قراءة 57 مرات

حوار حول سنوات الجمر

30 / تشرين1 / 2013 ابو تقى



1-   بسم الله الرحمن الرحيم. استوحيت عنوان الكتاب من الحديث الشريف الذي مضمونه "يأتي زمان على الناس، القابض على دينه كالقابض على جمرة من نار"، ورغم ان المسلمين وخاصة اتباع مدرسة أهل البيت (ع) عاشوا حالة (القبض على الجمر) في معظم مراحل تاريخهم، إلاّ ان هناك فوارق نسبية بين مرحلة وأخرى. وصحيح ان المراحل التاريخية لحياة المسلمين في كل مكان هي وحدة واحدة لا تتجزء، سواء على المستوى التاريخي أو الجغرافي. ولكني أعتقد ان المرحلة التي تحدثت عنها في الكتاب، عن واقع المسلمين في العراق، هي من المراحل المتميزة في جانب المحنة، أو من مراحل "الجمر" الحساسة. أما كلمة "سنوات"، فلأن الكتاب يتحدث عن مقطع زمني محدد يبدأ بعام 1957 وينتهي بعام 1986. وسبب اختياري لهذا المقطع يعود لعدة أسباب، تحدثت عن قسم منها في مقدمة الكتاب.

2-   طبعاً يعفى الحركات الإسلامية، أو الجماعات الإسلامية بتعبير أدق، تحاول أن تطلق على نفسها تعبير الحركة الإسلامية، وربما يسود العرف العام بنفس الاتجاه، مثلاً جماعة الاخوان المسلمين في مصر أو حركة النهضة في تونس أو حزب الرفاه في تركيا أو حزب الله في لبنان، هذه الحركات يُطلق عليها- عامة- تعبير الحركة الإسلامية. في مصر- مثلاً- أو الحركة الإسلامية في تونس. وهكذا. ولهذا الأمر- بالطبع- أسباب وعوامل موضوعية- أحياناً-، مثلاً حجم التنظيم وقاعدته الجماهيرية العريضة وكونه أكبر التنظيمات الإسلامية من هاتين الناحيتين، إضافة الى كون هذا التنظيم يتمتع بعمق تاريخي أكبر من غيره أو انه التنظيم الرائد. كما ان قيادة التنظيم وكونها قيادة للجماهير ايضاً تلعب دوراً في إطلاق هذه التسمية. وهذا الاطلاق مجازي، ولكنه غير صحيح من الناحية الواقعية.

3-   بالنسبة للحركة الإسلامية في العراق، الحالة شبيهة ايضاً. ولكن في الكتاب باعتباره دراسة موضوعية ذات منهج رغم انه علمي، لم ؟؟؟ هذا الاتجاه. وقد أوضحت في مقدمة الكتاب ما أقصده بالحركة الإسلامية، حيث قلت انها "مجموع الفعاليات التي تشكّل المستويات القيادية والطليعية والجماهيرية في إطار العمل على تطبيق شريعة الله، بما فيها المرجعية الدينية والتنظيمات والمؤسسات الإسلامية". ومن هنا فلا أقصد بالحركة الإسلامية تنظيماً  إسلامياً بذاته، بل كل فصائل التحرك الإسلامي، أو الإطار العام كما تفضلتم في سؤالكم.

4-   بالتأكيد، واجهتني عدة عقبات، أبرزها قلة المصادر، ليس على مستوى الكتب فقط، بل وحتى مصادر المعلومات الشخصية، فالكتب التي كتبت عن الحركة الإسلامية في العراق، وخاصة عن هذا المقطع الزمني، هي أقل من عدد الأصابع، وهذا العدد أيضاً تناول جوانب موضوعية من مسيرة الحركة الإسلامية، وليس المسيرة بكل جوانبها وأبعادها. أما المعلومات الشخصية، فهناك أشخاص كانوا كرماء معي الى درجة كبيرة، بينما شحّ آخرون حتى بمعلومة واحدة، حيث يعتبرون أن هذه المعلومات ملكاً شخصياً لهم وليس ملكاً للأمة أو للتاريخ. كما ني كنت أتلقّى – أحياناً- معلومات متناقضة، سواء شخصية أو مذكورة في المصادر، وهذا التناقص جعلني أعاني كثيراً حتى الوصول الى الحقيقة. فمثلاً بعض المعلومات تطلّبت وقتاً كثيراً أسفاراً متعددة. وقد بذلت كل ما في وسعي لأن أكون موضوعياً وأميناً في نقل الوقائع من مصادرها الأصلية، وأن أبني تحليلاتي لتلك الأحداث والوقائع على أسس رصينة، أسيّرها ان تكون تفاصيل الحدث حقيقة وصحيحة، فضلاً عن أصل الحدث. وهذا بالطبع مُتعب جداً ومرهق، حيث كلّفني ما يقرب من خمس سنوات من البحث والتقصي والحوار وإعادة الكتابة، فالأمانة العلمية والتحليل الموضوعي كانت نتيجتهما كتابة مسودات لا أبالغ إذا قلت بأن عددها يربوا على ثلاثة آلاف صفحة. هذه طبعاً اولى المشاكل. المشكلة الاخرى هي أني لم أكن أعلم مصير الكتاب كيف سيطبع؟ من سيطبعه وأين؟ وما هو مصير هذا الجهد الكبير. وهذه مشكلة يعاني منها جميع كتّابنا ولست وحدي فقط. المشكلة الاخرى التي كانت ترهقني نفسياً هو انني كيف أتعامل مع حقائق التحرك الإسلامي في العراق وأنشرها وأحللها في أجواء غير طبيعية وغير موضوعية، فربما ان ذكر بعض الحقائق لا يرضى عنه طرف معيّن، وحقيقة اخرى لا يرضى عنها طرف آخر، وربما يكون التحليل متقاطعاً مع وجهات نظر البعض، فكنت – أحياناً- أقف طويلاً متأملاً هذا الواقع وكيف اني سأتحرك بقلمي في ظل هذا الواقع الحساس جداً، سيما واني عاهدت الله تعالى ونفسي أن أكون في الوسط وأن أتعامل مع الموضوع لا مع الذوات. وكنت أتوقع أن لا يكون الكتاب أو بعضه مُرضياً لأحد، وعلّني كنت مصيباً في توقعي، خاصة بعد نشر الكتاب.

5-   الهدف والغاية الأساس – بالطبع- وجه الله تعالى ورضوانه وثوابه، ثم أداء جزء من حق الإسلام.

أما الأهداف ؟؟ المرحلية، هدفت من وراء كتابة هذه الدراسة وقراءة مسيرة الحركة الإسلامية خلال هذا المقطع الزمني، وبهذا المنهج الذي اطلعتم عليه، إلا امور كثيرة، أبرزها كشف حقيقة الحركة الإسلامية العراقية وواقعها الى العالم، فهذه الحركة لا زالت تعاني من الحرب الاعلامية التي تسعى للتعتيم على مسيرة هذه الحركة وإنجازاتها وتضحياتها وحجمها وقاعدتها، من جانب، ومن جانب آخر تسعى الى تشويه صورة الحركة الإسلامية وكيل التهم لها، كالارهاب والطائفية والعزلة... الخ. فحاولت أن يكون الكتاب محاولة جادة للتصدي لجزء من هذه الحرب الاعلامية والثقافية، لكي تأخذ الحركة الإسلامية العراقية ورموزها موقعها في الاعلام والصحافة ومراكز البحث العالمية والإسلامية والعربية، سيما وان حجمها وتضحياتها وطبيعة مسيرتها، كلّها أمور تجعلها في طليعة الحركات في العالم الإسلامي. الهدف الآخر هو التركيز على هوية العراق الإسلامية وان البديل الإسلامي هو القريب الوحيد الوحيد في واقع العراقي وتاريخه وجغرافيته. وهذه الهوية جرت مساعي ولا زالت تجري للتعميم عليها وطمسها ومحاولة حرفها. كما حاولت ان أؤكد حقيقة ان التحرك الشعبي العام ضد النظام الحاكم في العراق والأنظمة التي سبقته هي تحركات إسلامية لا غير. أما التحركات التي حصلت تحت عناوين أخرى فهي تحركات خاصة ومنعزلة وغير جماهيرية، وهو ما نستطيع إثباته بآلاف الأرقام. فالعراق هو عراق الإسلام وعراق المقدسات الإسلامية وعراق أهل البيت (ع)، ومستقبله هو مستقبل الإسلام، فلا فصل بين الاثنين، وأبناء العراق-الاّ ما ندر- هم مسلمون وإسلاميون، والإسلام كمنهج شامل للحياة، وكشريعة للعبادة والحكم هو عنوانهم وهويتهم وماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم، وكل من يخالف هذه الحقيقة الناصعة كالشمس في عز ظهر تموزي، فهو يتجاوز أبسط قواعد التفكير المنطقي، والانصاف، والموضوعية، بل ويسير باتجاه معاكس للضمير.

ولكن يبقى أن أقول ان بعضالضرورات المرحلية التي يستوعبها الشرع المقدس، سواء كانت ضرورات إعلامية أو سياسية... الخ، تستدعي أحياناً بعض المواقف الاستثنائية، وهو ما يحصل حالياً. ولكن بما اني وأمثالي ممن نطلق على أنفسنا لفظ كتاب، حقيقة نقف خارج حدود مواقع اتخاذ القرار، فيجدر أن نتحدث بما نؤمن، بكل صراحة ووضوح، ودون تكتيك معين، وهو ما يدفعني لقول ما قلته قبل قليل.

ومن الأهداف المهمة الاخرى التي أعتزّ بها، هو أني أردت التأكيد على وحدة الحركة الإسلامية العراقية ووحدة الساحة وميدانها، ووحدة الرمز والرموز فيها، الوحدة بجميع جوانبها، طبعاً باستثناء التفصيلات وجزئيات الامور. فأنا أعتقد، ليس من باب الخطاب الاعلامي او الشعار، بل من باب الواقع المحض، بأن الحركة الإسلامية، رغم تعدد فصائلها الأصلية، لم تكن ولن تكون يوماً مجزّءة، بل هي وحدة واحدة بجميع اتجاهاتها، رغم اختلاف هذه الاتجاهات في التفاصيل أحياناً.

وأخيراً فان أحد الاهداف ايضاً، واعتبره هدفاً مقدساً كبقية أهداف الكتاب الأساسية الاخرى، هو الكشف عن حقيقة مهمة، يصورها العالم تصويراً مشوهاً الى حد كبير. وتتمثل هذه الحقيقة في وحدة الدم والهدف والمصير والرمز بين الواقعين الإسلاميين في إيران والعراق. ففي فترات زمنية كان الواقع الإسلامي-الإيراني امتداداً للواقع الإسلامي العراقي، وأحياناً اخرى العكس، مما يجعلهما مترابطين، دون وجود امكانية للفصل، رغم كل المحاولات التي جرت ولا زالت تجري للفصل، وقد ذكرت في الفصل الرابع من الكتاب بعض القواسم المشتركة لهذه الوحدة. ولعلّ رقماً واحداً يكفي للدلالة على هذه الحقيقة بوضوح، فمئات الإسلاميين في العراق أعدموا لانهم رفضوا-لاحظوا مجرد الرفض- شتم الإمام الخميني الراحل (رضوان الله تعالى عليه) أو البراءة منه ومن الثورة الإسلامية في إيران. كما ان مئات الإسلاميين العراقيين استشهدوا على أرض الإسلام في إيران دفاعاً عنها ضد أبناء ؟؟، وربما يكونوا اخوانهم في النسب وأبناء عمومتهم، ولكنهم وضعوا الإسلام ومصلحة الدولة الإسلامية في إيران وانها دولتهم وقاعدتهم ومصدر عزهم وفخرهم وبأن عباءة الولي الفقيه القائد الأعلى للأمة تضمهم جميعاً، الى جانب اخوانهم من الفرس والاتراك والاكراد وغيرهم، وضعوا هذه الاعتبارات الحقيقية فوق كل شيء. وفي المقابل بذلت الدولة الإسلامية في إيران كل ما في وسعها لخلاص أبناء المقدسات في العراق الذبيح، بذلت المليارات من أموالها والآلاف من أرواح ابنائها البررة، قدمت كل هذه التضحيات لتلبية نداء العقيدة وصرخات الاستغاثة التي يطلقها الأبناء في العراق، فكانت كربلاء العراقية-الإيرانية-العالمية ولا زالت هي الرمز، رمز تضحية الإيرانيين في سبيل الله تعالى ومن أجل ابنائهم العراقيين، ورمز تضحية العراقيين في سبيل الله ومن أجل ابنائهم الإيرانيين ايضاً. وقد أثبت في الكتاب وبلغة الأرقام هذه الحقيقة وهناك مئات الارقام الاخرى التي ربما لا تسمح للمصلحة الإسلامية العليا بنشرها.

6-   نعم... الى حد ما، لقد وفقني الله تعالى- أولاً- لطبع الكتاب، على نفقتي الخاصة طبعاً وبصعوبة. وكنت أهدف من وراء ذلك عدم الالتزام بأية قيود تجارية أو شروط على النشر. وثانياً أحمد الله تعالى على توفيقه بكتابه ما كنت أود كتابته عن الحركة الإسلامية، دون أية تأثيرات.

7-   بصراحة أقول لكم بأن اهتمام الصحف الإسلامية العراقية بالكتاب لم يكن بالمستوى المطلوب ولا أتوقع ان يكون كذلك، وذلك لعدة أسباب، أهمها ان الاهتمام به شاملاً. ورغم ان موضوع الكتاب يهم جميع الاتجاهات الإسلامية العراقية بشكل كبير، بل هو المشروع يطرحها إعلامياً وبهذه الصيغة وللمرة الاولى في تاريخها، الى الحد الذي يفترض ان يكون الاهتمام به استثنائياً، ولكن – وكما تعرفون- فإن الساحة الإسلامية العراقية تعاني من بعض المشاكل التي تحول دون دعم مثل هذه المشاريع المستقلة، وهنا ما كنت أتوقعه جيداً قبل طباعة الكتاب ولم يكن من أهدافي إرضاء الجميع ولا إسخاط الجميع، أو إرضاء البعض وإسخاط البعض الآخر، فذلك لا يهمني، بل ما كان يهمني قول الحقيقة لقد كتبت بعض الصحف عن الكتاب، ولكن على طريقتها الخاصة، وكان أملي ان يدرك المعنيون ان الكتاب كتابهم جميعاً وانه مشروعهم. وعموماً فأنا أستغرب من الإعلام الإسلامي- العراقي وغير العراقي موقفه من الكتاب!

8-   كما تعرفون فإن من يحترف الكتابة، لا يخلو برنامجه من مشاريع كتابية. وبفضل الله تعالى فقد تمكنت خلال السنتين الماضيتين من تنفيذ بعض المشاريع، فلدي حالياً تحت الطبع ثلاث كتب، الأول: بعنوان "نظام ؟؟ الحكومية في الإسلام" وهو تعريب، والثاني: "المسألة الطائفية في الإسلام" وهو صياغة جديدة لدراسة قديمة منشودة، والثالث: "النظام العالمي الجديد... التحولات والتشكيل" وهناك كتاب رابع مطبوع وسيخرج للأسواق قريباً، اشتركت في إعداده وكتابته مع مجموعة من الزملاء، وهو بعنوان: "موقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية من أزمة الكويت". وأعتقد ان الكتاب الأخير يحظى بجانب كبير من الاهمية وفضلاً عن هذه الكتب فلدي بعض المخطوطات، التي آمل ان يوفقني الله تعالى لتقديمها للطباعة مستقبلاً كتاب عن الجمهورية الإسلامية وآخر فكري.

أما الجزء الثاني من كتاب "مسيرة الحركة الإسلامية في العراق" فهو يبحث الفترة الزمنية من 1987-1992. وربما سيكون عنوانه "سنوات الرماد" وسأشرح سبب هذه التسمية في مقدمة الكتاب. والكتاب في منهجه شبيه بجزئه الاول، إلاّ انه سيحتوي على تقييم شامل لمسيرة الحركة الإسلامية. هو حالياً عبارة عن مادة خام وسأقوم بصياغته فور استكمال بعض مستلزماته. ويسرني ان أتقدم بدعوة لجميع أصحاب الاهتمام والاختصاص للتفضل ؟؟ بآرائهم ومقترحاتهم وتوجيهاتهم، بهدف الخروج بعمل يقترب من التكامل، خدمةً لدين الله تعالى، ونصرة لأبنائه البررة.


أضف تعليق


كود امني
تحديث

الى الاعلى