قراءة 80 مرات

كيف نواصل مشروع حوار الحضارات ـ2

22 / كانون2 / 2002 ـــ

نظراً لضرورة استمرار مشروع حوار الحضارات لكونه مشروع الإنسانية التواقة إلى حياة كريمة تصون عزة الإنسان وكرامته، ونظراً لحاجتنا الماسة إلى بلورة خطابنا الحضاري على ضوء معرفة الذات ومعرفة ما يحمله الآخر من فهم لنا.نظم مركز الدراسات الثقافية الإيرانية العربية التابع للمستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية الإيرانية بالتعاون مع المركز الدولي لحوار الحضارات في طهران ومركز الدراسات الاستراتيجية في جامعة دمشق مؤتمراً تحت عنوان >كيف نواصل مشروع حوار الحضارات< في دمشق خلال الأيام 19 ـ 2002/1/21

الجلسة الافتتاحية

شارك في جلسة الافتتاح عدد من كبار المسؤولين السوريين وبعض رؤساء المنظمات الشعبية العربية والدولية وحشد من الفعاليات الثقافية وعدد من رجال الدين الإسلامي والمسيحي وسفراء عدد من الدول العربية والأجنبية.

وفي هذه الجلسة ألقى السيد عطا الله مهاجراني كلمة السيد محمد خاتمي رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية الموجهة إلى المؤتمر قال فيها: أغتنم فرصة انعقاد المؤتمر لأتقدم بخالص الشكر لأخي العزيز السيد الرئيس بشار الأسد على ما أولاه للمؤتمرين من رعاية واهتمام وللمفكرين الذين قدموا من أرجاء العالم الإسلامي على مشاركتهم القيّمة، وفي هذه الكلمة وجه الرئيس خاتمي نداء إلى المؤتمر أشار فيه إلى أهمية مشروع حوار الحضارات وضرورة استمراره ودور أمتنا الإسلامية في تفعيله.

كما ألقيت في جلسة الافتتاح بعض الكلمات من قبل المشاركين أعربوا فيها عن تمنياتهم بالنجاح والتوفيق لهذا المؤتمر وتحقيق الأهداف التي عقد من أجلها لخلق حوار حضاري بنّاء بين مختلف الشعوب والثقافات .

محاور المؤتمر

بدأ المؤتمر أعماله يوم الأحد 2002/1/20 بجلسة عمل ترأسها الدكتور علي عقلة عرسان رئيس اتحاد الكتّاب العرب في سورية، الذي أكد في ورقته على ضرورة تحقيق تنمية اقتصادية شاملة ووضع حد لأشكال الاستعمار المتجدد والهيمنة الثقافية من خلال إقامة حوار بين الحضارات والثقافات، حوار مبني على ركيزة حضارية يؤسس لحياة حرة كريمة ولتفاعل خلاق.

بعد ذلك قدّمت الدكتورة نادية محمود مصطفى مديرة مركز الحضارة للدراسات السياسية في القاهرة ورقة عمل تحدثت فيها عن أولى حروب القرن الحادي والعشرين وعن بروز تحديات ذات طابع ثقافي وحضاري إلى جانب التحديات الأخرى >العسكرية ـ الاقتصادية< التي تواجه الأمة العربية والإسلامية، وعن الخطاب الغربي وأبعاده الحضارية والتحالف الدولي لمواجهة الإرهاب وطبيعة اللحظة الراهنة من وقت أحداث 11 أيلول، وتداعياتها على واقع الأمة العربية الإسلامية وردود الفعل العربية والإسلامية في مواجهة هذه التحديات.

كما تقدم الدكتور طلال عتريسي أستاذ علم الاجتماع في الجامعة اللبنانية بورقة عمل بعنوان >حوار الحضارات والعلاقات الدولية< تحدث فيها عن أحداث 11 أيلول التي فرضت نفسها على مستقبل حوار الحضارات ومستقبل العلاقات الدولية في ظل التعبئة النفسية والإعلامية التي قادتها الولايات المتحدة الأمريكية ضد العرب والمسلمين، إن أطروحة الحوار تعرضت إلى تشكيك كبير في أوساط واسعة سياسية وثقافية في العالم الإسلامي، لذلك أكد الدكتور طلال في ورقته على ضرورة توافر عدة شروط لتحقيق حوار الحضارات أهمها:

ـ تحقيق مصلحة مشتركة بين الأطراف المتحاورة.

ـ قبول الآخر والاعتراف به في ظل مناخ دولي ملائم.

ـ دعم الجمعيات المدنية >غير الحكومية< لتعزيز فكرة حوار الحضارات من أجل أهداف إنسانية بعيداً عن السياسة.

في ختام الجلسة الأولى قدم السيد سهيل عروسي عضو اتحاد الكتّاب العرب في سورية ورقة عمل بعنوان >المستجدات على الساحة العالمية وعلاقتها بالمشروع الحضاري< ذكر فيها أن الهدف الرئيسي من حوار الحضارات هو هدف معرفي واستراتيجي يحمل معه الكثير من الآمال والطموحات فهو تأسيس بنيوي لمنظومة أخلاقية شاملة، وإن الصراع هو صراع مصالح وليس صراع حضارات، والدليل على ذلك ما شهدته البشرية خلال تاريخها من حروب، فخلال 5500 عام نشب 15 ألف نزاع معظمه في الغرب، وإذا تحدثنا بلغة الأرقام نجد أن القرنين التاسع عشر والعشرين في الغرب مليئان بالحروب والنزاعات، وقد زاد عدد الضحايا على /50/ مليون إنسان، وفي الولايات المتحدة ذاتها يسيطر العنف على كل شيء فهناك 60 مليون مسدس و120 مليون بندقية و19 ألف قتيل كل عام، كما أبرز الباحث الدور الذي تؤديه الولايات المتحدة في دفع العالم نحو الهاوية في ظل تغييب ثقافة التسامح وثقافة الحوار.

وقد ترأس الدكتور ماجد شدود عضو القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي في سورية جلسة العمل الثانية، وتقدم بورقة عمل بعنوان: "حوار الحضارات وآفاق المستقبل" تحدث فيها عن المتغيرات الواسعة التي شهدها المجتمع الدولي من منتصف ثمانينيات القرن العشرين، حيث شملت مظاهر الحياة القائمة وترافقت مع مفاهيم سياسية واقتصادية واجتماعية، كما بيّن أهمية حوار الحضارات الذي يرتكز على الحقائق التاريخية والتفاعل بين الحضارات والتعدد في الحضارات والثقافات، وأكد على أن مسار التطور التاريخي للمجتمع البشري خلال المراحل السابقة أثبت فشل فكرة قيام دولة واحدة أو حضارة واحدة، وإن تحويل الحضارة والثقافة إلى ساحة صراع يهدف إلى إلغاء الثقافات والحضارات الأخرى.

ـ بعد ذلك قدم الدكتور عمار جيدل من جامعة الجزائر ورقة عمل تحدث فيها عن متطلبات الحوار الحضاري ولخصها بالآتي:

ـ الحفاظ على مجموعة الأفكار الإنسانية في تحقيق الحوار.

ـ الحفاظ على التنوع والاعتراف به كظاهرة إنسانية حتى يصبح الحوار ضرورة.

ـ دفع الناس لبناء حضارة إنسانية متكاملة.

ـ قراءة الآخر وفهمه دون الاستناد إلى المصادر الإعلامية بل قراءته قراءة موضوعية.

ـ تحقيق شروط حرية الحوار عن طريق استخدام قوة الحجة لا حجة القوة كوسيلة حضارية لفض النزاعات .

ومن ثم قدم الدكتور أحمد محمد عبد الله من مصر مداخلته "بين حوار الأديان وحوار الحضارات" وتحدث عن الفرق بين حوار الأديان الذي يشكل عالماً واسعاً ومتنوع الأهداف والمستويات بما يتضمنه من أطراف متحاورة وبين حوار الحضارات وأهدافه المختلفة وأساليبه، كما أشار إلى آفاق ما يجري من حوارات على الأرضية الدينية المتزايدة خاصة بعد أحداث 11 أيلول وتداعياتها.

ومن ثم بيّن الدكتور علي المؤمن من "إيران" في مداخلته أن الدراسات المستقبلية لحوار الحضارات تنبع من أسئلة عدة، وفي أي زمن نعيش وأي زمن سنعيش، وكيف سنعيش، وهذه الكيفية نحن نخطط لها ونصنعها، وصناعة المستقبل لها علاقة بالكثير من المعادلات، ولكن الإنسان هو اللاعب الأساسي في تحديد مستقبله، كما تحدث عن البعد الواقعي لهذا الحوار، ولا يمكن للحوار أن يواصل حركته من دونه، وفهم ضرورة ارتباط الواقع بالحوار الذي يحتم وجود تقييم موضوعي، ينطلق من حتمية الشراكة الإنسانية، ومن وعي لحقيقة هذه الشراكة المتكافئة بين البشر، ومن ضرورة معرفة مَنْ نحن ومَنْ نحاور، وتحديد من يمثل الحضارات وخصوصيتها وهي دعوة لمعرفة هوية الآخر الذي نحاوره.

ـ أما الجلسة الثالثة من أعمال المؤتمر فقد ترأسها الدكتور زكي الميلاد رئيس تحرير مجلة الكلمة في المملكة العربية السعودية، الذي قدم ورقة عمل بعنوان: "من أجل بناء نظرية لحوار الحضارات" استشهد فيها ببعض النظريات حول الحضارات الهادفة إلى تكوين خطاب نقدي للفرد وطريقته في التطور الحضاري ونمط علاقته بالعالم.

وذكر الدكتور الميلاد في ورقته أن قضية حوار الحضارات في هذه المنطقة مازالت تدور في إطار كونها مجرد دعوة عامة، ولم تتحول إلى نظرية نعرف من خلالها ماذا نريد من أنفسنا، لافتاً إلى ضرورة النظر إلى مشكلة التخلف في حياتنا والبحث عن فلسفة فعالة لبناء حضارة هذا العصر، والتركيز على تكوين وبناء الإنسان ليكون صاحب دور ومسؤولية في بناء النهضة والتقدم.

وبعدها بدأ الدكتور طيب تيزيني بحثه بالقول: إن صراع الحضارات برز الآن في إطار الحديث عن القوة المجردة التي تضع الولايات المتحدة الأمريكية بجبروتها العسكري وطغيانها في مواجهة العالم، ويشير إلى أن تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية مليئ بالمحطات التي تؤكد أن ما تعمل له، وتسعى من أجله هو تأمين مصالحها، وقد ازداد هذا الشعور بعد تفكك المنظومة الاشتراكية، ويقف الباحث عند "ريتشارد نيكسون"وكتابه المعنون بـ "أمريكا والفرصة التاريخية"ومن ثم عند بحث(هنتنغتون) حول تآكل المصالح القومية الذي نشره عام 1997م وفي الإطار ذاته يأتي كتاب"بريجنسكي"( رقعة الشطرنج الكبرى)، هذه الكتب والأبحاث تعد مدخلاً لمرحلة جديدة، وهي أن تكون الولايات المتحدة الأمريكية المركز الكوني ليس للولايات المتحدة الأمريكية وأوربا فحسب، وإنما لكل ما هو موجود على الأرض بل ما يمكن أن يكون في المستقبل، وهذه النزعة المركزية ناتجة من طبيعة الولايات المتحدة التي قامت على أساس الإرهاب وإزاحة شعب برمته.

كما أشار الدكتور طيب تيزيني إلى أهمية الإقرار بالآخر وخصوصيته التاريخية والمثاقفة الندية العقلانية بين الشعوب والأمم، وإدانة العنف والإرهاب كوسيلة لحل القضايا العالقة بين الحضارات، وتحدث عن خطاب القوة والهيمنة الذي تزامن مع خطاب صراع الحضارات في أعقاب تفكك المنظومة الاشتراكية وحركة التحرر العالمي، مشيراً إلى أن صراع الحضارات هو تعبير عميق عن واقع الحال الجديد.

ومن ثم قدم الدكتور فارونا نارفيون الملحق الثقافي الإسباني في دمشق ورقة عمل بعنوان: "من أجل إعادة اكتشاف القيم الكونية للإسلام" تحدث فيها عن مسألة فصل الإسلام المعتدل عن الإرهاب، والمفهوم المبتور للإسلام من قبل بعضهم، وأوضح الدكتو نارفيون أن الغرب بدأ يعرف الفرق بين الإسلام وممارسة المسلمين لشعائرهم الدينية من جهة وبين مفهوم العنف الذي ينفذه بعضهم، مشيراً إلى أهمية المشاركة في التقدم العلمي العالمي لتمازج الحضارات، وتحدث الدكتور نارفيون أيضاً عن آيات المحبة والتعاون والإخاء والرحمة التي أوردها القرآن الكريم.

كما تحدث الدكتور هشام جعفر رئيس تحرير الموقع العربي"إسلام أون لاين نت على شبكة الإنترنيت"، في مداخلته تحت عنوان: "من حوار الحضارات إلى التواصل الحضاري"•

بيّن فيها دور الإنترنيت في التواصل الحضاري بين الشعوب والأمم، وماهية الإمكانيات التي تتيحها هذه الآراء لتحقيق التواصل الحضاري، وما هو واقع حوار الحضارات على هذه الشبكة الدولية، وما هي متطلبات تفعيل هذه الأداة من قبل العرب والمسلمين في التعريف بالإسلام ديناً وشريعة؟؟

بعدها اختتم الجلسة الأستاذ محمد صادق الحسيني من إيران الذي أكد في ورقته على ضرورة التأصيل لفكرة الحوار مقابل دحض فكرة الصراع والصدام على أن يكون الحوار حاجة استراتيجية للإسلام مع كل شعوب العالم كي يكسب الآخر لبناء تحالف لمواجهة الإرهاب والمشروع الصهيوني.

الجلسة الرابعة التي ترأسها الدكتور رفعت السيد أحمد من مصر والذي قدم مداخلة بعنوان: "فلسطين قطب الرحى ومركزية فلسطين لأي حوار بين الحضارات".

تحدث فيها عن أهمية القضية الفلسطينية بالنسبة للعرب والمسلمين وما تسببت به أعمال العنف والممارسات اللا إنسانية التي تقوم بها إسرائيل لقمع المواطنين العرب الفلسطينيين وخلق صدام بين الحضارات وثقافات الأمم والشعوب وصراع مستفحل بين الشرق والغرب والأديان السماوية.

ثم أبرز الدكتور رحيم محياوي أستاذ الفكر السياسي في كلية الحقوق في جامعة عنابة الجزائرية في ورقته "المسألة الحضارية وإيجاد العلاقات بين الحضارات" عرض خلالها عدداً من المسائل الجوهرية التي تتعلق بالجانب التاريخي والمرجعية الروحية الدينية في الحوار الحضاري وحوار الآخر.

كما قدم الدكتور محمد المقالح من اليمن ورقة عمل حول الحوار النقدي الداخلي، والحوار مع الجوار الحضاري الآسيوي، أشار فيها إلى أن دعوة المجموعة الإسلامية للحوار بين الحضارات تحمل في أحد جوانبها رسالة تذكير وعبرة لمنظري الغرب، حيث أكد أن علماء ومفكري وفلاسفة وقادة المسلمين ملزمون بالدعوة إلى الحوار بين الحضارات، والعمل على تعميم ثقافة التفاهم والتسامح والاعتراف المتبادل بين الأمم والحضارات.

وتحدّثت الدكتورة باكينام الشرقاوي من جامعة القاهرة عن حوار الحضارات من منظور إيراني وعن طرح الخطاب الرسمي الإيراني، لحوار الحضارات لرسم معالم الرؤية النظرية الإيرانية لهذا المفهوم وأدواته وأساليبه وأهدافه، كما أشارت إلى الأدبيات النظرية التي عالجت إشكالية علاقة الأنا بالآخر، وما لهذا المدخل الثقافي من تأثير في تناول الظواهر السياسية، ومنها العلاقات بين الأطراف الدولية المختلفة، والسياق الإيراني لهذا المفهوم، وبيّنت ما تحقق على مستوى السياسات والمؤسسات لجهة هذا الحوار، ودرجة النجاح الإيراني في تطبيق المستهدف من هذا المفهوم.

وفي ختام الجلسة قدم الدكتور أنطوان ضو أمين عام اللجنة الأسقفية للحوار المسيحي الإسلامي في لبنان ورقة بعنوان: "ثقافة حوار الحضارات" تحدث فيها عن أهمية الحوار في تعزيز العلاقات الإنسانية والأخوية والروحية والثقافية والحضارية بين الشعوب والأديان، كما أشار إلى مقومات ثقافة الحوار وأهمية الفكر المتعدد، فكر اللقاء والانفتاح على الآخر والمشاركة واحترام المبادئ الإنسانية والأخلاقية ومواكبة التطور والتغيير والعصرنة في مواجهة الفكر الأحادي: فكر التهميش والاضطهاد والحقد والضغينة والانتقام والفتنة، ووضع كل هذه الثقافة في خدمة صنع السلام وتحقيق الإخاء والتعاون والوحدة بين البشر.

ـ وقد استأنف المؤتمر أعماله صباح يوم الإثنين 2002/1/21 وترأس جلسته الأولى الدكتور أحمد برقاوي أستاذ في قسم الفلسفة في جامعة دمشق الذي ناقش منطق العلاقة بين الحضارات، وأشار إلى أن الصراع ليس نتيجة الاختلاف ولكن الصراع موجود بين الأمم وهو صراع المصالح ونزوع نحو الهيمنة والسيادة، وعدّ الحوار غير موجود فعلاً بل هناك تأثير حضارة على حضارة أخرى، كتأثر الأمة العربية بالأفكار الغربية، فنحن من القرن التاسع عشر واقعون تحت تأثير الغرب، نحن نترجم عنهم وهم لا يفعلون ذلك، أي إن المبدأ هنا هو أن القوي يفرض منطقه والقوي لا يحاور أو يفاوض الضعيف، أما عن الحوار الحضاري فيرى أنه فعل إرادي يقوم بين طرفين.

كما تساءل الأستاذ إدريس هاني من المغرب في ورقته عن كيفية مواصلة الحوار بعد كل الذي حدث في 11 أيلول/الماضي واتهام العرب والإسلام بالإرهاب، وتحدث عن الأوهام المؤسسة لنظرية صدام الحضارات، ودعا الغرب إلى تطوير رؤيته الإنسانية وتصحيح صورة نفسه بثورة تنقله إلى ما بعد الحداثة أي إلى الحداثة التواصلية، عندها يكون الحوار ممكناً بيننا وبين الغرب، غرب ما بعد الحداثة، وقد ميز بين الحضارة والحداثة، الحداثة بوصفها ثقافة والحضارة بوصفها صنائع وإنتاج، وقال: إنني لا أحاور الغرب في صنائعه ومنتجاته بل أحاوره في علاقته بهذا المنتج وبالكيفية أو الذهنية التي تربطه بهذه الأشياء.

أيضاً تقدم الدكتور عبده عبود من سورية بورقة عمل ذكر فيها علاقة الأدب بحوار الحضارات وكيف يمكن للدراسات الأدبية أن تخدم حوار الحضارات فالأدب مكون أساسي من مكونات أي حضارة أو أمة، ولهذا يمكن أن تشكل دراسة الأدب وخاصةً المقارن عاملاً مساعداً لتحقيق حوار الحضارات، لأن أول ما تحققه دراسة الأدب معرفة مناطق الالتقاء والاختلاف بين الشعوب.

بعدها شرح الدكتور حسن حنفي من "مصر" علاقة الذات العربية الإسلامية بنفسها وعلاقتها بالآخر، وبيّن أن الحضارة لا تقوم على شيء ثابت فلا الحضارة الإسلامية ثابتة ولا الحضارة الغربية ثابتة، لكن الغربيين عدّوا الحضارة الإسلامية جوهراً ثابتاً فكوّنوا صوراً نمطية ثابتة عن الإسلام "كصورة الشريعة الإسلامية ـ الأصولية ـ صورة ربط الإسلام بالقسوة" فذكر الدكتور حنفي أهمية مشروع حوار الحضارات للقضاء على هذه الصور النمطية التي كونها الغربيون.

ثم قدم الدكتور وجيه قانصوه من لبنان مداخلته حول "حوار الحضارات" الذي بيّن فيها أن الحوار بين الحضارات هو موقف وجودي وخيار جماعي، أي أنه ليس حوار الأمنيات، وإن أعمق حوار بين الحضارات هو حوار الأديان أي الحوار الذي تتعرف فيه الذات إلى نفسها دائماً وترى بوجودها وجود للآخر، فحوار الحضارات مقولة كونية تستدعي النظر بمنظور كوني لواقع العالم واستحضار الكون بأسره لا الانزواء داخل ذاتيات متضخمة تحجب التعرف إلى خارطة العالم البشرية وتعيق فهم الذات على حقيقتها، كما يرى الدكتور قانصوه أن الأزمة المعاصرة للعالم هي كون الحداثة الغربية تدفع به إلى الهاوية لا لأنها قامت على العقل والثروة بل لأنها استعبدت امتدادات الجمال والروح داخل الإنسان فسطحته وحولته إلى شيء يستهلك.

ـ أما الدكتور هيثم الكيلاني فقد ذكر في ورقته حقائق الوضع الراهن ومنها: أن الشعوب الإسلامية شتى ذات مصالح وعلاقات مختلفة، وأن ما يجمع هذه الشعوب هو الإسلام، وكذلك استمرار قوة الحضارة الغربية في اعتماد استراتيجية غير صحيحة على أساس عدّ الحضارة الإسلامية عدواً للحضارة الغربية، واستناداً إلى هذه الحقائق تم التحالف الوثيق بين الإمبريالية والصهيونية الذي عزز مقولة صدام الحضارات.

بعدها قدم الدكتور سهيل زكّار ورقته التي تحدث فيها عن ماهية الحضارة وتساءل: هل الحضارة هي الصاروخ أم الدين؟ وطالب بضرورة امتلاك الأمة الإسلامية قوة الإقناع والتكنولوجيا والقوة الاقتصادية لتحاور الآخر، وأشار كذلك إلى إرادة الغرب واستعداده للحوار والتعايش، فهل الغرب مؤهل لحوار الحضارات؟!

الجلسة الختامية

في الجلسة الختامية التي ترأسها الدكتور محمد علي آذار شب المستشار الثقافي الإيراني في دمشق: ناقش فيها فكرة "تواصل حوار الحضارات" مشيراً في ورقته إلى بعض الآراء المتعلقة بقضية صراع الحضارات، ومن ثم بيّن وجهة نظره فيها من بينها: "النظرية الماركسية" فهو يرى أنها ذهبت إلى أن الصراع هو بين الأقوياء والضعفاء، لكنها قررت أن وسائل مصدر الصراع بينهما هو الإنسان الذي يفرز الاستغلال والصراع وما الآلة المتطورة إلا وسيلة تحرك الجدل الداخلي وتناقضه من أجل إفراز صيغة تتناسب مع ما يوجد على الساحة من قوى الإنتاج فتطور الآلة ليس العامل الوحيد في الصراع أو إزالته، بل الإنسان هو الذي يتصرف سلباً أو إيجاباً وفقاً لدواخله، ومن هنا يرى الدكتور آذار شب أنه يجب تصفية التناقضات الاجتماعية على الساحة، وقبل ذلك العمل على تصفية ذلك الجدل في المحتوى الداخلي للإنسان من أجل تجفيف منبع تلك التناقضات الاجتماعية.

أما الدكتور رضا شعباني "أستاذ متخصص في التاريخ المعاصر من إيران" فقد دعا الأمة الإسلامية إلى فهم لغة الغرب بعلومه وتقنياته وفنونه حتى تستطيع محاورته ودعاها إلى التمسك بأسس القانون والدستور في العالم الإسلامي، وفهم أنفسنا وهويتنا لفرض مشروعنا الحضاري، فتراثنا الإسلامي الغني يؤهلنا لكي نقدم الجديد النابع منا بحيث لا نكون مقلدين لعادات وأفكار الغرب.

وفي نهاية الجلسة استعرض الدكتور هادي خانيكي /مساعد وزير التعليم العالي في إيران/في ورقته محاور عدة مفيدة لمواصلة حوار الحضارات، إلى درجة أعلى من الفهم.

2ـ وهي:

1ـ لا بد من اعتراف المحاور بأنه لا يعرف كل الحقيقة، ولذلك يعترف بالآخر ويسعى لاستنطاقه، لكي يحصل منه على الحقائق، ويسعى الجانبان إلى التوصل قدرة فهم ما يقوله الآخر بدقة وتوضيح معنى الحوار.

3ـ الحوار يستدعي تعدد الحضارات وإمكانية الحوار بينها.

4ـ التركيز على مراكز الفكر في المجتمع مثل: الفلاسفة والفنانون كعامل مهم في الحوار الحضاري لإنتاج الفكر الخلاق المبدع الذي يتطلع إلى المستقبل.

5ـ يستلزم حوار الحضارات المساواة من أجل تأمين جو بعيد عن السيطرة والتسلط.

6ـ الحديث مع الذات كمقدمة للحديث مع الآخر.

7ـ احترام حرية التعبير في المجتمع الإسلامي.

مقترحات المؤتمر

بعد مداولات عدة ومناقشات غنية أكد المجتمعون في هذا المؤتمر أن حوار الحضارات ضرورة لأمتنا في هذه اللحظة التاريخية الفاصلة، وهو ضرورة مبنية على أننا أمة حوار، واقترح المجتمعون جملة من آليات العمل لكي تضمن استمراراً حقيقياً لمشروع حوار الحضارات وهي بإيجاز:

1ـ الدعوة إلى إنشاء مركز أبحاث عربي إسلامي متخصص في مشروع حوار الحضارات.

2ـ تفعيل آليات مقاومة المشروع الصهيوني في المنطقة، لكونه عقبة تقف في وجه حوار حضاري حقيقي بين الأمم.

3ـ تقويم اتجاهات الفكر وتحديد ثمارها ومحصلتها من حيث تحديد الاتجاهات المختلفة التي تناولت فكرة " حوار الحضارات" قبولاً أو رفضاً.

4ـ الانتقال من مرحلة الاهتمام بالحديث عن "حوار الحضارات" إلى تصميم الحركة وتنفيذها للدخول في حوار جاد.

5ـ الاهتمام بالتنسيق والتعاون بين الدول والمنظمات التي تدير مشروعات للحوار خاصة بين منظمة المؤتمر الإسلامي والجامعة العربية.

6ـ تأسيس موقع على شبكة المعلومات يتضمن بنك معلومات >الكتب ـ المقالات ـ الوثائق ـ المؤتمرات< التي تخص المشروع وتغذيتها المستمرة.

7ـ الاهتمام بدعم المراكز البحثية المعنية بالموضوع مباشرة أو التي تتطرق إليه من خلال مشروعات والتنسيق فيما بينها.

8ـ إعداد أرشيف بكل ما نشر من كتابات عربية وأجنبية وفارسية عن >الحوار بين الحضارات< وبحث إمكانية إصدار نشرة دورية ترصد ما يتصل بحوار الحضارات من نشاطات ومنشورات في الوطن العربي والإسلامي والعالم بشكل عام.

9ـ تخصيص جائزة سنوية لأفضل بحث يساهم على نحو مميز في إغناء جوانب من مسألة الحوار بين الحضارات.

10ـ ترجمة البحوث الأجنبية الجيدة المتعلقة بحوار الحضارات إلى العربية والفارسية.

11ـ إدانة الإرهاب بكل صوره وعدّ الإرهاب لا دين له ولا هوية.

12ـ رفض المقولات التي تصور العلاقات بين الدول والثقافات على خلفية الصدام بين الحضارات.

13ـ التأكيد على مواصلة مشروع حوار الحضارات لبناء مستقبل أفضل.

14ـ الدفاع عن القيم والمبادئ والأخلاقيات المشتركة بين الأمم والثقافات كالعدالة والحرية والحقوق.

15ـ أخيراً تقدم المشاركون في المؤتمر بالشكر لمركز الدراسات الثقافية الإيرانية العربية في المستشارية الثقافية الإيرانية على جهوده في خدمة حوار الحضارات، كما قدر المشاركون اهتمام الرئيس محمد خاتمي بالمؤتمر وطالبوا بعدّ ندائه الموجه وثيقة من وثائق المؤتمر.

       

أضف تعليق


كود امني
تحديث

الى الاعلى