قراءة 53 مرات

الحاجة إلى دراسة المستقبل

09 / كانون2 / 2000 الإعلامي المصري .. معروف عبد المجيد



استضافت إذاعة طهران (القسم العربي) الأستاذ علي المؤمن مدير مركز دراسات المستقبل الإسلامي في برنامجها الأسبوعي «تيارات فكرية»وحاورته حول «المستقبلية الإسلامية»الذي يتبنى المركز الدعوة إليه والمساهمة في تأسيسه، والسعي إلى إشاعة الوعي بقضاياه. ويتولى الحوار ـ الذي تواصل على عدة حلقات ـ تسليط الضوء على جانب من التحديات التي تواجه المشروع في النطاق النظري والمنهجي والتطبيقي. وفيما يلي نص الحلقة الثالثة من الحوار:

■ لا زلنا نتحدث حول الماضيونعيش الحاضر، الذي لم نستوعبه بعد بالشكل الكافي، فما هي الحاجة إذن إلى دراسة المستقبل، وما هي الحاجة، أساساً، إلى أن يكون هناك حقل علمي باسم الدراسات المستقبلية؟

●يبدو أن الحاجة إلى دراسة المستقبل حاجة فطرية للإنسان، فمنذ أن وجد على الأرض، ظل المستقبل بالنسبة إليه هاجساً يرافقه في رحلة الحياة، لما ينطوي عليه من رهان مصيري على البقاء والاستمرار. وظل هذا الرهان يستبطن مشاعر متناقضة من الأمل والطموح والخوف والتشاؤم، ومن أجل مواجهة هذه المشاعر عمد الإنسان إلى محاولة اكتشاف المستقبل بمناهج ابتكرها، بدءاً بالتأمل والتنجيم وانتهاءً بالتنبؤ والعرافة. والأديان السماوية الأولى، كانت ـ عموماً ـ تسعى لصرف أنظار الإنسان عن المناهج الخرافية في معرفة المستقبل، فوضعت له منهجاً يربط المستقبل بالغيب. إذن فالحاجة إلى دراسة المستقبل حادة قديمة بدأت منذ بدء حياة الإنسان على هذا الكوكب، فبدأ الإنسان يحاول استشراف المستقبل من أجل مواجهة ما سيحدث فيه، أو مواجهة الصدمات التي بما ستحدث له في المستقبل، فحاول اكتشاف هذا المستقبل والاستعداد له من أجل أن يؤمن حياته المستقبلية ويضمن بقاءه واستمراره. هذه الحاجة الفطرية استمرت أيضاً، واستمر معها اكتشاف المزيد من المناهج لمعرفة أفضل الطرق للمستقبل.

وللمستقبل علاقة وثيقة بالماضي، وعلاقة وثيقة بالحاضر، فدراسة المستقبل التي هي دراسة لمطلقات الماضي، ودراسة للواقع المعاش (الحاضر)، ليست منفصلة بتاتاً عن دراسة الماضي، حتى أن معظم المناهج الحديثة في الدراسات المستقبلية، أي المناهج العلمية التي لا تدرس المستقبل بشكل مفرغ ومجرد، تقول إن من أجل معرفة أفضل للتاريخ، ومن أجل معرفة أفضل للحاضر لابد من دراسة المستقبل، وعد المستقبل جزءاً من التاريخ، الذي هو تاريخ المستقبل، وعد بعضهم استشراف المستقبل عملية تأريخ للمستقبل أو «تاريخ المستقبل»، فالحاجة إذن حاجة مصيرية، ولها علاقة بمصير الإنسان، وهي رهان للتحكم بالمستقبل والاستعداد له، وتنطلق من فهم أفضل لحقائق التاريخ، والاعتبار بما جرى فيه، ومحاولة اكتشاف فلسفته، من أجل معرفة أسباب أقول وانحطاط المدنيات والحضارات.

■كما أوضحتم الآن، يبدو أن الكثير من العلوم هي في الواقع وليدة الماضي، بل نشأت مع نشأة الخلق، مثلاً علم النقد الأدبي والفني يعود إلى عصور متقدمة جداً من التاريخ، ولكن عندما صار النقد علماً وأصبحت له مناهج، استغرق هذا وقتاً طويلاً. بالنسبة لعلم دراسات المستقبل أو المستقبليات، متى تبلور في الواقع، ومتى أصبحت له دراسات مؤسساتية، ومتى أصبحت له أقسام أكاديمية في الجامعات وفي الأكاديميات المختلفة؟

● حقيقة الأمر أن تسمية هذا الحقل منالدراسات بـ(العلم) ظلت محور جدل ونقاش بين علماء المستقبل وخبراء الدراسات المستقبلية، فهناك من يدعو إلى تسمية هذا الحقل بالعلم (Futurology)، وهناك من يدعو إلى تسميته بالمستقبلية (Futurism)، أو الدراسات المستقبلية، أو دراسات المستقبل (Future studies). عموماً هناك إشكالية حول هذه التسمية، ولكن بشكل عام فإن هذه الدراسات قد تبلورت في مجموعة حقول ومجموعة علوم، وتدرّس في الجامعات، وهناك مؤسسات كبرى متخصصة في هذا المجال، بل إن معظم المؤسسات ـ حتى المؤسسات الاقتصادية ومراكز البحوث ـ أصبحت تهتم اهتماماً كبيراً بهذا الحقل، وتعتبره رهان التحكم بالمستقبل في كل المجالات، بل وتعتبره نقطة و«محوراً»للسيطرة، أو آلية لها في المستقبل في كل المجالات، فالمناهج والأدوات العلمية المستخدمة في عملية الاستشراف الحديثة التي أعقبت المناهج الابتدائية كما نسميها، كالتنبؤ مثلاً والتوقع والتنجيم والتكهن، ظهرت في الواقع بشكلها الحديث بعد عصر النهضة الأوروبية، وإن كان العلماء المسلمين من السلف حاولوا أن يؤسسوا لهذا العلم بشكل أو بآخر، يعني ليس بصيغته المنهجية العلمية الحالية، ولكن يمكن القول: إن تأسيس هذا العلم يعود إلى عصور قديمة، والذي كان له فضل استنباطه هم مجموعة من العلماء المسلمين، كابن خلدون في مقدمته المعروفة، الذي تحدث فيها بشكل علمي عن المستقبل، وساهم في بلورة حقل واسع في هذا المجال، وأصل لمعادلات تختص بدراسة المستقبل، وعلاقة المستقبل بالماضي والحاضر، أي أن آراءه في موضوع أفول الحضارات والمدنيات وصعودهما وعلل ذلك وغيرها من الآراء التي تدخل في إطار فلسفة التاريخ، لها علاقة وثيقة بفلسفة الدراسات المستقبلية.

أما التأسيس الحديث فيمكن القول: أنه جاء في بدايته بعد عصر النهضة الأوروبية، أي في حدود القرن الثامن عشر الميلادي، وابتدأ بمجموعة من الروايات الخيالية، فقد بدأ هذا الحقل في أوروبا بداية أدبية، وروايات الخيال العملي التي بدأت في تلك الفترة كان معظمها يدور خارج إطار المناهج العلمية الحديثة المتعارفة، وتدور حول الخيال والسيناريوهات والتنبؤات.

وبشكل عام فإن المناهج الحديثة والأدوات العلمية المستخدمة في عملية الاستشراف كما ذكرنا تستبعد جميع الوسائل التي تنظر للمستقبل نظرة خرافية، خاصة بعد التحديات التي واجهتها البشرية، من التغيرات المتوالدة والاكتشافات والاختراعات الكبرى في تلك الفترة، ابتداءً من اختراع محركات البخار والديزل ونحو ذلك...، فمجمل العلوم التكنولوجية، والمتغيرات الاجتماعية والعلمية السريعة ظلت تشكل تحدياً كبيراً للبشرية، فبات واجباً على العلماء في تلك الفترة أن يؤسسوا لحقل يستطيعون من خلاله المحافظة على الانجازات القائمة ومحاولة تطويرها، ومحاولة معرفة واقع هذه التحديات في المستقبل، فبرزت مجموعة من الدراسات، ولاسيما خلال القرن التاسع عشر، تؤسس بشكل ابتدائي لهذا الحقل. ولكن يمكن القول: أن التأسيس الحقيقي للدراسات المستقبلية كان في بداية القرن العشرين، وتحديداً في عام 1902م حين صدرت بعض الدراسات في الغرب حول «اليوتوبيا»، في محاولة للحديث عن مجتمع مثالي في المستقبل، ومحاولة رسم الخطوط العامة لهذا المجتمع المثالي، وكيفية الوصول إلى هذا المجتمع، ثم تطورت هذه الدراسات من «اليوتوبيا»إلى محاولة دراسة المستقبل دراسة واقعية، أي ليس مجرد الحديث عن مجتمع مثالي في المستقبل يشبه ما كتب الفلاسفة من قبل، مثل جمهورية أفلاطون أو المدينة الفاضلة للفارابي، وما جاء بعدها من روايات وآراء ذات علاقة ببناء المجتمع الأفضل أو الأمثل، ثم أصبحت الدراسات ذات طابع علمي بعد كارثة الحرب العالمية الأولى والصدمات الهائلة التي واجهتها البشرية ولاسيما في الغرب. فبرز هذا الحقل منذ بدايته بهدف السيطرة والتحكم بالمستقبل. وقد بدأت القوى الاستعمارية في ذلك الوقت، ولاسيما فرنسا وبريطانيا، عملية التأسيس لهذا الحق من الدراسات، من أجل الاستمرار في سيطرتها على مستعمراتها، ومن أجل بناء مستقبل أفضل للواقع.

■إذن هناك خبرة إنسانية متراكمة تقريباً في مجال علم المستقبل أو المستقبليات كما أشرتم، ولا يعرفها إلاّ القليل، فما هي محصلة هذه الخبرات ومعطياتها حتى الآن؟

●الخبرة الإنسانية في هذا الحقل أصبحت واسعة جداً، فالمؤسسات التي لها علاقة بهذا الموضوع انتشرت في كل زاوية من زوايا الحياة، في كل مصنع، وفي كل شركة ومؤسسة ووزارة، ولدى الأحزاب السياسية، والتجمعات الاقتصادية، ومراكز البحوث الاجتماعية والإنسانية، ومراكز بحوث العلوم التطبيقية، وفي الجامعات. وأصبحت هذه المؤسسات بشكل عام تراهن على هذا الحقل من الدراسات. وأشير هنا إلى نموذج واحد، ففي السويد مثلاً تم تشكيل أمانة وزارية عام 1973م، في عضويتها مجموعة من الوزراء ومجموعة كبيرة من الخبراء، سميت «أمانة الدراسات المستقبلية»، أو «أمانة المستقبل»، وهي تابعة لرئاسة الوزراء، ومهمتها القيام بمحاولة استشراف المستقبل والقيام بالدراسات المستقبلية، وهي في الحقيقة ليست وزارة وإنما لجنة وزارية، وقد طرحت ـ آنذاك ـ فكرة تحويل هذه الأمانة إلى وزارة، ولكن ارتأت الحكومة السويدية توسيع المشروع ليضم مجموعة من الوزارات مثل الاقتصاد، والبحث العلمي والتعليم العالي، والتخطيط وأذكر مثالاً آخر أيضاً على اهتمام الغرب الواسع جداً بالدراسات المستقبلية، فقد خصصت شركة «مرسيدس»للسيارات ميزانية سنوية، بلغت عام 2000م قرابة عشرة ملايين مارك لبحوث المستقبل والدراسات المستقبلية، ووظفت عدداً كبيراً جداً من الشباب من أجل محاولة اكتشاف المستقبل، فيما يرتبط بالمجال السياسي والاقتصادي ومختلف مجالات الحياة، وقد قدموا خططاً لما بعد 25 عاماً، من أجل إيجاد موقع أفضل لهذه الشركة في المستقبل. ويعرف الجميع أن مارسيدس هي شركة سيارات وقد دفعها اهتمامها في التحكم بالمستقبل إلى استثمار هذا الحقل بشكل واسع، فكيف ـ إذن ـ بمراكز البحوث الاجتماعية وعلماء الطبيعيات وفلاسفة التاريخ.

حالياً هناك حوالي أكثر من (1000) مؤسسة في الولايات المتحدة الأمريكية تعنى بدراسة المستقبل، وقد عقدت الكثير من المؤتمرات والندوات الدولية في هذا الحقل. ولا توجد مؤسسة أو شركة أو مصنع أو مركز بحوث إلا وكان فيه حيز كبير يهتم بالدراسات المستقبلية. مثلاً هناك جمعية تسمى «جمعية مستقبل العالم»، هذه الجمعية فيها في الوقت الحاضر ما يقرب من (80) ألف عضو بين خبير وعالم وباحث، منتشرين في مختلف دول العالم، وفيها ما يقرب من (80) فرعاً في مختلف أنحاء العالم، فهي جمعية فاعلة جداً، إضافة إلى مئات مراكز الأبحاث الأخرى المتخصصة.

■لا يستبعد أن يكون مشروع العولمة هو من نتاج هذه الأبحاث حول المستقبل إن لم نكن مخطئين في هذا الاستنتاج؟

●دون ما شك فإن العولمة وغيرها من المنظومات الفكرية والتطبيقية الواردة من الغرب، هدفها السيطرة، وبما أن هذا الحقل من الدراسات في الغرب هدفه التحكم والسيطرة بالمستقبل، فإن العولمة هي آلية وأداة من أدوات السيطرة أيضاً، وإذا سنحت الفرصة في المستقبل نستطيع أن نشرح هذه المفردة بشكل أكبر إن شاء الله.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

الى الاعلى