قراءة 32 مرات

كلمة افتتاح دورة إعداد الكتّاب والباحثين

12 / شباط / 2000 علي المؤمن

نظم مركز دراسات المستقبل الإسلامي (مكتب قم) دورة تخصصية لإعداد باحثين في حقل الدراسات المستقبلية، كجزء من الرؤية التي رسمها المركز لنشاطاته المعنية بهذا الحقل، إذ تم اختيار (36) دارساً للمرحلة التمهيدية في الدورة من مجموع المتقدمين للانتساب، على أساس أولويات التأهيل والإعداد الملحوظة.

وكان معظم من تمت الموافقة على انتسابهم من الكتاب العاملين في حقل البحث والصحافة والإعلام، وممن أتيحت لهم فرصة الجمع بين فروع الدراستين الشرعية والأكاديمية، وينتمون إلى أكثر من بلد إسلامي، كإيران والعراق والسعودية والبحرين وغانا.

افتتحت الدورة بتاريخ 6/ذي القعدة/1420هـ الموافق 12/2/2000م بكلمة للأستاذ علي المؤمن مدير المركز ورئيس تحرير إصداراته. وفيما يلي جانب من كلمة الافتتاح.

«... قبل أن نتحدث عن هذه الدورة وما يتعلق بها، لا بأس من تكوين صورة إجمالية عن حقل الدراسات المستقبلية.

يعرف هذا الحقل في الغرب باسم المستقبلية (Futurism)أو دراسات المستقبل ـ (Future studies)ـ كما يعبر عنه، وهو حقل يتوخى استشراف المستقبل والتنبؤ باحتمالاته وتحديد ما ينطوي عليه من خيارات، وبلورة أساليب السيطرة عليه. وقد بدء هذا اللون من الدراسات يتشكل في الغرب في حدود القرن الثامن عشر، وأخذ يتطور بفعل الأعمال التأسيسية التي ظهرت في فرنسا وبريطانيا وغيرهما، ثم ظهر علماء مهمون حاولوا تأسيس حقل جديد في الدراسات المستقبلية يعتمد على المناهج العلمية في مقابل النزوع التاريخي في استشراف المستقبل والذي تمثل في التنجيم والعرافة وغيرها، مما أفرز ظهور مناهج تنبؤ حديثة تعتمد على الإحصاء والتخطيط أو المنهج المنطقي أو منهج فلسفة التاريخ. وأصبح لكل من هذه المناهج أساليبه الخاصة. كما انشعبت عن هذا الحقل فروع جديدة كعلم اجتماع المستقبل وعلم نفس المستقبل، فيما صدرت آلاف الدراسات والمؤلفات في الغرب حول الموضوع. وكانت المؤسسات العلمية المعنية بالمستقبليات تتوالد بشكل شبه يومي، حتى وصل عددها في أمريكا فقط حتى عام 1967 قرابة 600 مؤسسة للدراسات المستقبلية، إضافة إلى المراكز والأندية الضخمة في باقي أنحاء العالم كجمعية مستقبل العالم والتي يوجد لها 80 فرعاً في مختلف أنحاء المعمورة، ونادي روما، بل إن كل الكارثات التجارية والاقتصادية والشركات الصناعية الكبرى أصبح لديها مراكز متخصصة باستشراف المستقبل في سياق السيطرة عليه، نظير ما صنعته شركت مرسيدس مؤخراً حين خصصت ما يقارب 10 ملايين مارك سنوياً لهذا النوع من الدراسات، مما لا يقتصر على حقل الاقتصاد فقط. علماً أن الدراسات المستقبلية تشتمل على معظم العلوم والمعارف، ابتداء بالفلسفة والاجتماع وانتهاء بالطب والهندسة الوراثية والانفورماتيك وغيرها.

إن عملية استشراف المستقبل ليست ممارسة تنبؤية أو مجرد معرفة بالمستقبل، وإنّما تتضمن وضع أهداف محددة ودراسة خيارات وبدائل، وصولاً إلى وضع الخطط والبرامج المؤدية إلى ذلك، وعلى مديات زمنية تتجاوز أحياناً 25 أو 50 عاماً. وتجند في هذه الأنشطة خبرات متعددة وكبيرة، نظير ما لاحظنا في مؤتمر نيويورك عام 1990 الذي حضره أكثر من 850 عالماً ومتخصصاً.

أمّا على مستوى العالم الإسلامي فقد ظهر هذا الاهتمام مؤخراً ولا زال في بداياته، وعبر مسحنا لواقعه لاحظنا أن البدايات الحقيقية ظهرت في مصر ولبنان بعد نكسة حزيران 1967، كما راحت حركات إسلامية وقومية تعنى بهذا الجانب، ثم برزت محاولات فردية أخرى مثل محاولات د. قسطنطين زريق ود. المهدي المنجرة وغيرهما. وظهرت مساهمات مهمة لمركز دراسات الوحدة العربية في بيروت. وهناك مركز في جامعة أسيوط بمصر، ومثله في صنعاء وآخر في الجزائر ومركز مشابه في إيران وكذلك في ماليزيا، تعنى بدراسة المستقبل.

وعلى المستوى الإسلامي أيضاً لم يتشكل حتى الآن وعي مستقبلي كاف، مع أن التخطيط للمستقبل بشكل علمي هو رهان عالم اليوم وأحد أهم آليات السيطرة والتفوق.

وانطلاقاً من هذه الحقيقة تأسس مركز دراسات المستقبل الإسلامي الذي تعكس تسميته طبيعة الحقل الذي يتحرك في إطاره، وهو في مجمل حركته يراهن على خلق الوعي المستقبلي لدى القطاعات الشابة باعتبارهم رجال المستقبل، إضافة إلى محاولته الإسهام في بناء نظرية إسلامية في استشراف المستقبل. ووجد المركز أن أمامه عقبات متعددة أبرزها عدم توفر الكادر المتخصص في هذا الحقل، حيث لا يمتلك كثير من الباحثين الإسلاميين رؤية واضحة عن حقل المستقبليات لمباشرة العمل في إطاره. وعلى هذا الأساس تبلورت فكرة جادة لإعداد كادر متخصص بالمستقبليات يعي أهميته ويمتلك أدواته ومناهجه، ويحدد السياق الذي تم فيه هذه الأبحاث، آخذين بنظر الاعتبار الأمد الطويل الذي تستلزمه هذه العملية. وتبِّر هذه الدورة التأهيلية عن جزء من ذلك الهدف، حيث تتكون الدورة من ثلاث مراحل تستغرق قرابة السنة، ونتمنى أن نخرج بنتائج مرضية.

وهناك ملاحظة مهمة فيما يتعلق بالدورة هذه، حيث أن برنامجها قد أخذ فيه بعين الاعتبار الجوانب التطبيقية، فالأمل منعقد على أن تتحول هذه الدورة إلى ورشة عمل إلى جانب طرح القضايا النظرية طبعاً، باعتبار أن البحث والكتابة أمور تنمو من خلال الممارسة والخبرة العملية التي تكتسب من الأساتذة والمتخصصين...».

أضف تعليق


كود امني
تحديث

الى الاعلى