قراءة 95 مرات

حزب الدعوة .. التأسيس ومعالم السنوات الاولى

31 / تشرين1 / 2012 علي المؤمن

 مدخل

      حين برز إسم حزب الدعوة الإسلامية بعد عام 2003 كأحد أبرز الأحزاب الإسلامية الشيعية الايديولوجية الحاكمة في العراق؛ كثر الحديث عنه في الأوساط البحثية والصحفية والإعلامية؛ بصورة غير مسبوقة. وأحتفظ في مكتبتي وارشيفي بعشرات الكتب والدوريات والدراسات الأمريكية والبريطانية والفرنسية والعربية التي درست تاريخه ومسيرته وسلوكه، وكان معظمها يعتمد في جانب كبير على ماكتبته عن الحزب في كتبي ودراساتي. ولكن وجود المصادر المتعارضة والمعلومات غير الصحيحة وغير الدقيقة الاخرى؛ جعل معظم ماكتب يثير إشكاليات وتساؤلات حول الحزب اكثر من كونه يقدم مقاربات حقيقية وإجابات.

     وتزامن هذا مع إثارة الاحزاب والجماعات العراقية؛ سواء المنافسة داخل العملية السياسية في العراق الجديد، او المعارضة للعملية السياسية، لمعلومات دعائية عن حزب الدعوة؛ ساهمت في رفع منسوب الإشكاليات وإثارة التساؤلات.

      وساهمت أيضاً بعض مقولات الدعاة الأوائل ومذكراتهم؛ ممن انشقوا عن الحزب أو خرجوا على نظريته، ودخلوا في حالات عداء مع قيادات الحزب؛ في تراكم الحالة الضبابية على مسيرة الحزب؛ لأنها مقولات ـ في التقويم الأكاديمي ـ تتسم بالإسقاطات الشخصية غالباً.

          ومن هنا؛ وجدت أن الأمانة العلمية والمسؤولية التاريخية تدفعاني للكتابة حول هذه الإشكاليات، ومحاولة تقديم مقاربات موضوعية حولها؛ زعماَ مني بأنني أكثر من لاحق هذه الإشكاليات ودرسها وتعمق فيها، واستطاع تفكيك معظمها؛ وهو عمل أعده تخصصياً، وقد خضت فيه منذ عام 1983؛ فكانت باكورة نتاجاتي مقالات نشرتها في العام نفسه، ثم دراسات نشرت في أواسط الثمانينات ونهاياتها، ثم ثلاثة مؤلفات كبيرة؛ صدر الأول منها «سنوات الجمر» عام 1993، وهو يعالج الفترة من 1957 وحتى 1986، والثاني «سنوات الرماد»، ويعالج الفترة من 1987 وحتى 2002، والثالث «سنوات الحصاد» ويعالج الفترة من 2003 وحتى 2006؛ اي ان المجلدات الثلاثة تدرس نصف قرن من تاريخ الحركة الإسلامية العراقية.

    في هذه الدراسة؛ سأقارب مراحل انبثاق فكرة حزب الدعوة، وتأسيسه، ومؤسسيه، ودعاته الاوائل، ولاسيما الفترة الممتدة حتى عام 1965، وخروج بعضهم من التنظيم وخروج آخرين على النظرية، ومساحات الإنتشار الجغرافي والتخصصي للحزب في سنواته الأولى، سواء داخل العراق أو خارجه، أو في أوساط الحوزات العلمية والجامعات.

الدوافع الواقعية لانبثاق فكرة حزب الدعوة

    قبل أن تنبثق فكرة حزب الدعوة وتتحول الى نظرية بدائية، ثم تنظيم، ثم حزب واقعي؛ كانت مجرد فكرة في أواسط الخمسينات في رؤوس عدد من الشباب الإسلامي الشيعي الناشط؛ ممن هم في العشرينات من عمرهم أو دون ذلك. وكان وراء الفكرة مزيج من الدوافع العقلية والعاطفية التي تحفزها هموم الساحة الدينية العراقية ومنظوماتها وأساليب تفكيرها، والواقع الإجتماعي، وحالة القهر السياسي، والتمييز الطائفي، والتقهقر الميداني والثقافي لحالة الإصلاح الإسلامي، ووجود التنظيمات العلمانية الجماهيرية الفاعلة. وربما كان من أبرز حملة هذه الفكرة: السيد محمد مهدي الحكيم، والناشط الدعوي عبد الصاحب دخيل والمحامي السيد حسن شبر والشاعر محمد صادق القاموسي والسيد طالب الرفاعي والمهندس محمد صالح الاديب، وغيرهم. وكان كل منهم يبحث عمن يشاركه الفكرة.

     ومن هنا؛ فإن مجمل دوافع هؤلاء الشباب كان وراءها الشعور باللوعة والهم الكبيرين؛ بسبب التراجع الذي عاشه التيار الإسلامي الإصلاحي والتغييري في العراق؛ منذ منتصف العقد الثالث وحتى أواسط العقد السادس من القرن الماضي، والذي كان يقابله جو مشحون بالتيارات والأفكار الوضعية الوافدة، ووسط مهرجان من الحركات والأحزاب والتنظيمات العلمانية؛ والتي يبرز من بينها التيار الماركسي الذي يمثله الحزب الشيوعي، والتيار القومي الذي يعد حزب البعث أهم أركانه، ومايعرف بالتيار الوطني، الذي يعد الحزب الوطني أحد أهم قواه. وماتبقى فقد كانت أحزاب سلطة. وكان انكماش الإسلام الحركي؛ يمثل فرصة مهمة للتيارات العلمانية، ولاسيما الجماهيرية؛ بالإمساك بالساحة السياسية والإجتماعية؛ حتى في المدن التي تمثل قلاع دينية حضارية؛ كالنجف الأشرف.

     وهذا لايعني إن الإنجازات الفردية وبعض الأعمال الجماعية المتواضعة كانت غائبة، إلاّ أن الذي كان غائباً هو العمل المنظم الشامل الذي يتبني عملية التغيير الشاملة في كيان الأمة؛ ولاسيما في الوسط الشيعي؛ إذ ان الحاجة إلى مثل هذا العمل كانت تبرز في أوساط المسلمين الشيعة على الخصوص؛ لأن المسلمين السنة سبقوهم إليه، فقد برزت في أوساطهم منذ نهاية العشرينات تنظيمات وتجمعات إسلامية كبيرة، كالأخوان المسلمين في مصر، وحزب التحرير في بلاد الشام، والجماعات الإسلامية في الهند وباكستان وتركيا وغيرها. ومن جانب آخر فإن الوجودات الشيعية الرائدة كجمعية النهضة الإسلامية وحزب النجف والجمعية الإسلامية الوطنية وغيرها؛ كانت تجمعات آنية تشكلت لأغراض محدودة وانتهت حال ارتفاع هذه الأغراض. أما الجماعات الإسلامية الشيعية التي تأسست في أوائل وأواسط الخمسينات؛ كحركة الشباب المسلم ومنظمة المسلمين العقائديين وغيرهما؛ فكانت هي الأخرى محدودة وذات إمكانات متواضعة تنسجم مع أهدافها، ولم تسمح لها ظروفها باستيعاب الساحة؛ وبالتالي لم تكن قادرة على القيام بمهمة إحداث تغيير شامل في الواقع الإسلامي الشيعي، لأسباب وظروف تتعلق بقيادة هذه الجماعات وخصوصيات يتميز بها العراق بشكل عام، ووضع الوسط الديني العراقي بشكل خاص.

    هذا الهم الكبير الذي كان يحمله هؤلاء الشباب من علماء الدين والناشطين الإسلاميين المثقفين؛ دفعهم للتوصل الى مقاربة لعلاج للواقع؛ من خلال تبني أسلوب العمل التغييري المنظّم الشامل، بعد دراسة نظرية العمل السياسي في الإسلام، وتأريخ الأمة الإسلامية عموماً والعراق خصوصاً، وتجارب الشعوب وحركات المصلحين والوجودات الإسلامية السياسية السابقة. فكان الناتج بعد دراسة الفكرة؛ تأسيس حركة منظمة، تتحرك في المجالات كافة، وقد أسموها بـ «الدعوة الإسلامية»، بعد مخاض عسير، استمر فترة طويلة.

     وكانت الشخصية الأبرز التي ارتبط هذا التحرك الجديد (حزب الدعوة الإسلامية) باسمه؛ هو الفقيه والمفكر الشاب السيد محمد باقر الصدر، الذي مثّل نموذجاً نادراً لعلماء الدين. أما السيد محمد مهدي الحكيم الى جانب مجموعة الحزب الجعفري: عبد الصاحب دخيل، محمد صادق القاموسي وحسن شبر، إضافة الى السيد طالب الرفاعي؛ فهم أصحاب فكرة انشاء الحزب الاسلامي الشيعي، والذي حمل اسم حزب الدعوة الإسلامية فيما بعد؛ إذ يقول السيد محمد مهدي الحكيم: أن فكرة تأسيس حزب اسلامي طرحت خلال عام 1956، واستمرت التحركات والاجتماعات التحضيرية أكثر من سنة، تباعدت فيها الأفكار وتقاربت، وتراجعت شخصيات وثبتت أخرى، وحتى تم في النهاية الاتفاق على شكل العمل وطبيعة تحرّكه. وكانت أول قضية طرحت على طاولة البحث (قبل التأسيس) هي: «مشروعية قيام الحكومة الإسلامية في عصر الغيبة»؛  فكتب آية الله السيد محمد باقر الصدر ( وهو الفقيه الوحيد بين المؤسسين) دراسة فقهية برهن فيها على شرعية قيام الحكومة الإسلامية في عصر الغيبة، وكانت هذه الدراسة أول نشرة حزبية تتبناها «الدعوة». ويضيف السيد محمد مهدي الحيكم: أنه عرض فكرة تأسيس الحزب في عام 1956 على السيد طالب الرفاعي وعبد الصاحب دخيل ومحمد صادق القاموسي؛ فكان الاربعة يعقدون الاجتماعات التداولية الأولى لفكرة لحزب، ثم اقترح السيد طالب الرفاعي مفاتحة السيد محمد باقر الصدر؛ فوافق على الفور حين طرح عليه السيد مهدي الفكرة، ثم اقترح السيد الصدر ضم السيد مرتضى العسكري للعمل (وكان يقيم في الكاظمية)، حيث فاتحه بذلك من خلال رسالة حملها إليه السيد مهدي الحكيم.

 مقاربة تاريخ تأسيس حزب الدعوة الإسلامية وهويات المؤسسين

     خلال الفترة من تموز/ يوليو وحتى أيلول/ سبتمبر 1957 عقد اكثر من إجتماع تأسيسي تحضيري في النجف الاشرف، معظمها في بيت السيد محمد باقر الصدر، وكان آخرها يعد الإجتماع التأسيسي التمهيدي الذي سبق الإجتماع التاسيسي النهائي في كربلاء. ففي تشرين الأول / أكتوبر عام 1957 (ربيع الأول 1377هـ) عقد الاجتماع التأسيسي النهائي في دار إقامة المرجع الديني الإمام السيد محسن الحكيم في كربلاء؛ بحضور ثمانية من الشخصيات، وهو الإجتماع الذي يعتبره غالبية مؤسسي «الدعوة» اجتماعاً تأسيسياً، فيما يعتبره مؤسسون آخرون اجتماعا تاسيسياً أخيراً. وبما إن اجتماع كربلاء قد تم فيه أداء القسم؛ فانه يعد من الناحية القانونية هو الإجتماع التأسيسي. ومن هنا فان كون بعض الشخصيات كانت من المؤسسين ومن الملتحقين بالتاسيس؛ مرده الى وجود إجتماعين، أحدهما في النجف الاشرف والثاني في كربلاء.

     و الرواية الرسمية لحزب الدعوة والتي يثبتها محمد صالح الاديب والسيد حسن شبر (بالرغم من ان الأديب لم يحضر اجتماع النجف وحضر اجتماع كربلاء، بينما حضر شبر اجتماع النجف ولم يحضر اجتماع كربلاء)؛ فتعد اجتماع كربلاء تأسيسياً؛ لأن القيادة أدت فيه القسم؛ ولأن الحزب حدد يوم 17 ربيع الأول 1377هـ  ( 12 تشرين الثاني 1957) تاريخاً لتأسيسه. ولكن هذا لايعني ان بعض المؤسسين الذين لم يحضروا اجتماع كربلاء هم ليسوا من المؤسسين؛ وهو حال السيد حسن شبر والدكتور جابر العطا دون غيرهما.

      والحقيقة أن التعدد في الروايات التي يذكرها مؤسسو الحزب ورواده وتشكيلته القيادية الأولى حول زمان ومكان تأسيس الحزب؛ يعود الى ان الإجتماعات التأسيسية استمرت من عام 1957 الى عام 1958، بل يعتقد بعضهم أن الاجتماعات التمهيدية والتأسيسية استمرت من عام 1956 وحتى عام 1959. إلا أن التاريخ الدقيق ـ وفقاً للمعطيات التي حصلت عليها من خلال مقابلاتي مع بعض مؤسسي الحزب وقادته واعضائه الاوائل؛ ولاسيما السيد حسن شبر والسيد محمد مهدي الحكيم وكثيرين غيرهما؛ هو أن الحزب تأسس في أواخر عام 1957، وان اجتماعي النجف الأشرف وكربلاء هما اجتماعان تأسيسيان، وإن من حضر أحدهما يعد من المؤسسين.

        والحقيقة؛ لم أجد تضارباً في رواية اي من المؤسسين أو الملتحقين بالتأسيس وأوائل الدعاة (الذين كانوا في أجواء تاسيس الحزب وخطواته الاولى من 1956 وحتى 1959)؛ لأن كل منهم ينظر الى مراحل التاسيس وخطوات العمل من زاويته وموقعه. ومن هنا تكون مهمة الباحث تفكيك هذه الإشكالية عبر تجميع الروايات وحصرها واستخلاص النتائج منها.

      ونتيجة عملية البحث والتقصي هذه؛ تتلخص في ان حزب الدعوة تأسس رسمياً في تشرين الاول/ أكتوبر 1957، وان مدينة كربلاء كانت جغرافيا التاسيس الرسمي، وان مرحلة التأسيس استمرت طيلة عام 1957، وكانت جغرافيا هذه المرحلة هي مدينة النجف الاشرف، وان إسم «الدعوة الإسلامية» اطلق على الحزب في عام 1959، وان أصحاب الفكرة هم خمسة، أبرزهم السيد محمد مهدي الحكيم، فيما كان السيد محمد باقر الصدر محور عملية التاسيس، بينما كان عبد الصاحب دخيل الاكثر تاثيراً في البناء التنظيمي.

       ومن هنا؛ يمكن التأكيد على ان المؤسسين العشرة لحزب الدعوة ( وفقاً لمعلومات ومعطيات عام 1957)، هم:

1-     السيد محمد باقر الصدر: عالم دين، 22 عاماً، مواليد الكاظمية عام 1935، وكان يدير الاجتماعات التحضيرية والتأسيسية، ويعد منظّر الحزب والأبرز بين المؤسسين؛ باعتباره مجتهداً ومفكراً، ومحل ثقة علمية وفكرية وشخصية لدى المرجعيات الدينية والحوزة العلمية والوسط الثقافي الديني.

2-     السيد محمد مهدي الحكيم: عالم دين، 22 عاماً، مواليد النجف الاشرف عام 1935، وهو الأبرز ممن طرحوا فكرة الحزب، وكان محور المفاتحات التمهيدية مع المؤسسين، وتكمن أهميته المعنوبة والإجتماعية في كونه نجل المرجع الأعلى للشيعة الإمام السيد محسن الحكيم.

3-    السيد مرتضى العسكري: عالم دين، 43 عاماً، مواليد سامراء عام 1912، وهو اول من أدى القسم؛ باعتباره أكبر حضور اجتماع كربلاء سناً، وكان باحثاً إسلاميا معروفاً، ومؤثرا في الوسط العلمي والإجتماعي في بغداد حيث كان يقيم.

4-    السيد طالب الرفاعي: عالم دين، 29 عاما، مواليد الناصرية عام 1928، وكان متميزاً في وعيه الحركي؛ بسبب علاقاته بالأحزاب الإسلامية السابقة في تاسيسها؛ كجماعة الاخوان المسلمين.

5-    محمد صادق القاموسي: ناشط إسلامي وإداري وشاعر، 35 عاما، ولد في النجف الاشرف عام 1922، وكانت أهميته تكمن في قربه من الشيخ محمد رضا المظفر وعمله معه، فضلا عن وعيه السياسي الذي يؤهله له عمره وخبرته في العمل التنظيمي الإسلامي؛ لاشتراكه في تاسيس الحزب الجعفري سابقا، وقد انسحب من حزب الدعوة وقيادته في وقت مبكر (عام 1958).

6-    عبد الصاحب دخيل: ناشط اسلامي وتاجر، 27 عاماً، مواليد النجف الاشرف عام 1930، وكان يمتلك خبرة في العمل التنظيمي الإسلامي؛ لأنه أسس مع آخرين الحزب الجعفري قبل عدة سنوات.

7-    محمد صالح الأديب: ناشط اسلامي ومهندس زراعي، 25 عاماً، مواليد كربلاء عام 1932، كانت له خبرة تنظيمية سابقة باعتباره من كوادر منظمة الشباب المسلم.

8-    السيد محمد باقر الحكيم: عالم دين، 18 عاماً، مواليد النجف الاشرف عام 1939، وهو أصغر المؤسسين سناً، وكان يمثل حلقة تاثير مهمة بين المرجعية العليا لأبيه الإمام الحكيم وأستاذه المقرب منه السيد محمد باقر الصدر.

9-    السيد حسن شبر: ناشط إسلامي ومحامي، 28 عاما، مواليد النجف الاشرف عام 1927، كان يتميز باختصاصه الأكاديمي في القانون، وخبرته السابقة في تاسيس الحزب الجعفري.

10-    الدكتور جابر العطا: ناشط اسلامي وطبيب، 29 عاما، مواليد النجف الاشرف عام 1928.

    مع الإشارة الى ان الثمانية الأوائل حضروا اجتماع كربلاء، والإثنان: التاسع والعاشر؛ حضرا اجتماعات النجف الاشرف التي سبقت إجتماع كربلاء؛ وكان عدم حضورهما الإجتماع الأخير بسبب السفر والعمل الطارىء.

ملامح الدعوة من خلال المؤسسين والدعاة الأوائل

      من خلال إخضاع المؤسسين العشرة لمعايير علمي الإجتماع والإجتماع السياسي؛ يمكننا الوقوف على الملامح الشكلية والجوهرية التي تميز بها حزب الدعوة عند تاسيسه:

     اولاً: ان المؤسسين كانوا يمتلكون وعيا سياسيا وحساً حركياً؛ سابقا على تأسيس الحزب، وكونهم شخصيات عاملة وناشطة إسلامياً؛ مايجعلهم يتميزون عن اقرانهم، سواء في الحوزة العلمية او في الوسط الديني.

      ثانياً: ان 50% منهم من علماء الدين، و50% منهم اصحاب مهن متنوعة: محامي، تاجر، مهندس، إداري وطبيب. وإذا أخذنا اجتماع كربلاء بنظر الإعتبارفقط ( بحضور الشخصيات الثمانية الاولى)؛ فسنرى ان حصة علماء الدين هي 63% مقابل 37% لغير علماء الدين. وكانت القيادة الخماسية الاولى تتكون من 80 % علماء دين، و20% من غير علماء الدين. وبقيت معادلة هيمنة علماء الدين على القيادة ومفاصل العمل حتى انسحاب السيد محمد باقر الصدر والسيد محمد مهدي الحكيم والسيد محمد باقر الحكيم، وتبعه انتقال القيادة من النجف الى بغداد عام 1961 واستلام السيد مرتضى العسكري زمامها، وكان أعضاؤها الآخرون من غير علماء الدين.

     ثالثاً: إن 60 % منهم من مواليد النجف الاشرف، ومن أسر نجفية معروفة، و40% من المدن الاخرى ( 10% كربلاء، 10% الكاظمية، 10% سامراء، 10% الناصرية ). إضافة الى ان 80% كانوا يقيمون في النجف الاشرف. كما كانت جميع الإجتماعات التمهيدية والتحضيرية تعقد في النجف الاشرف، عدا ماعرف بالإجتماع التاسيسي الذي عقد في كربلاء. ومن كل هذه المعطيات يمكن الوقوف على طبيعة النكهة الإجتماعية والثقافية النجفية التي ميزت حزب الدعوة؛ وبقيت مستمرة عدة سنوات حتى انتقال القيادة من النجف الى بغداد.

      رابعاً: إن 60% من المؤسسين لم يكن لديهم اي تجارب تنظيمية سابقة، و40% كانت لديهم تجارب في تنظيمات اسلامية شيعية. ولم يكن ايا منهم على علاقة تنظيمية بأي تنظيم اسلامي سني. وهناك عضو واحد فقط (السيد طالب الرفاعي) كانت لديه علاقات مع جماعة الاخوان المسلمين، ولم يكن منتظماً فيها. ولكن بعد اتساع الحزب وصعود كوادر جديدة، أصبح في قيادة الدعوة؛ حين انتقلت الى بغداد؛ عضو سابق في حزب التحرير ( محمد هادي السبيتي)، ثم صعد عضو سابق آخر في حزب التحرير الى القيادة عام 1963 (الشيخ عارف البصري). اضافة الى ان المؤسسين والدعاة الأوائل؛ حين كانوا يدونون أدبيات الدعوة وأسسها وتقنياتها التنظيمية؛ كانوا يطلعون على كل التجارب الحركية الإسلامية وغير الإسلامية؛ الشيعية والسنية؛ كمنظمة الشباب المسلم ومنظمة العقائديين وجماعة الاخوان المسلمين وحزب التحرير والجماعة الاسلامية الباكستانية. وهذان الامران هما مرد الحديث عن تأثر حزب الدعوة بالفكر الحركي السني والتقنيات التنظيمية للجماعات الاسلامية السنية.

      خامساً: ان 50 % من المؤسسين ينتمون ـ وفقا لمعايير الإجتماع الديني ـ الى الطبقة الدينية الاولى، و40% الى الطبقة الدينية المتوسطة، و10% الى الطبقة البسيطة؛ مايعطي الدعوة موقعا اجتماعيا رفيعاً جداً في الطبقة الإجتماعية الدينية. كما ان جميع المؤسسين ينتمون اجتماعيا الى الطبقة المرفهة «العليا والمتوسطة»؛ وهو مايعني انتماء مؤسسيها الى طبقة النخب الدينية والإجتماعية والنخب المتعلمة تعليماً عالياً. وهذا أصبح لسنوات طويلة جزءاً من الطقوس التنظيمية للحزب؛ إذ ظل حزباً نخبوياً يتعاطى غالبا مع طبقة المتعلمين؛ وإن انفتح في نهاية السبعينات على الطبقات الاقل تعليماً.

      وكمحصلة نهائية؛ يمكن القول؛ ان الدعاة الأوائل، ومن بينهم المؤسسون والتشكيلة القيادية الأولى؛ ينتمون الى عدة بلدان إسلامية، وأبرزهم: السيد محمد باقر الصدر (عراقي)، السيد مرتضى العسكري (عراقي من أصل إيراني)،السيد محمد مهدي الحكيم (عراقي)، محمد صالح الأديب (عراقي)، عبد الصاحب دخيل (عراقي)، محمد صادق القاموسي (عراقي)، السيد طالب الرفاعي (عراقي)، السيد محمد باقر الحكيم (عراقي)، حسن شبر (عراقي)، الدكتور جابر العطا (عراقي)،  الشيخ مهدي السماوي (عراقي)، الشيخ محمد مهدي شمس الدين (لبناني)، السيد محمد حسين فضل الله (لبناني)، محمد هادي السبيتي (لبناني)، الشيخ عبد الهادي الفضلي (سعودي)، السيد محمد بحر العلوم (عراقي)، الشيخ عارف البصري (عراقي)، السيد فخر الدين العسكري (عراقي من أصل إيراني)، السيد إبراهيم المراياتي (عراقي)، الدكتور داود العطار (عراقي)، السيد عدنان البكاء (عراقي). ثم انتظم في الحزب في السنوات القليلة اللاحقة شخصيات أخرى؛ كالسيد علي العلوي (عراقي من أصل إيراني)، السيد محمد كاظم البجنوردي ( إيراني)، السيد هاشم الموسوي (عراقي)، الشيخ محمد مهدي الآصفي (عراقي من أصل إيراني)، الشيخ سهيل نجم (عراقي)، كاظم يوسف التميمي (عراقي)، السيد كاظم الحائري (عراقي من أصل إيراني)، الشيخ مجيد الصيمري (عراقي)، السيد علاء الدين الحكيم (عراقي)، السيد محمد حسين الحكيم (عراقي)، عبد الزهرة عثمان (عراقي)، الشيخ علي الكوراني (لبناني)، الشيخ محمد علي التسخيري (عراقي من أصل إيراني)، السيد عارف الحسيني (باكستاني)، السيد علي النقوي (باكستاني)، الشيخ سليمان المدني (بحريني)، الشيخ عبد الامير الجمري (بحريني)، السيد عبد الله الغريفي (بحريني)، الشيخ عيسى قاسم (بحريني)، السيد سامي البدري (عراقي)، حامد المؤمن (عراقي)، عمران الطريحي (عراقي)، السيد علي الامين (لبناني)، هادي شحتور (عراقي)، قاسم عبود (عراقي)، حسين جلوخان (عراقي)، نوري طعمة (عراقي)، السيد عبد الرحيم الشوكي (عراقي)، مهدي عبد مهدي (عراقي)، مهدي السبيتي (لبناني)، الشيخ مفيد الفقيه (لبناني)، الشيخ حسن عبد الساتر (لبناني)، السيد عبد المنعم الشوكي (عراقي)، السيد عبد الأمير علي خان (عراقي)، علي الاديب (عراقي)، السيد عبد الكريم القزويني (عراقي)، الشيخ مهدي العطار (عراقي من أصل إيراني)،الشيخ عفيف النابلسي (لبناني)، السيد علاوي الهاشمي ( عراقي)، السيد نور الدين الاشكوري (عراقي من أصل إيراني)، السيد عباس الموسوي (لبناني)، الشيخ محمد يزبك (لبناني)، والشيخ صبحي الطفيلي (لبناني).

     وهناك شخصيات أخرى من الكويت والسعودية؛ لايقل عمرها في حزب الدعوة أو أهميتها عن هذه الشخصيات الوارد ذكرها هنا؛ الا ان الواقع السياسي لهذين البلدين يجعل أسماءها تبقى طي الكتمان؛ بالرغم من ان معظمها ترك الحزب وتنظيماته.

      وهناك شخصيات ظلت طيلة حياتها تعمل في أجواء الدعوة وتحتضن الدعاة وتنظيماتهم؛ ولكنها لم تنتظم في الحزب؛ كالشيخ محمد باقر الناصري والسيد قاسم شبر والشيخ حسين البشيري والسيد جواد شبر وأحمد امين وكثير غيرهم.

     وحظي هذا التحرك الجديد بالدعم من قبل المرجعية الدينية العليا المتمثلة بالإمام السيد محسن الحكيم، وكبار المجتهدين كآية الله الشيخ مرتضى آل ياسين وآية الله السيد إسماعيل الصدر وآية الله الشيخ محمد أمين زين الدين.

     أما آية الله الشيخ محمد رضا المظفر؛ الفقيه الإصلاحي الذي رحل عام 1958؛ تزامناً مع مرحلة ظهور حزب الدعوة؛ فإن مدرسته الإصلاحية ساهمت بشكل كبير في تسهيل انتشار الدعوة وتنميتها؛ لأن الدعوة وجدت قاعدة جاهزة من أبناء هذه المدرسة؛ اعتمدت عليهم في تحركها. حتى ان كلية الفقه في النجف الأشرف التي أسسها الشيخ المظفر؛ كانت بؤرة لعمل الدعوة ولتخريج الدعاة الجاهزين للتحرك.

     ومن هنا فان مدرسة حزب الدعوة الإسلامية في التغيير والإصلاح؛ يمكن ان نجد جذورها في أفكار وتوجهات زعماء حركة الإصلاح الإسلامي المعاصر في العراق في العقود الستة الاولى من القرن العشرين الميلادي؛ كالسيد هبة الدين الشهرستاني والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء والشيخ محمد رضا المظفر والسيد محسن الحكيم وغيرهم. إضافة الى تأثر بعض رموز الدعوة بالفكر الحركي والنهضوي لشخصيات اسلامية سنية؛ كالشيخ حسن البنا وسيد قطب والشيخ محمد تقي النبهاني ومالك بن نبي.

      لقد بدأ تاريخ حزب الدعوة كفكرة في ليلة أحد أيام عام 1956، وتأسس في فجر أحد أيام عام 1957، وانطلق في ضحى عام 1958، وأخذت تبرز معالم مرحلته الاولى في ظهيرة عام  1959. وكانت هذه السنوات الاربع هي سنوات البزوغ والشروق.

الإمام الشهيد محمد باقر الصدر وتأسيس حزب الدعوة الإسلامية

       يعد السيد محمد باقر الصدر أبرز المؤسسين العشرة، بل ان اداءه و دوره أفرزه مؤسساً وقائداً للحزب.وقد كانت صفة كون السيد الصدر مؤسساً للحزب؛ متداولة في أوساط الحزب منذ الستينات، وكونه قائداً؛ برزت خلال عام 1979، بعد تفجير الصدر للتحرك المعارض لنظام البعث في العراق. ولكن تصدر السيد الشهيد الصدر لعمل حزب الدعوة خلال 1957 الى 1961 يحظى بقرائن كثيرة؛ الى المستوى الذي أقنع أجيال الدعاة والمؤرخين والمراقبين بأن السيد الصدر هو ابرز المؤسسين. ومن تلك القرائن:

1-    إنه أحد الأربعة الاوائل الذين ناقشوا الفكرة بعمق ودقة.

2-    إن الحزب تاسس على نظريته الفقهية التي دونها في بداية طرح فكرة الحزب، اي عام 1956، والتي اثبت فيها جواز إقامة تأسيس الدولة الإسلامية في عصر غيبة الإمام المهدي المنتظر، وإمكانية سعي جماعة إسلامية لتحقيق هذا الهدف. ولولا نظريته هذه لما تاسس حزب الدعوة. وهي في الواقع نظرية تاسيسية في الفقه السياسي الإسلامي الشيعي؛ إذ لم يسبقه فقيه شيعي بها.

3-     كان المؤسسون يعودون اليه في التكييفات الفقهية، وكان صاحب المبادرة في هذا المجال

4-    كان الفقيه الوحيد في الحزب، وكان وجوده في الحزب مهماً جداً، بل أساسياً؛ لوجاهته العلمية في الحوزة، وكون الحزب بحاجة الى فقيه يتقدمه في مواجهة الإشكاليات التي يمكن أن تطرحها الحوزة العلمية النجفية ضد الحزب؛ وبالتالي فمعظم إهتمام المؤسسين كان منصباً على الإجابة على إشكاليات الفكر الفقهي التقليدي وتسويغ عملهم امام المشككين في اوساط المنظومة الدينية الشيعية التي كانت لاتستسيغ العمل السياسي عموماً، والعمل الحزبي خصوصاً.

5-    كان يدير الإجتماعات التمهيدية للتاسيس، وأدار الإجتماع التأسيسي في كربلاء، وكان المفروض ان يكون أول من يقسم  قسم الحزب؛ لولا إصراره على ان يكون المرحوم السيد مرتضى العسكري أول من يؤدي القسم؛ باعتباره أكبر الأعضاء سناً ( كان عمر العسكري 45 سنة والصدر 22 سنة ).

6-    هو الذي طرح تسمية الحزب بـ (( الدعوة الإسلامية )).

7-    كتب أسس حزب الدعوة؛ التي تمثل الأسس الفقهية والفكرية والسياسية للحزب، ولاتزال تمثل قاعدة حركة حزب الدعوة.

8-    كان العضو الأبرز في القيادة ( وإن لم تكن تسمى قيادة رسمياً) التي تألفت بعد مرحلة التأسيس؛ والمؤلفة من السيد الصدر والسيد مهدي الحكيم وعبد الصاحب دخيل والسيد مرتضى العسكري، وكان الصدر يدير إجتماعاتها، وبمثابة أمينها.

9-    شاع إسمه في الوسط الحوزوي النجفي والإيراني وأوساط المرجعيات الدينية، والاحزاب السياسية العراقية والإيرانية بانه مؤسس الحزب؛ لأسباب موضوعية. ومن ذلك إن حزب البعث العراقي كشف ذلك في وقت مبكر؛ فقام في عام 1960 أحد قيادييه في النجف (السيد حسين الصافي) بزيارة المرجعين السيد محسن الحكيم والسيد ابو القاسم الخوئي؛ وأبلغهم بخطورة الحزب الجديد الذي اسسه الصدر ويقوده؛ فكان جواب السيد الحكيم للصافي وهو ينهره: وهل تتصور انك احرص من السيد الصدر على الحوزة والنجف؟. وكان جواب السيد الخوئي له: إذا كان كان السيد الصدر قد اسس هذا الحزب ويقوده؛ فأنا أول من ينتمي إليه. وقد روى ذلك لي المرحوم الشيخ محمد باقر الأنصاري الذي كان حاضراً اللقاء. كما نقل السيد كاظم الحائري عن المرجع الديني الإيراني السيد عبد الكريم الموسوي الاردبيلي، انه امتدح السيد الصدر حين طرح بعض علماء الدين في ايران أواخر الخمسينات موضوع تأسيس السيد الصدر لحزب الدعوة. كما اني اطلعت شخصيا على وثيقة أصدرها حزب توده الشيوعي الايراني عام 1962 يؤكد فيها تأسيس حزب اسلامي شيعي في العراق اسمه حزب الدعوة ويقوده السيد محمد باقر الصدر. وكانت هذه الوثيقة ضمن محفوظات السافاك الإيراني. ومن المعروف ان بعض كوادر وقيادات حزب تودة الايراني والحزب الشيوعي العراقي كان يتبادل المواقع التنظيمية بين الحزبين، فضلا عن تبادل المعلومات بينهم لماوجهة الحركة الدينية في العراق وايران.

10-    ان كثيراً من تلاميذه كانوا هم الدعاة الاوائل، وأصبحوا من قيادات الحزب وكوادره فيما بعد، وكان هو الذي يبادر بتحريك البعض لضمهم للحزب.

    وهناك قرائن ثانوية تشير جميعها الى ان السيد محمد باقر الصدر كان المؤسس الابرز لحزب الدعوة، ولكنه ليس الوحيد؛ بل ان مسيرة التأسيس وسنوات الحزب الاولى أفرته المؤسس الابرز والقيادي الاهم والاكثر تاثيراً؛ رغم انه كان أحد الأعضاء الأصغر سناً بين المؤسسين العشرة (السيد مهدي الحكيم كان يساويه في العمر والسيد محمد باقر الحكيم يصغره بثلاث سنوات، وماتبقى من المؤسسين فقد كانوا أكبر منه سناً).

عقائدية حزب الدعوة وعالميته

      تأسست نظرية حزب الدعوة الإسلامية وفلسفة وجوده على ركيزتين أساسيتين:

      الأولى: العقائدية؛ فقد تاسس حزب الدعوة وفقاً لغايات عقائدية، وعلى أساس نظرية فقهية؛ فهو حزب ايديولوجي؛ مهمته الدعوة للإسلام، وبناء الكتلة الإسلامية العقائدية المغيرة للمجتمع، والتي تقوم بتعميق البعد العبادي والروحي والتربوي والثقافي والسياسي للجماهير؛ وصولاً الى قدرته على استلام السلطة في بلد من البلدان وتأسيس الدولة الإسلامية. وقد جاء في إحدى نشرات الحزب الداخلية التي تقول أدبيات الحزب ان السيد محمد باقرالصدر هو الذي دونها: «إن اسم الدعوة الإسلامية هو الاسم الطبيعي لعلمنا، والتعبير الشرعي عن واجبنا في دعوة الناس الى الإسلام. ولا مانع أن نعبّر عن أنفسنا بالحزب والحركة والتنظيم، ونحن دعاة الى الإسلام، وأنصار الله، وأنصار الإسلام، ونحن حركة في المجنمع وتنظيم في العمل. وفي كل الحالات نحن دعاة الى الإسلام، وعملنا دعوة الإسلام. وسبب اختيارنا له يعود الى مشروعيته أولاً، وفائدته ثانياً».

     الثانية: العالمية؛ فقد أكدت أدبيات الدعوة على إن المرحلة الرابعة من مراحل حركة الدعوة هي حاكمية الإسلام، اي تاسيس الدولة الأسلامية في أحد الأقاليم، ومنها يقوم الحزب بالإنطلاق الى بناء الدولة الإسلامية الكبرى التي تضم الجغرافيا الإسلامية دون حدود.

      كما إن انتماء مؤسسي الدعوة واعضائها الأوائل الى عدة بلدان إسلامية؛ يؤكد طبيعة تحرك الدعوة ومساحتها؛ إذ انهم كانوا يطرحون "الدعوة" باعتبارها حركة اسلامية عالمية؛ انسجاما مع عالمية الاسلام، وشانها شان الحركات الاسلامية الكبرى، او الحركات الايديولوجية العربية والعالمية، وليست حركة عراقية محضة؛ وإن كان العراق يمثل محور هذه الحركة وركيزتها؛ وكأن حزب الدعوة بذلك يريد تكريس العراق قاعدة ومحوراً للتحرك التنظيمي الاسلامي الشيعي، في مقابل الحركة السلفية التي ترتكز الى مرجعية العربية السعودية، وجماعة الاخوان المسلمين التي ترتكز الى محورية مصر. وبذلك فان هذا البعد العالمي للدعوة مثّل اضافة نوعية للعراق؛ الذي أصبح مركزا للأطراف التنظيمية الشيعية في المنطقة، حيث تأسس لحزب الدعوة ابتداء من منتصف الستينات فروعا قوية في معظم البلدان التي يتواجد فيها الشيعة، وهي ظاهرة جديدة بالكامل لم يعرفها التاريخ الشيعي من قبل.

      وقد إصبحت الشخصيات التي أسست الدعوة والتي انتمت اليه فيما بعد؛ أصبحت بمرور الزمن؛ النخبة الإسلامية الشيعية العربية التي قادت الواقع الإسلامي الشيعي في البلدان العربية؛ بالرغم من ان الكثير من هذه الشخصيات قد ترك العمل التنظيمي والحزبي، ولكنه يبقى في النتيجة خريج مدرسة الدعوة؛ والتي أصبحت فيما بعد تمثل التيارالمنظم في مدرسة السيد محمد باقر الصدر.

 انتشار حزب الدعوة

      لقد مارس حزب الدعوة نشاطه (التنظيمي السري) بشكل واسع بعيد انقلاب 14 تموز 1958، حين فسحت حكومة قاسم المجال أمام العمل العام؛ الثقافي والإجتماعي والحزبي والسياسي، وانتشرت موجات الإلحاد والأفكار الوضعية؛ فكانت الحاجة لمكافحة هذه الموجات والتيارات من قبل الحركة الإسلامية، والسعي لبناء المجتمع عقائدياً تمهيداً لإقامة الحكومة الإسلامية، تأخذ شكلاً آخر.

      ولم يأت تأسيس «الدعوة» كرد فعل على مجريات الأحداث والوضع الذي أفرزه انقلاب 14 تموز / يوليو، أو المد الشيوعي، أو ليكون حزباً في مقابل الأحزاب الأخرى، بل اعتبر مؤسسوه أنه ضرورة بعيدة المدى، فوضعوا له أهدافاً أساسية بعيداً عن الأجواء الانفعالية والمؤثرات الآنية.

      في المرحلة التغييرية الفكرية التي بدأت بعد الخطوات التأسيسية الأولى، انطلق حزب الدعوة الإسلامية يشق طريقه وسط ضغط التيارات المختلفة والظروف الصعبة، إضافة الى استهجان وعدم رضى بعض اتجاهات التيار الديني التقليدي، والترقب الحذر للآخرين. وانبرى الأعضاء الأوائل يوسعون صفوفهم وينشرون تنظيمهم، فوجدوا أرضية خصبة في أواسط علماء الدين وطلبة الحوزات العلمية في النجف الأشرف وغيرها، وطلبة الجامعات والمعاهد (الرسمية) في بغداد والبصرة والموصل وغيرها.

     وإذا كانت السنوات الأربع ( 1956 – 1959) تمثل مرحلة بزوغ حزب الدعوة وشروقه؛ فإنعقدي الستينات والسبعينات؛ مثلا مرحلة السطوع؛ ليس في العراق وحسب ؛ بل في كثير من البلدان الإسلامية.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

الى الاعلى