قراءة 53 مرات

وحدة النظام الإسلامي في الفقه الشرعي

30 / تشرين1 / 2003 علي المؤمن


أقام مركز دراسات الوحدة الإسلامية في تجمع العلماء المسلمين فيلبنان ندوة تحت عنوان «وحدة النظام الإسلامي في الفقه الشرعي»؛ حيث قدم الشيخ الدكتور عبد الله حلاق مدير مركز دراسات الوحدة الإسلامية للندوة بقوله: لقد علم الغرب والشرق ومن ورائهم اليهود بأن الإسلام هو روح هذه الأمة ولهذا فقد تعاونواجميعاً من أجل إبعاد الأمة عن إسلامها على صعيد العقيدة والفكر والسياسة والاقتصادوالاجتماع والأخلاق… وانتقلوا بها بحركة (بهلوانية) فكرية وسياسية في بداية القرن الماضي بعيداً عن الإسلام.ولما أن فشلت الطروحات السابقة الفكرية والسياسية فيإيجاد الحلول لمشاكل الأمة الإسلامية، تقدم الإسلاميون الذين (ضُيّق) عليهم فكرياًوسياسياً وثقافياً في المراحل السابقة. تقدموا ليقولوا للأمة بعد هذه التجاربالمرة.، بأن الترياق هو في الإسلام. فإذا أردتم وحدة العقيدة والفكر فهي فيالإسلام، وإذا أردتم النظام الاقتصادي الصحيح فهو في الإسلام، وإذا سعيتم إلى وحدةالهدف فهوفي الإسلام، وإذا سعيتم إلى تحرير الأرض والمقدسات فالجهاد في سبيل اللههو الطريق لذلك، وإذا عملتم من اجل إعادة شخصية وأخلاق الأمة من جديد فإن الإسلامهو الكفيل بذلك، وإلا ستبقى الأمةتعاني من ضياع فكري، وفرقة سياسية، وتخبط اقتصادي،وارتهان سياسي للشرق والغرب، وخضوع لليهود وشروطهم.

ثم قدم الشيخ مالك وهبي بحثهتحت عنوان (ولاية الفقيه مفهوم وأحكام) مبيناً أساس اجتهاد ولاية الفقيه في الفقه الجعفري، قائلاً: أثار انتصار الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الإمام الخميني(قده) تساؤلات جمة حول مبدأ ولاية الفقيه، أحدها: هل أن هذه النظرية من بدائع الإمام الخميني (قده) أم أنها فكرة قديمة في التاريخ الفقهي الجعفري؟ .. ولميكن هذا التساؤل مختصاً بالمفكرين والباحثين في الساحة الثقافية العامة، بل طرحهأيضاً جملة من طلاب العلوم الدينية.. وفي الجواب عن هذا السؤال نجد عدةاتجاهات:

الاتجاه الأول:إن هذه النظرية لم تكن معروفة لدى العلماء الأقدمين،وإنما هي من إنتاج العلامة النراقي الذي فصل فيها في كتابه عوائد الأيام، وفي أحسنالتقادير هي من نتائج المحقق الكركي صاحب جامع المقاصد، وقبل ذلك لا نجد مظاهر تدلعلى القبول بهذه النظرية أو مناقشتها. ثم إن الذين بحثوا في هذه النظرية لاحقا قدانكروها ولم يوافقوا على ما يدعى كونه أدلة عليها.

الاتجاه الثاني:إنها نظريةمطروحة سابقا إلا أن المشهور بين العلماء السابقين واللاحقين إنكارها، إلا ما يتعلقبمجالات محددة مثل الولاية على القصَّر والأيتام والخمس.
الاتجاه الثالث:انهانظرية مطروحة سابقا والمشهور بين العلماء السابقين واللاحقين القبول بها، بل هو محلوفاق بينهم لولا ما ظهر في عصرنا الحالي من تردد لدى بعض المفكرين الشيعة، وإنمااختلفوا في دائرة الصلاحيات الممنوحة للفقيه في هذه الولاية. إلا أن ما اتفقوا فيهيكفي لكي يستند الفقيه إليه كي يدير شؤون الأمة في مجالاتها المختلفة: سياسياًوعسكرياً واقتصادياً وامنياً.

والذي نعتقده إن الاتجاه الثالث هو الاتجاه الصحيحوان كلا الاتجاهين الكافي في معرفة آراء العلماء ولا في معرفة المصطلحات المتداولةفي هذه القضية الدالة على مضمون الولاية. ولقد دلنا البحث المعمق على عدم صحة ماينسب إلى كثير من علمائنا من القول بإنكار الولاية، بمن فيهم الشيخ الأنصاري والسيدالخوئي وآخرون.

ثم يبين فضيلة الشيخ مالك وهبي بأن المرجعية والولاية لم تنفصلاأبدا عبر التاريخ بقوله: إن مراجعة لحياة علمائنا وتاريخ المرجعية تؤكد لنا انه لمتكن المسألة في المرجعية منفصلة تاريخيا عن مسألة الولاية وان المرجع كان يتم اختياره على ضوء شروط لا يقتصر شأنها على ما يتداول الآن من شروط للمرجعية، بل نجدأن من الشروط التي كانت مطروحة عنصر الكفاءة في الشخصية على مستوى قيادة الساحة. وعلى هذا الأساس كان الشيخ المفيد هو زعيم الشيعة ومرجعهم وعلى هذا الأساس أيضاانتقلت الزعامة للسيد المرتضى ومن بعده للشيخ الطوسي، فلم يكن تمام المناط الجانبالفقهي بل كان هو بالاضافة إلى القدرة على التصدي لحاجات الساحة. ولم يكن عبثا أنيكون اللقب الذي يحمله المرجع زعيم الحوزة العلمية، فلو كانت المرجعية في المرتكزلا غير لم يكن هناك أي مبرر لاستعمال مصطلح الزعامة. ومن هنا نجد أيضاً أنهم عندمايبحثون عن قضية العدالة في المرجع يستدلون على ذلك، من جملة أدلتهم، بأن المرجعيةإمامة فإذا كانت العدالة شرطا في إمام الصلاة فبالأولى أن تكون شرطاً في المرجعية،وهذا الدليل لا قيمة له بناء على المعنى المتداول حاليا من المرجعية، إلا إذاربطناها بالولاية.

ويشير أخيراً إلى أن مسألة ولاية الفقيه هي اجتهاد يلتقي فيهفقهاء الأمة من شيعة وسنة بقوله: واشتراط الفقاهة والاجتهاد في الحاكم ليس منمختصات المذهب الإمامي بل هو منقول عن عدد من فقهاء أهل السنة مثل الماوردي فيالأحكام السلطانية والقاضي أپي يعلى الفراء في كتابالأحكام السلطانية والباقلاني في التمهيد وعضد الدين الايجي في المواقف، وأيدهالشريف الجرجاني في شرحه له والنووي في كتاب المنهاج وآخرون غيرهم.

ثم قدم الشيخمصطفى ملص بحثه تحت عنوان (نظام الشورى فقه وأحكام)، مبيناً ضرورة العودة إلى كتابالله عزوجل وسنة رسوله الكريم في كل جانب من جوانب حياة الامة والجانب السياسي علىوجه الخصوص، حيث قال: إن الحديث عن الشورى والحرية والمساواة وغيرها من حقوقالإنسان لا يأتي في سياق البحث بدافع ذاتي، من أجل تأصيل الموقف الإسلامي من هذهالقضايا.. أن الزمن يسابقنا كأمة، ونحن لا نحاول اللحاق به وإنما تبدو الصورة كأننانخضع لعوامل الدفع والجذب أكثر من انطلاقنا من عامل الإرادة الذاتية.
فمنذ صارتفوق الغرب ملحوظاً على العالم الإسلامي، ومنذ أن أصبح انهيار النظام السياسيالقائم على الأسس القديمة الاستبدادية حقيقة لا جدال فيها، ظهر عدد من المفكرينالإسلاميين الذين عملوا من خلال كتاباتهم وأفكارهم المنشورة على توجيه الأضواء إلىالقيم والمبادئ التي اعتقدوا أنها السبب في تفوق العالم الغربي، وكذلك على عواملالقوة التي أكسبت النظام السياسي الغربي – الليبرالي – مميزاته مثل الحرية والعدالةوالمساواة والديمقراطية والمشاركة في السلطة، وغيرها من العناوين والمبادئ، وبيانأن كل تلك القيم والمبادئ موجودة في الإسلام، وأنها لا تتعارض مع تعاليمه وأحكامهوأسسه الإيمانية، بل إن الإسلام قد طرح أكثر هذه القيم والمبادئ ودعا إليها ومارسهاالرسول(ص) ، وأن فترة الخلافة الراشدة تمثل المرحلة الأكثر إشراقاً في ذلك، وحدد أنالأسباب التي أدت إلى ما عليه حال الأمة وحال نظامها السياسي من ضعف او انهيار،سببه الاستبداد وما يترافق معه من فساد وإفساد، إنما هي غريبة عن الإسلام وتعاليمهواخلاقه.

ثم أكد الشيخ ملص على دور الإسلام في نهضة هذهالأمة من جديد بقوله: فإن الإسلام كنص إلهي المصدر يختزن طاقة محركة هائلة، ولكيتفعل هذه الطاقة فعلها، ولكي يظهر أثرها لابد لها من الاتصال بالعنصر الآخر، ألاوهو الإنسان.. وعلى هذا الأساس يعطي صورة جديدة. وفي الحقيقة أن الصورة التي وصلتناعن الإسلام يمتزج فيها الإلهي بالبشري، وقد بلغ هذا الامتزاج حداً لم يعد بإمكانالكثير من الناس أن يميزوا بين ما هو إلهي وما هو بشري.. وبما أن الإلهي مقدس فقدسرت القداسة لتشمل البشري، وبدل أن يعرف الرجال بالحق، صار الحق يعرف بالرجال.. وهكذا أقفلت الأمة على ذاتها في ماضيها، وانتشر القول بالتبديع حتى غدا سيفاًمسلطاً على كل شخص أتى بأمر لم يكن عليه السلف الصالح.

ثم تحدث الشيخ ملص عنالشورى وأهميتها بقوله: إن الشورى هي فطرة إنسانية سليمة واجبة في النظام السياسيالإسلامي، ولم يحدد الإسلام آليةمعينة للشورى وترك للأمة أمر اختيار الآليةالمناسبة. ولابد أن تكون الشورى ملزمة لمن يملك قرار التنفيذ سواء أكان خليفة أوحاكماً أو أميرا، وكذلك لابد من ايجاد الهيئات الشوروية في المجتمع الإسلامي؛ بحيثتكون معبرة عن الأمة بأسرها.. لقد ظل الفردفي الفكر السياسي الإسلامي عنصر الارتكازالأول في السلطة، والجماعة، حتى وإن كانت هي التي أوصلت الفرد إلى سدة الحكم، لاتلبث أن تتحول إلى تابع له بحيث يصبح هو المركز، وهو الرمز، وهو الهدف من أجل ذلكما زلنا حتى اليوم لا نعرف سبيلاً للخروج من دائرته.

وعن معنىالشورى في المصطلح قال: (والشورى كما قال الراغب الأصفهاني هي: استنباط المرء رأيغيره فيما يعرض له من الأمور والمشكلات ، ويكون ذلك في الجهةالتي يتردد فيها بين فعلها وتركها ، ويتبين لنا منخلال التعريف الاصطلاحي.. أن هذا التعريف قد تأسس على مفهوم (الأمر) أي الحكم كماهو متعارف عليه اليوم يعود إلى فرد بيده القرار، وبإمكانه التنفيذ أو عدمالتنفيذ..و أرى أنه لابد من إعادة النظر في هذا الموضوع، حيث يرى الإمام محمد عبده(بأن يكون القرار من حق الأكثرية لأن رأي الواحد ليس مثل رأي الكل)، وهذا يعني أنتكون الشورى ملزمة لولي الأمر، وليس له أن يتلكأ في تنفيذها، فإذا عزمت فتوكل علىالله، يعني بعد الخروج بنتيجة الشورى لايجوز التردد إطلاقاً بالتنفيذ.

وطرحالأستاذ علي المؤمن في بحثه (الولاية والشورى والنظام السياسي الإسلامي)؛ متحدثاً عنمدارس الفقه السياسي الإسلامي في التاريخ الإسلامي قائلا: إن ولادة مدرستين فقهيتينسياسيتين منفصلتين في التاريخ الإسلامي، تمت بعد وفاة الرسول الأعظم(ص) مباشرة، إذأفرزت الأولى فقه الإمام وأفرزت الأخرى فقه الخلافة. ووصل الفصام بينهما ذروته حينتحولت السلطة السياسية للمسلمين إلى ملكا وراثياً.. وغالباً ما كان الفقه السياسيلمدرسة الخلافة يمثل فقه الحكومة والواقع، والفقه السياسي لمدرسة الإمامة فقهالمعارضة والنظرية، ألا إن أتباع مدرسة الإمامة دخلوا في تجارب حكم أيضا منذ أواخرالعصر العباسي، وكانت تستعير معظم مفاهيمها في السلطة وأدواتها في الحكم من الفقهالسلطاني.

ثم يشير الأستاذ المؤمن إلى عوامل التقارب بين الفقه السياسي السنيوالفقه السياسي الشيعي (إن انتهاء عصر الإمامة ظاهرياً بغيبة الإمام المهدي(ع)، فتحالباب تدريجيا وببطء عن لقاء ممكن بين الفقه السياسي الشيعي والفقه السياسي السني،حيث يكون الفقيه في مدرسة أهل البيت ولياً على الفتوى والقضاء والحقوق الشرعيةوالحكم ، وهو الفقيه الذي تعود إليه الأمة وترضيه مرجعاً وقائدا لها، باعتبارهنائباً للمعصوم، وهو مالا يرفضه الفقه السياسي السني.. إن المواصفات التيتشترطها مدرسة أهل البيت(ع) من خلال الفقه السياسيللجمهورية الإسلامية وقانونها الدستوري فيما يرتبط بولي الأمر (رئيس الدولة وقائدالأمة) في عصر الغيبة لا تختلف عن المواصفات التي يشترطها الفقه السياسي لمدرسةالخلافة، وفي مقدمتها: الاجتهاد والعدالة والكفاءة.. إن أسلوب تنصيب ولي الأمروعزله لا يختلف بين المدرستين أيضا، كالبيعة العامة (الانتخاب المباشر من قبلالأمة) أو البيعة الخاصة (الانتخاب من قبل أهل الحل والعقد(.

ثم يبين الأستاذالمؤمن الدور العملي الكبير الذي تقوم به الجمهورية الاسلامية الايرانية في التقريببين المسلمين على مستوى التطبيق السياسي: إن اللقاء بين الفقه السياسي الشيعيوالفقه السياسي السني جسده الفقه السياسي التطبيقي للجمهورية الإسلامية.. لقد دخلالفقه السياسي الإسلامي بعد قيام الدولة الإسلامية الحديثة في إيران مرحلة جديدةميزته عن مراحله السابقة على مستوى المنهج والأفق والتطبيقات ، ولعل من أهم نقاطالتمايز في هذا المجال مساحة اللقاء الواسعة التي أوجدها الفقه السياسي للجمهوريةالإسلامية في البعد النظري وقانونها الدستوري، وفي البعد التطبيقي مع الفقه السياسيلمدرسة الخلافة، وهو لقاء تاريخي مصيري لا ترقى إلى مستوى إنجازه كل الجهودالارشادية والاعلامية والخطابية التي ظلت مئات السنين تدعو المسلمين الى التعاضدوالتكاتف والتعاون وصولاً الى الوحدة لأن انجاز الفقه السياسي للدولة أفرز وحدة علىالأرض يعيش المسلمون تفاصيلها.

وعن أهمية الاستفادة من هذه التجربة في الفقهالسياسي الإسلامي الحديث، بعد دراستها، بعيدا عن الحساسيات والأفكار المسبقة،يقول: والباحثون الذين درسوا أطروحة الإمام الخميني وتجربة التطبيق التي دخلتهاوقفوا على هذه الحقيقة، برغم أن بعض الباحثين السنة كان ينطلق ابتداء من وعي مسبقبأطروحة الإمامالخميني والفقه السياسي الشيعي.. ولكن عندمايتجاوز هذا البعض الموضوعات الكلامية الى الواقع والتجربة في أبعادها التطبيقية،سيدهش بحجم الباب الذي فتحته تجربة الفقه السياسي والقانون الدستوري للجمهوريةالإسلامية للتقريب بين مدارس الفقه السياسي، ولا سيما بين مدرسة الإمامة في عصرغيبة الإمام المهدي(ع) ومدرسة الخلافة.. ويعد هذا الموضوع من أبرز وأهم مساحةللتقريب والوحدة بين مذاهب الأمة الإسلامية وشعوبها في الحاضر والمستقبل، وأخصبأرضية تجمعهم في مواجهة التحديات التي تعصف بالمسلمين على جميع الصعد، ومن هنايستحق هذا الموضوع المزيد من الدراسات والبحوث العلمية المعمقة، التي تساهم فيالكشف عنه لكل المسلمين وصولا إلى تطويره وتنميته.

وبعد انتهاء طروحات الباحثين،فتح باب الحوار بينهم وبين الحضور من العلماء والمفكرين.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

الى الاعلى