قراءة 37 مرات

شهداء المسيرة الاسلامية وقيام الدولة العراقية الحديثة

31 / تشرين1 / 2005 علي المؤمن

قد لا يصح منهجياً تكوين معادلة علاقة بين قضية تأسيس النظام السياسي في العراق عام 1920 وبين جرائم ارتكبها النظام في الثمانينات والتسعينات، إلاّ أن عمليّة التنقيب في حقل الحفريات التاريخية تقتضي التوغل عمودياً في عمق الحدث، للكشف عن حقائقه البعيدة التي جرّت المستقبل إليه.

الباحثون الذين درسوا خلفيات استشهاد رواد المسيرة الإسلامية في العراق ودوافعها الأساسية، خلصوا إلى نتائج لا تخرج عن دائرة الصراع الفكري والسياسي بين حزب البعث العراقي وحركة الوعي الإسلامي، ككل صراعات «البعث» مع الاتجاهات الآيديولوجية والسياسية التي يتقاطع معها. هذا النتائج ستطابق الواقع فيما لو نظرنا إلى حزب البعث، أداة لتطبيق قواعد البناء الطائفي للدولة العراقية الحديثة،، وأداة لتنفيذ المخطط الاستعماري البريطاني الذي عمل على بلورة هذا القواعد، وما زال يرعاها حتى الآن، لأسباب ودوافع عديدة سنأتي عليها. ولكي لا نبخس الناس استياءهم، فإن القواعد لم تكن من اختراع الإنجليز، بل إن الأتراك العثمانيين هم الذين أرسوها في العراق وبلاد الشام والخليج، في مراحل سيطرتهم على مقدرات هذه البلدان، مستفيدين من إرث قديم، ثم أورثوها الإنجليز، الذين بلورها وقننوها في مرحلة ما بعد الحرب الاستعمارية (العالمية) الأولى. وكان لو هذه القواعد فاقعاً ومثيراً للاشمئزاز في العراق أكثر من غيره، لأنها خالفت جميع حقائق الجغرافية السكانية وبديهياتها، بعد أن شيدوا عليها صرح الدولة الطائفية القومية التي تحكم الواقع السياسي والاجتماعي الذي تمثلته أكثرية الشعب الساحقة. وبالتالي فإن المعركة مع هذه المعادلة الناشزة مازالت قائمة منذ الحكم العثماني للعراق وحتى الآن... المعركة التاريخية التي استشهد فيها سبعون ألفاً في الأناضول في يوم واحد، وقتل فيها الشهيدان العامليان، الأول والثاني في الشام، واستبيحت فيها مدينة الحلة ثلاثة أيام، وجرّت إلى حركة الجهاد في العراق من عام 1914 وحتى عام 1920. ثم كان السيد محمد باقر الصدر أبرز ضحاياها.

الحقائق التي تعبّر عن معركة أتباع أهل البيت(ع) مع النظام السياسي الطائفي في العراق، يحاول الكثيرون تغافلها بدوافع مختلفة، قد تكون طائفية هي الأخرى، وقد تكون حرصاً على وحدة الموقف الشعبي وتجنب الاثارات الطائفية. ولكن هذا التغافل لا يعني مصلحة البلد والأمة بشيء، وهو نقيض المنهج العلمي في البحث التاريخي، لأنه سيعمل على تكريس مشكلة أساسية تعد أهم عوامل عدم الاستقرار في العراق، وبالنتيجة فإن حديثاً بهذا الاتجاه يكشف عن أسوأ مضامين الطائفية، ويعّيري الجريمة الكبرى التي ارتكبها الإنجليز بحق الأمة في العراق بكل مذاهبها وطوائفها... سنّة وشيعة... عرباً وأكراداً وتركماناً. ويبقى المستهدف في هذا الحديث ـ الذي يستبطن أسمى معاني وحدة المسلمين المبنية على حقائق الواقع وأرقامه ـ هو النظام السياسي أو الدولة، وليس طائفة بعينها، لأن الطائفة التي ينتمي إليها النظام السياسي تاريخياً وليس مذهبياً، هي الأخرى مضطهدة بألوان فيها الكثير من البشاعة، بل غالباً ما يكون هذا الاضطهاد أكثر تقيداً لظروف يطول شرحها، وبالتالي لا وجود لأية مشكلة سياسية أو مذهبية بين الطائفتين المسلمتين الكبيرتين (السنية والشيعة) ولا بين القوميتين الكبريين (العربية والكردية)، بل المشكلة تكمن في البنية الطائفية للنظام السياسي والمجتمع السياسي الرسمي، الذين ينتميان إلى مركب طائفي وقومي نسبة 16% فقط من عدد السكان، هم السنة العرب، في حين أن الجماعة السكانية المضطهدة ـ التي لا يخفي النظام عدم تمثيله لها قانونياً وواقعياً ـ تزيد نسبتها على 84% من عدد السكان، 65% منهم شيعة (عرباً وأكراداً وتركماناً وأصول فارسية) و15% منهم أكراداً سنة. وهنا يقول الإمام الشهيد محمد باقر الصدر: وإن الطاغوت وأوليائه يحاولون أن يوحوا إلى أبنائنا البررة من السنّة بأن المسألة مسألة شيعة وسنّة، وليفصلوا السنّة عن معركتهم الحقيقية ضد العدو المشترك. وأريد أن أقولها لكم يا أبناء «علي» و«الحسين» وأبناء «أبي بكر» و«عمر» إن المعركة ليست بين الشيعة والحكم السني. إن الحكم السني الذي مثلّه الخلفاء الراشدون والذين كان يقوم على أساس الإسلام والعدل، جعل «على» السلفِ للدفاع عنه، إذ حارب جندياً في حروب الردة تحت لواء الخليفة الأول «أبي بكر». وكلنا نحارب عن راية الإسلام وتحت راية الإسلام مهما كان لونها المذهبي.

فهناك فرق جذري وأساسي بين الدولة الطائفية والدولة المذهبية، فالدولة الطائفية هي الدولة اللادينية التي تتبنى نظاماً سياسياً ينتمي تاريخياً إلى طائفة معينة، أما الدولة المذهبية فهي دولة دينية تخضع لنظام سياسي يتعبد بفقه أحد المذاهب الإسلامية، والحال أن النظام السياسي المطبق بعد قيام الدولة العراقية الحديثة هو الشكل الأول، فهو نظام طائفي قومي، لم يكن يوماً مذهبياً، بل أنه ينتمي إلى مركب الأقلية القومية الطائفية، الأمر الذي يجعله يشعر بالخطر دائماً وعدم الاستقرار والتهديد،، فيبقى متحفزاً دائماً للفتك بأي تحرك يرفع صوته للمطالبة بأبسط الحقوق، وإن كانت مطالبة بخفض جرعات التمييز، فيجد صاحب الطلب نفسه ـ ابتداءً ـ أمام تهمتين شنيعتين جاهزتين: طائفي وشعوبي، أو يأخذ طريقه ـ في وضع أسوأ ـ إلى السجن وربما المشنقة، هذا إذا لم ينف في ليلة ظلماء إلى ما وراء الحدود. مع ؟؟؟؟ الاعتباران أصبحت جزءاً من بنية الدولة وقانونها بصرف النظر عن طبيعة الحكومات المتعاقبة وآيديولوجيتها، وإن كانت حكومة حزب البعث العراقي أشد تعبيراً عنها.

لقد حاول الأتراك العثمانيون طيلة مئات السنين تغيير البنية المذهبية للمجتمع العراقي، إلا أنه فشلوا في هذا الجزء، رغم الفتاوى المضادة والحصار والاضطهاد ونجحوا في جزء آخر، هو وضع أسس صلبة لنظام سياسي طائفي في ولايات العراق ينسجم وآيديولوجيتهم العليا. ولكن المفارقة المثيرة حدثت بدخول العثمانيين الحرب الاستعمارية الأولى إلى جانب المانيا عام 1914، حينها اتجهت الحركة العربية التي تشاطرهم الانتماء المذهبي وتقر بالولاء السياسي لهم، إلى مناهضة العثمانيين والمراهنة على دعم الاستعمار البريطاني، بفعل الوعود التي أعطاها إياها أمير الحجاز، وانتهى الأمر إلى إعلان الثورة العربية بقيادة الشريف حسين، وانضم إليه معظم الذين كبروا ـ سناً وشأناً ـ مع المناصب السياسية والعسكرية والإدارية التي أسجتها عليهم الدولة العثمانية. وتحول الولاء من تركيا (الإسلامية) إلى بريطانيا (الصليبية)، وانقلب الهلال ـ فجأة ـ صليباً في لافتاتهم.

أما الطرف الثاني من المفارقة، فهم أتباع أهل البيت(ع) في العراق وسوريا ولبنان، الذين واجهوا التغّير الجديد بالرهان على المبادئ، فدافعوا عن الدولة العثمانية بدمائهم، لأنها تنطوي على الحد الأدنى من تمثيل الإسلام، وتشكل الخيار الأصولي في المعركة مع الاستعمار البريطاني القادم، بعد أن تناسوا بفعل سخونة المبادئ عداء الدولة العثمانية التاريخي لهم. هذه الحقيقة يعبّر عنها الشهيد الصدر بقوله «إن الحكم السني (العثماني) الذي كان يحمل راية الإسلام قد أفتى علماء الشيعة قبل نصف قرن بوجوب الجهاد من أجله، وخرج الآلاف من الشيعة وبذلوا دمهم رخيصاً من أجل الحفاظ على راية الإسلام، ومن أجل الحكم السني الذي كان يقوم على أساس الإسلام». فقد أعلن علماء الدين في النجف الأشرف الجهاد ضد بريطانيا بمجرد دخول قواتها البصرة عام 1914، وقادوا المعارك إلى جانب العثمانيين، وظلوا يقاومون الإنجليز بشدة، رغم انسحاب الأتراك المبكر من ساحة المعركة، ثم دخول الإنجليز بغداد عام 1917، وإسدال الستار على النفوذ العثماني في العراق إلى الأبد.

وحين وضعت الحرب الاستعمارية الأولى أوزارها عام 1918، اتجه الإنجليز نحو إقامة نوع من الحكم الذاتي في العراق، فجاءت فتوى علماء الدين في النجف وكربلاء بأن تكون الحكومة مسلمة، فاستمر الصراع مع الاحتلال الإنجليزي، حتى بات الوضع مهدداً بالانفجار. وبالفعل انفجر العراق عام 1920 بثورة شعبية مسلحة بقيادة الشيخ محمد تقي الحائري الشيرازي، تهدف إلى الاستقلال وطرد المحتلين وإقامة حكومة مسلمة. وانتهت الثورة باحتواء الإنجليز للموقف والالتفاف على مطالب الثوار بطريقة مضللة. فعاودت موضوع إقامة الحكم المحلي، ولكن بعنوان كبير هذه المرة هو «الدولة العراقية» ولاسيما أن معاهدة (سايكس بيكو) عام 1916 وفرساي عام 1919 ومبادئ عصبة الأمم تعطي بريطانيا حق الانتداب على العراق، وتعطي الشعوب الحق الشكلي في تقرير المصير.

وقامت الدولة العراقية الحديثة استجابة شكلية لمطالب ثورة العشرين، ولكن ـ فجأة ـ وجد الثوار أنفسهم خارج لعبة السياسة والسلطة، ووجدوا صنائع الأتراك والإنجليز يحتلون معظم مناصب الدولة. وبذلك أقرّت أكثرية الشعب العراقي أنها الخاسر الأكبر بعد انهيار الحكم العثماني وقيام النظام العراقي المحلي، مضيّعة بذلك سنين طويلة من النضال من أجل استقلال البلاد وحريتها وإقامة حكم العدل والمساواة فيها.

ولعل من السهل تفهم دوافع الإجراء البريطاني في تحويل قواعد النظام السياسي الطائفي إلى بنى وقوانين وهياكل إدارية، فليس منطقياً ـ وفقاً للمنهج البراغماتي في التفكير والعمل ـ أن تبادر بريطانيا إلى تأسيس نظام سياسي في العراق يعتمد قواعد الديمقراطية والدولة الحديثة التي تتبع موقف الأكثرية، فتكافئ بذلك الشعب الذي حاربها بكل الوسائل طيلة سبع سنوات، وأذل كبرياءها وغرورها!، إذ إنها ستقدّم خدمة كبرى له بصورة تلقائية. وكان من الطبيعي أيضاً أن يعيد الإنجليز تأهيل الشخصيات التي كانت جزءاً من النظام الطائفي التركي، ويبادرون لمكافأتها، بعد أن تنكرت للأتراك، ووقفت إلى جانب الإنجليز. وفي النتيجة ضرب الاحتلال البريطاني عدة عصافير بحجر واحد، فمن جهة حافظ على مضمون التنظيم السياسي العراقي، كافأ النخب التي وقفت إلى جانبه، بعد أن استخدمها في إدارة السلطات المحلية وإدارة الجيش وإعادة تشكيل المجتمع السياسي الجديد ـ القديم ، بذريعة أن عناصرها يمتلكون ممارسة وخبرة في الإدارة والعمل السياسي والعسكري، ومن جانب آخر عاقبت بريطانيا الشعب الذي وقف ضدها، وحافظت على مصالحها في العراق بصورة دائمة، على اعتباران دولة الأقلية ستبقي بحاجة إلى الحماية والدعم اللذين يوفرهما لها البريطانيون، كما تخلصت من أعباء حكم الأكثرية، التي وجد فيها الإنجليز عدواً شرساً لا يمتلك أدوات المصالحة والمرونة السياسية ولا يمكن ائتمانه على المصالح البريطانية، ولاسيما أن أتباع أهل البيت(ع) محكومون طوعاً بنظام ديني يكون فيه الولاء للمرجعية الدينية وعلماء الدين، الذين وجدهم الإنجليز أناساً «يقيمون وزناً للاحتراف السياسي الأرضي وقواعده البراغماتية المتداولة، وهو أمر يجعل قيام حكم الأكثرية على طرف نقيض مع استقرار المصالح البريطانية في العراق.

من هنا فالحديث عن أي تغيير في العراق يتجاوز بنيّة النظام الطائفي القومي للدولة العراقية، يبقى حديثاً عن تغيير مبتور ومشوه يعجز عن حل مشكلة الاستقرار في العراق في مرحلة ما بعد حزب البعث. حتى العملية الديمقراطية وآلية الانتخاب في إطار البينة الطائفية نفسها سوف لن تكون مثمرة إطلاقاً، فهناك شواهد تاريخية في هذا المجال تؤكد احتفاظ الدولة ببيئتها رغم التغيير في رأس السلطة، فمثلاً ما الذي تغير عندما جاء السيد محمد باقر الصدر أو صالح جبر رئيساً للوزراء، وما الذي تغير عندما كان وزير المعارف شيعياً، وما الذي تغير عندما كان رئيس مجلس الأمة شيعياً؟ فلم ولن يتغيّر النظام، إذ يبقى طائفياً سنياً لو جاء رئيس جمهورية شيعياً، ويبقى قومياً عربياً لو جاء رئيس جمهورية كردياً. لأن البينة الطائفية القومية مترسّخة بقوة ومقننة في السياسة والجغرافية والاقتصاد والثقافة ووسائل الإعلام والمناهج الدراسية وقوانين الأحوال المدنية وفي كل زاوية من زوايا المجتمع السياسي الرسمي. والأهم من كل ذلك أنها مترسّخة في عقل السياسيين المحترفين، فإذا رئيس مجلس وطني أو زير أو رئيس وزراء بشيعي فإنه يفكر بعقل طائفي سني، ولن يكون متوازناً أبداً، بل ربما يكون أكثر سنية من المسؤول السني نفسه، وهكذا المسؤول الكردي، فإنه سيفكر بعقلية القومي العربي، رغم أن الأكراد والشيعة هم الأكثرية الساحقة (82% كما ذكرنا). ولا يفهم من هذا أننا ندعو إلى لقيام الدولة الطائفية الشيعية، بمعنى الطائفية السياسية، كما كان الحال في إيران الشاه. فالدولة الإيرانية حتى قيام الثورة الإسلامية كانت طائفية سياسية، رغم ابتعادها عن الدين والمذهب الشيعي، ولكنها بعد الثورة أصبحت مذهبية، أي بمعنى أنها تتبع أحد المذاهب الفقهية الإسلامية، تتعد لها وتبقي دستورها وقوانين وفقهاء، والفرق كبير وأساسي بين الاتجاهين. بل الدعوة للتغيير المتكامل في البنية القانونية والفكرية للدولة العراقية، لصالح نظام سياسي عادل متكافئ يكون من الناحية القانونية مبنياً على الأسس التشريعية التي تقرها الأكثرية. وبخلاف ذلك فإن المعركة ستُستأنف بين الشعب العراقي والنظام السياسي الطائفي، وستظل مستقلة، وستبقى دون ؟؟؟؟ تزعزع استقرار البلد، وتضرب مصالحه في الصميم، وتهدد وحدة المسلمين بطوائفهم وقومياتهم، حتى قيام عراق جديد «تحكمه عدالة الإسلام، وتسوده كرامة الإنسان، ويشعر فيه المواطنون جميعاً على اختلاف قومياتهم ومذاهبهم بأنهم إخوة... يساهمون جميعاً في قيادة بلدهم، وبناء وطنهم، وتحقيق مثلهم الإسلامية العليا» كما يقول السيد الشهيد محمّد باقر الصدر».

أضف تعليق


كود امني
تحديث

الى الاعلى