قراءة 112 مرات

موقع الحوار ومجالاته في النص القرآني

31 / تشرين1 / 2002 علي المؤمن

نموذج حوار اللَّه والخلق



توفر البحوث القرآنية لكاتبها ـ عادة ـ فرصة رائعة لتتحرك تلاوته المعتادة للقرآن الكريم إلى حوار عميق مع كتاب اللَّه تعالى، ذكراً وتأملاً وحديثاً واستنطاقاً وتساؤلاً. وأول ما يستجد للباحث حينها عظمة الحوار مع القرآن الكريم وحلاوته وتأثيره. إذ إن كلام اللَّه تعالى يستجيب لتأملات الباحث وذكره ويجيب على كل تساؤلاته، الأمر يحول الموضوع من بحث في «الحوار في القرآن» إلى «حوار عقلي ووجداني مع القرآن».

يتخذ الحوار موقعاً محورياً في النص القرآني، إذ أكد عليه القرآن الكريم وأولاده أهمية بالغة، وطرح في أشكال ومضامين متنوعة، حتى لا تكاد تخلو سورة من إحدى صور الحوار، التي طرح القرآن من خلالها مقومات الحوار وشروطه وآدابه وتأثيره، وطرح إلى جانبها مئات النماذج التطبيقية التي مارست الحوار في الواقع.

موقع الحوار في النص القرآني

من خلال تربية الإنسان على الحوار، يعمل القرآن على توظيف فطرة الجدل في الإنسان لصالح الأهداف الربانية لوجود الإنسان على الأرض. فالإنسان مجبول على الجدل «وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً» (الكهف: 54) من منطق أفقه الذي ينفتح فطرياً على الكسب المعرفي، والاكتشاف، والتحرك في دائرة الأشياء والعوالم المحيطة به، فضلاً عن الاندفاع باتجاه التكامل والتعاون والتطوير في كل مجالات الحياة، والسعي للتوصل إلى إجابات لتساؤلاته وما يعلق في عقله ووجدانه من قضايا ومشاكل تبحث عن الحل. هذا الأفق، يجعل الإنسان في حوار دائم مع النفس ومع الخلق ومع الخالق. وقد تتراجع أو تسكن أو تتطور حالة الحوار، وفقاً للعوامل التي تدخل في صناعة الظروف. ومن هنا نرى ـ أحياناً ـ أن الصراع السلبي يحل محل الحوار، ليستحيل إلى عدوان وعنف أو استكبار وتجبر. وفي ظل ذلك تصادر الكلمة ويقمع الرأي وتقابل الدعوة إلى الخير بالسخرية والاتهام والغلو وتغلق مساحات التفاهم والاشتراك.

برز القرآن الكريم حادثين تأسيسيين في مسيرة الإنسانية وكان فيهما الحوار سيد الموقف، الأول يمثل بداية مسيرة خلق الإنسان «وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل، في الأرض خليفة» (البقرة: 30)، برغم أن اللَّه تعالى لا يحتاج إلى الحوار مع الملائكة أو استمزاج رأيهم، ولكنه أراد أن يربي الإنسان على حالة الحوار. والثاني بدأت فيه مسيرة الرسالة الخاتمة، إذ يسبق تلاوة السورة الكريمة «اقرأ...» حوار مدهش كان يقول الرسول الأعظم فيه: «ما أنا بقارئ». ولا شك أن السر الذي أودعه اللَّه تعالى في نعمة الحوار التي منّ بها على الكون، هو سرّ بالغ الخطورة. وكشفه اللَّه تعالى لعباده حين بيّن لهم تطبيقات الحوار ومدخليته في حركة الكون، باعتباره من مقوماتها الطبيعية، وهو ما سنقف عليه من خلال عرض بعض أشكال الحوار ومضامينه.

يأخذ الحوار ـ أحياناً ـ شكل المحادثة كما في قوله تعالى: «وتشتكي إلى اللَّه واللَّه يسمع تحاوركما» (المجادلة: 1)، أو معنى الجدال أحياناً أخرى، «قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا»، (هود: 32). وذلك مع الأخذ بنظر الاعتبار أن للجدال في القرآن معنيين، أحدهما إيجابي: «وجادلهم بالتي هي أحسن» (النحل: 125)، والآخر سلبي: «فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج» (البقرة: 197). كما نجد للحوار أيضاً شكل الوحي، بلونيه الإيجابي: «ثم دنا فتدلّلى فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى» (النجم: 10)، والسلبي: «شياطين الأنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً» (الأنعام: 112). وتعطى الشورى مضمون الحوار في قوله تعالى: «فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر» (آل عمران: 159)، بما ينطوي على ذلك من استماع للرأي الآخر، واحترام للاختلاف والاجتهادات. وكذلك هناك الحوار بمعنى الاحتجاج: «وحاجّه قومه قال أتحاجوني في اللَّه وقد هدان» (الأنعام: 80)، وبمعنى الدعوة إلى اللَّه والخير المعروف: «ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى اللَّه وعمل صالحاً وقال إني من المسلمين» (فصلت: 23). والاستفتاء. أيضاً: «قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون» (النمل: 32)، والنجوى: «يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وتناجوا بالبر والتقوى» (المجادلة: 9)، وبمضمون ذكر اللَّه تعالى: «فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون» (البقرة: 152)، وبمضمون التسبيح أيضاً: «ويسبح الرعد بحمده والملائكة» (الرعد: 13). وأحياناً يأخذ الحوار شكل الشفاعة: «يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى» (الأنبياء: 28)، إذ يسأل الأنبياء والأوصياء اللَّه تعالى أن يغفر لبعض المؤمنين ذنوبهم. كما يأخذ الحوار أحياناً أخرى شكل الموعظة أو البشارة والإنذار: «قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا للَّه مثنى وفرادى» (سبأ: 46)، وكذلك بمعنى الشكر: «لئن شكرتم لأزيدنكم» (إبراهيم: 7)، وكذلك الاستغفار: «واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار» (غافر: 55). وكذلك الدعاء هو من أشكال الحوار: «دَعَوا اللَّه مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين» (يونس: 22). والسؤال أيضاً: «ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخّر الشمس والقمر ليقولن اللَّه» (العنكبوت: 61)، والسؤال هنا هو حوار سواء كان بمعنى الطلب أو الاستفسار والاستفهام. وهناك أشكال ومضامين أخرى للحوار وردت في القرآن الكريم كالتفكر والتعقل والمحاسبة وأحياناً القول وغيرها.

مجالات الحوار

قبل أن ندخل في موضوع مجالات الحوار نشير إلى أن من الشروط البديهية للحوار أن يكون فيه طرفان أو أكثر. وأحياناً تكون هذه الأطراف فردية وأخرى جماعية، أو تكون هذه الأطراف فردية وأخرى جماعية، أو تكون حقيقية أي بالأصالة عن نفسها، أو حقوقية أي بالنيابة عن مجتمع أو دولة أو أمة أو ديانة أو مذهب. وهذا الشرط يتوفر في كل مجالات الحوار التي يضمها القرآن الكريم ونتحدث عنها هنا. إضافة إلى شرط تبادل أطراف الحوار الرأي ووجهات النظر والتعبير عن النفس.

وقبل أن نفصّل الحديث عن مجالات الحوار في القرآن الكريم، وهي لا تقتصر على الحوار الإنساني فقط بل تتسع لكل أنواع الحوار، نعطي صورة عامة أو هيكلية عامة لها، وعلى النحو التالي:

المجال الأول: الحوار بين الخلق واللَّه، وهو على ثلاثة أقسام:

1 ـ الحوار بين اللَّه والملائكة وإبليس.

2 ـ الحوار بين اللَّه والطبيعة.

3 ـ الحوار بين اللَّه والإنسان، نبيّاً أو صالحاً كان أم إنساناً عادياً.

المجال الثاني: الحوار بين الإنسان ونفسه.

المجال الثالث: الحوار بين الإنسان والخلق. وهو على ثلاثة أقسام:

1 ـ الحوار بين الإنسان والملائكة والشيطان.

2 ـ الحوار بين الإنسان والطبيعة.

3 ـ الحوار بين الإنسان والإنسان، وهو يشتمل على محاور عدة، أهمها:

أ ـ الحوار في إطار العائلة الواحدة.

ب ـ الحوار بين الأنبياء ومجتمعاتهم. ويدخل في إطاره الحوار مع المشركين والكفار وأهل الكتاب.

ج ـ الحوار بين عامة الناس.

حوار اللَّه والخلق

تبرز هنا ثلاثة مجالات للحوار:

ـ حوار اللَّه والملائكة: «المادة الأولى»التي يطرحها القرآن الكريم في هذا المجال تتمثل في الحوار الذي جرى حين شاء اللَّه تعالى أن يجعل في الأرض خليفة: «وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك قال إني أعلم ما لا تعلمون، وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين، قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا أنك أنت العليم الحكيم، قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنباءهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون» (البقرة: 30) فاللَّه تعالى صاحب القدرة المطلقة في الكون وعالم الغيب، والشهادة، وخالق الملائكة، ولكنه يحاججهم ويبرهن لهم ويتبادل معهم أطراف الحوار، في هذا المشهد الطويل الذي يعرضه القرآن. وهناك نماذج كثيرة للحوار، من بينها الحوار مع إبليس.

ـ حوار اللَّه والطبيعة: ويتمثل في تسبيحها للَّه تعالى ــ ككل الخلق ــ وانصياعها لقوانينه وأوامره وسنته: «وإن من شيء إلا يسبّح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم» (الإسراء: 44)، «تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن» (الإسراء: 44). وهناك أشكال للحوار بين اللَّه ومخلوقاته ـ الحيوانات مثلاً ـ في غاية الدهشة، مثل قوله تعالى: «وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً» (النحل: 68)، وهي تستدعي المزيد من التأمل المعمق في كلمات رب العزة (جلّ وعلى).

ـ حوار اللَّه والإنسان: أولى القرآن الكريم هذا المجال من الحوار الاهتمام الكبر، لأن الإنسان هو محور حركة الحوار على الأرض، وهو المعني المباشر بالخطاب الإلهي في القرآن الكريم. وأعطى القرآن الكريم الحوار بين اللَّه والأنبياء خصوصية تميزه عن حوار اللَّه وعامة الناس، لخصوصية الأنبياء أنفسهم. فهم رسل اللَّه والمبشرين والمنذرين باسمه، وهم كلمته إلى البشرية وحجته عليهم، أي أنه الحلقة الأساسية للحوار بين اللَّه والإنسان «رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على اللَّه حجة بعد الرسل» (النساء: 165). ومن النماذج المهمة لحوار اللَّه والأنبياء، الحوار مع نوح وإبراهيم وموسى وعيسى(ع) ومحمد(ص) وهي نماذج من الصعب استيعاب عبرها ودروسها جميعاً ويضم حوار اللَّه والأنبياء في مضامينه الأمر والطاعة، البلاغ والتنفيذ والشكوى والعتاب وغيرها من المضامين. يقول تعالى مخاطباً إبراهيم(ع): «فلما ذهب عن إبراهيم الروح وجاءته البشرى يجادلنا في قوم طه» (هود: 74)، ويبدو أن الخطاب الإلهي هنا ليس إخبارياً بل إنشائياً. ففيه لون خفي من العتاب. وهو ما نراه أيضاً في بعض حوارات اللَّه تعالى مع موسى(ع) الذي كلّم اللَّه تكليماً، وأشهرها الحوار الذي بدأه بسؤال فيه طبيعة موسى وحده، والتي ربما تتميز في حوارها مع اللَّه عن باقي الأنبياء: «قال رب أرني أنظر إليك قال تراني ولكن انظر إلى الجبل» (الأعراف: 143). ولعل هذا الطلب جاء رد فعل من موسى على حواره مع قومه: «فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا اللَّه جهرة» (النساء: 153). وهذا الطلب التعجيزي يعني رفضاً للحوار أو أنه شرط مسبق للحوار، وهو أمر عرف به بنو إسرائيل منذ تبلور عصبيتهم التاريخية وتكوينهم الاجتماعي، كقولهم: «إن اللَّه عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار» (آل عمران: 183). فوضع الشروط المسبقة يعمي مَثَلَ لموضوعية الحوار، ودخول في مرحلة الصراع السلبي، وصولاً إلى العنف والعدوان، ومارس بنو إسرائيل ذلك طيلة تاريخهم.

وفي الخط العام لحوار اللَّه والإنسان، يبرز الدعاء كأحد مضامين الحوار. والدعاء ليس فيه طرف واحد كما قد يبدو، بل هناك داعٍ ومستجيب، وبين الدعوة والاستجابة يكمن الحوار. يقول تعالى: «وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان» (البقرة: 186). فالعبد يدعو واللَّه يجيب ويكشف السوء: «أمّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء» (النمل: 62). كما أن الإنسان يذكر الله، فينزل اللَّه الطمأنينة على الإنسان، ويسقط الإنسان الطمأنينة على نفسه: «الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر اللَّه ألا بذكر اللَّه تطمئن القلوب» (الرعد: 28). وفي آيات أخرى نرى أن العبد يستغفر واللَّه يتوب عليه: «فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً» (النصر: 3).

علي المؤمن ـ مدير مركز الدراسات المستقبلية

أضف تعليق


كود امني
تحديث

الى الاعلى