثم مدير التحرير (رئيس التحرير حالياً) وعبد المجيد فرج الله وحيي الدين الجابري المحررين الأدبيين، ومحمد علي النجفي وعلاء الرضائي في قسم الترجمة، والسيد علي علي خان وعبد الله المندلاوي في قسم التصحيح، وعلي البغدادي وعلي الجناجي وكاظم مشكور في القسم الإداري، ومحمد حسين البهبهاني وحسن عبد الأمير في قسم الاستطلاعات، ومحمد جواد الطريحي مدير قسم الكتاب، وعلي بروري ومحمد سعيد الأميني وحازم وسعد المالكي وحسين الغريباوي في القسم الفني وغيرهم ممن لا أستحضر أسماءهم. وهي فرصة أيضاً لتكريم مؤسسي المجلة كسماحة الشيخ محمد سعيد النعماني، وكذلك الكادر الذي سبقنا في العمل كالأستاذ محمد صادق الخليلي، إضافة إلى الزملاء الكتَّاب المتعاونين وهم كثيرون، فضلاً عن مراسلي التوحيد في أكثر من بلد ومعظمهم كان متطوعاً. بالطبع على رأس كل هؤلاء أستاذنا الكبير العلامة الشيخ محمد علي التسخيري مؤسس التوحيد وراعيها. ولا يمكن أن ننسى الدعم الكبير والتشجيع الذي تلقته التوحيد من سماحة العلامة السيد أبو الحسن نواب خلال مرحلة مسؤوليته معاوناً لرئيس منظمة الإعلام الإسلامي.

● هل من كلمة أخيرة؟

■ لا أكتمكم.. التوحيد ما زالت تعيش في داخلي، رغم انتقالي إلى مواقع أخرى، وأتمنى لها الكثير، ولكن الأمنية الأكبر هي أن تعود مجلة التوحيد فكرية ثقافية جامعة وتعود لطابعها المنهجي والمهني والفني، وتعود مؤسسة التوحيد إلى الوجود بكل إصداراتها، فقد كانت التوحيد كمجلة فكرية ثقافية جامعة رقماً متفرداً في ساحة الإعلام والنشر الثقافي والفكري الإسلامي، ولكنها حين تحولت إلى مجلة دراسات تخصصية باتت رقماً إلى جانب الأرقام الكثيرة الأخرى، ولو تميزت بقوتها. وبهذا التحول برز الفراغ ثانية، وهو الفراغ الذي ملأت حيزاً مهماً منه التوحيد سنين طويلة، وأتمنى أن يملأ هذا الفراغ بالتوحيد أو بإصدارة أخرى إن شاء الله تعالى.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

الى الاعلى