قراءة 32 مرات

المستقبلية الإسلامية

02 / آب / 2000 الإعلامي المصري .. معروف عبد المجيد



استضافت إذاعة طهران (القسم العربي) الأستاذ علي المؤمن مدير المركز الإسلامي للدراسات المستقبلية في برنامجها الأسبوعي «تيارات فكرية»وحاورته حول «المستقبلية الإسلامية»الذي يتبنى المركز الدعوة إليه والمساهمة في تأسيسه، والسعي إلى إشاعة الوعي بقضاياه. ويتولى الحوار ـ الذي تواصل على عدة حلقات ـ تسليط الضوء على جانب من التحديات التي تواجه المشروع في النطاق النظري والمنهجي والتطبيقي. وفيما يلي نص الحلقة الرابعة من الحوار:

■منذ أن جاء الإسلام، ومنذ اللحظات الأولى لبث تعاليمه، أعلن أنه دين عالمي، ونجد أن الصورة الأولى من القرآن الكريم تؤكد هذه النقطة وأن الإسلام هو أولاً دين خاتم، وثانياً دين لا يقتصر على قبيلة أو عشيرة أو منطقة معينة، بل هو للناس كافة. ومن هنا أخذ الإسلام على عاتقه مسؤولية الاهتمام بالمستقبل، وبالتالي كان لابد من وضع نظريات، وطرح آليات تبني المستقبل، وتؤسس لحضارة قادمة عالمية.

في هذا اللقاء، نود أن نتعرف، أولاً، على طبيعة دراسة المستقبل الإسلامي، وموقعها من الدراسات المستقبلية، كاتجاه عالمي؟

●الإسلام دين عالمي، دين لكل البشرية، وهو دين العلم ودين المعرفة العلمية أيضاً.

فقد جاء الإسلام، والبشرية تعيش في حالة من الذهول حيال المستقبل، حالة من الإبهام والخوف من المستقبل. وكانت البشرية قد أسست لنفسها مناهج فيها الكثير من التشاؤم حيال المستقبل، كمناهج التنجيم والتكهن وغيرهما. في حين جاء الإسلام، الدين الخاتم، ليفيض على البشرية بنعمة التكامل في النظرية والعمل، وليمنح الإنسان رؤية صادقة في استشراف المستقبل، ويدفعه نحوها في إطار بناء مستقبل مشرق للبشرية، والكدح لملاقات الرب الرحيم.

فلذا نجد أن النظرية الإسلامية في هذا المجال تختلف كثيراً عن المناهج التي سبقت الإسلام، وحاول الإسلام أن يحول دون استمرار البشرية في ممارسة هذه المناهج.

بل إن النظرية الإسلامية تختلف عن المناهج الوضعية الحديثة أيضاً، فيما يتعلق بوجود مستقبل واضح للإسلام، ووجود وعود إلهية واضحة، ووجود مناهج ومعادلات ذكرها القرآن الكريم وذكرتها السنّة الشريفة، فيما يتعلق بسهولة اكتشاف المستقبل.

والنظرية الإسلامية يمكنها استشراف المستقبل استشرافاً لصيقاً بالواقع أكثر من المناهج الوضعية الحديثة، أو المناهج القديمة.

وكما تعرفون فإن هنالك العديد من التحديات الكبرى التي تواجه البشرية على مستوى الفكر والواقع، وتسارع الأحداث، وتراكم المتغيرات، والطفرات المتلاحقة في مجالات العلم والتكنولوجيا، ورغبة التفوق من المستعمرين، سواء من ذوي الاستعمار السياسي، أو الاستعمار الثقافي أو الاستعمار الفكري أو حتى الاستعمار المنهجي، في مصادرة كل شيء في المستقبل.

إن هذه التحديات بالنسبة للمسلمين ستأخذ بعداً أعظم، وستأخذ شكلاً آخر مختلفاً خلال العقود التي ستتوسط القرن الخامس عشر الهجري، والعقود الأولى من القرن الواحد والعشرين. وقد ذكرنا في خطة عمل المركز بأن ضغوط هذه التحديات الحادة سوف لن تتجاوز المتخلفين والمتفرجين، بل، للأسف، ستسحقهم بعجلاتها الرهيبة، أو تمسخ هويتهم، أو تتركهم، في أفضل الحالات، يعيشون ذهولاً مستمراً مما يحدث. ويعبّر هذا عن حالة مأساوية لازلنا نعيشها، وهي لا تلتقي مع حث الإسلام على الاهتمام بالمستقبل والاستعداد له، بما أعطانا من المعادلات والمناهج التي نستطيع من خلالها ضمان مستقبل علمي زاهر.

■على وفق الواقع، يبدو أن دراسات المستقبل الإسلامي مازالت وليدة، ومازالت متواضعة، إذا قيست وقورنت بخبرات (الآخر) في هذا المجال. رغم أن الإسلام، كما أوضحتم، والقرآن الكريم، وضعا وأسسا لنظرية دراسة المستقبل منذ قرون طويلة.

والآن فالمركز الذي تحملون على كاهلكم عبأ إدارته، يمثل خطوة ريادية في هذا المجال، ويهمنا أن نتعرف على هيكلية هذا المركز، وآلياته وأسلوب عمله، وأهدافه التي أسس من أجلها في مدينة قم بالذات؟

●في واقع الأمر إن تأسيس المركز يأتي محاولة لملأ الفراغ القائم في مجال الدراسات المستقبلية، والإسهام بتأسيس حقل دراسات إسلامي في هذا المجال، إذ إن الخبرة الإسلامية مازالت على مستوى النظرية والتطبيق، متواضعة عموماً، وقد سبق تأسيس هذا المركز محاولات جادة، إذ تأسست بعض المراكز في مصر والجزائر وفي اليمن وفي إيران أيضاً، وفي لبنان هناك بعض المبادرات الفردية لبعض المراكز التي قامت بدور في هذا المجال، ولكن وبشكل عام فإن الخبرة الإسلامية لازالت متواضعة. وتأسيساً على ذلك استشعرنا ضرورة الحديث عن القيام بمشروع متخصص يمارس مهمة البحث في حقل الدراسات المستقبلية بشكل عام، والمستقبلية الإسلامية بشكل خاص. فمشروعنا هذا يستشعر المسؤولية ويدرك أهمية الموقع المصيري الذي تحظى به علوم المستقبليات والدراسات المستقبلية، خاصة في الوقت الحاضر، إذ أن قطاعات واسعة من البشرية أصبحت تفكر بعقلية الألفية الثالثة للميلاد، فيما نرى قطاعات واسعة من المسلمين لازالت تفكر بعقلية الماضي، بل وتعيش الماضي بكل تفاصيله، في حين أن الماضي يجب أن يكون منطلقاً للمستقبل، بل يجب أن يكون المستقبل امتداداً للماضي، ولا يعني هذا الاقتصار على أن نعيش التاريخ ونتحدث عنه، بل ننطلق منه لضمان أفضل مستقبل إسلامي لنا ولعموم البشرية.

■يبدو أن هناك إشكالية في استعمال مصطلح (المستقبلية)، فمصطلح «Futurology»يختلف عن مصطلح «Futurism»في التسمية، فأي التسميتين اخترتم؟

●في الحقيقة إن تسمية «Futurism»تعني «المستقبلية»، أي النزعة المستقبلية، والمراد منها النزوع لدراسة المستقبل ومحاولة اكتشافه، يعني هو نزوع مستقبلي يخضع لمعادلات ومناهج لها علاقة باكتشاف المستقبل، ولكنه ليس علماً. وهذه التسميات ظلت محل نقاش وحوار بين الخبراء المتخصصين في الدراسات المستقبلية. وفي وسطنا الإسلامي هناك مجموعة من الخبراء والمهتمين تداولوا هذا الموضوع وناقشوه. وأعتقد بشكل عام أن مصطلح المستقبلية أو «Islamic Futurism»هو أقرب تسمية لهذا الحقل، لعدة اعتبارات عقائدية وعلمية.

بشكل عام فإن مركزنا هو مشروع تأسيسي، وفكرة إستراتيجية، هدفها بشكل مجمل خلق وعي إسلامي بالمستقبل، ومحاولة استفزاز للواقع، ففي إطار هذا المركز نحاول استفزاز العناصر الفاعلة في مجتمعنا، من باحثين ومفكرين، بغية دفعهم للاهتمام بالمستقبل من خلال مختلف الوسائل التي سنقوم باستخدامها إن شاء الله. وقد انبثق المركز في الأشهر الأخيرة من عام 1999م، أي في حدود جمادى الآخرة من عام 1420هـ، رغم كونه فكرة قديمة تعود إلى عدة سنوات سابقة. وقد كتبنا في عدة مناسبات حول هذا الموضوع، وبالأخص في مجلة التوحيد عندما كنت أترأس تحريرها، كتبت افتتاحيات، ودعوت للاهتمام بهذا الحقل. إن مركزنا، بالرغم من كل التحضيرات التي تمت له، لا يزعم أن مشروعه قادر لوحده على تحقيق الأهداف التي رسمتها ورقة العمل أو النظام الداخلي، أو تحديد جدول زمني لتنفيذها. عموماً فنحن وفي جوابنا لكل الأخوة الذين كانت لديهم أسئلة حول المشروع وخطته، رفعنا شعار أن هذا المركز هو نداء في فضاء المعرفة الإسلامية، وصرخة نطلقها في فضاء الفكر الإسلامي، ويبقى أن تنفيذ أهدافه وورقة عمله، هي مهمة كل الذين بإمكانهم المساهمة في ذلك. فنحن لا نشترط إزاء تنفيذ ورقة العمل أن تكون في إطار المركز.

بل هي لكل المؤسسات والعاملين الذين بإمكانهم أن يقوموا بدور في هذا المجال، من خلال لهم ومن خلال المركز أن نساهم في تأسيس منهجية إسلامية في دراسة المستقبل، والتي أطلقنا عليها «المستقبلية الإسلامية».

■إذن هذا المركز، في الواقع، يحمل على عاتقه مسؤولية كبرى تجاه المستقبل الإسلامي. وانطلاقاً من هذه الخطورة ومن هذه الأهمية، ما هي الأهداف الأساسية التي وضعها المركز نصب عينيه في ورقة العمل؟

●أعيد القول بأن هذا المركز لا يستطيع بمفرده القيام بكل ما طرحه من أفكار، أو تحقيق أهدافه أو تطبيق ورقة العمل نفسها، وأكرر أن المشروع نداء في فضاء المعرفة الإسلامية وصرخة في أجواء الفكر الإسلامي، ومن خلاله ندعو الجميع للتعرف على خطورة حقل الدراسات المستقبلية وأهميتها، وعموماً وضعنا مجموعة من الأهداف لهذا المركز، تتلخص فيما يلي:

أولاً:نشر الوعي بالمستقبل وقضاياه في الوسط الإسلامي، ولاسيما على مستوى الشرائح المثقفة، والسعي لتحويل هذا الوعي إلى رأي عام يجد له صدى في وسائل الإعلام والمؤسسات البحثية والثقافية.

وثانياً: المساهمة في بلورة نظرية إسلامية في دراسة المستقبل، تعتمد المصادر الإسلامية المقدسة والمعارف الإسلامية في مناهجها وبنائها، والتعرف على الخبرة البشرية في هذا المجال بعد دراسة مبادئ النظريات المستقبلية ومناهجها وأنماطها ونماذجها فيما يتعلق بالخبرة الإنسانية كرصيد معرفي. إذ يمكن الاستفادة من العامل المشترك فيه، أي المساحات التي لا تتقاطع مع النظرية الإسلامية.

وثالثاً: العمل على إعداد الطاقات والقابليات في مجال الكتابة والبحث في حقل الدراسات المستقبلية، ودفعها باتجاه الممارسة الدائمة من النشاط البحثي في هذا الحقل.

ورابعاً: المساهمة في استشراف المستقبل الإسلامي على المستوى التطبيقي وفي المجالات ذات الصلة كافة: التنموية ـ الثقافية ـ السياسية ـ الاقتصادية ـ العسكرية ـ الإستراتيجية ـ الاجتماعية. على مختلف المستويات الإقليمية والعالمية، من خلال طرح الرؤى والأفكار والبحوث في المجالات المذكورة.

وخامساً: المساهمة في معالجة القضايا الإشكالية والملحة في الفكر والواقع الإسلامي المعاصر، بغية الانطلاق منها ودفعها نحو بناء فكر إسلامي مستقبلي. وقد عمدنا إلى وضع بعض الوسائل في هذا المجال من أجل تحقيق هذه الأهداف، من جملتها وضع دراسات تعالج قضايا الفكر الإسلامي المعاصر والمستقبلي، وقضايا المستقبل الإسلامي بشكل عام على مستوى النظرية والاستشراف التطبيقي، ونشر هذه الدراسات في المجلات والكتب التي يصدرها المركز، مثل مجلة المستقبلية، ونشرة اتجاهات مستقبلية، وكتاب المستقبل الشهري، إضافة إلى مجموعة من الإصدارات من الكتب المنوعة.

وحث العلماء والمفكرين والباحثين والكتاب، من خلال الاستكتاب، للمساهمة في دراسة قضايا المستقبل الإسلامي وتبنيها بالوسائل التي يقترحها المركز. وكذلك إقامة الندوات والحلقات والدورات التدريبية، وغيرها من الوسائل.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

الى الاعلى