قراءة 55 مرات

علي المؤمن في كتاب شخصيات ومواقف

18 / آذار / 2009 تأليف محمد زكي

في السنوات التي شهدت تصاعد المد الفاشي في العراق، واستشراء موجات القمع المنظم. كانت الإشاعات هي المصدر الوحيد، الذي يثق به الناس، في الحصول على المعلومات. أما وزارة الإعلام، التي أوكلت لها مهمة الترويج للديكتاتورية، فلم تكن قادرة على مجاراة هذه الإشاعات، أو الحد منها، لسبب بسيط هو أنها لم تكن تملك سلطة القرار وكانت أداة مجردة من الحس والضمير والوطنية.. لا غير!

والذين اضطلعوا بمهمة أرخنة تلك الحقبة العجفاء يجدون أنفسهم وجهاً لوجه أمام فجوات تاريخية، لم يجر تدوينها بأي شكل من الأشكال. فقد سعت الأجهزة الأمنية آنذاك للتعتيم عليها وشطبها من الذاكرة الجمعية وتحول الزمن، بكل ما يمتلكه من مدلولات علمية وأخلاقية، إلى مجرد فراغ كوني مفعم بالعدمية حتى لم تعد هناك بارقة أمل يمكن أن يتحسس بها الإنسان جدوى وجوده في هذه الحياة.

وفي الجانب الآخر، كان هناك ثمة أشخاص يكتبون الحقائق التي خبروها بأنفسهم. أو أتيح لهم معرفتها بوجه من الوجوه متحررين من القيود التي فرضتها عليهم سلطة البعث، أو الأكاذيب التي روجتها وزارة الإعلام، كان هؤلاء، الذين عاشوا في المنافي سنوات طويلة، يكتبون تاريخ العراق بكل شجاعة. ويسردون الحوادث كما هي. أملاً في أن يأتي اليوم، الذي يسمح لهذه الكتابات أن تجد طريقها إلى العراق.

من هؤلاء الدكتور علي المؤمن النجفي الذي قيض له أن يكون شاهداً على الكثير من الحوادث الدامية، أواخر السبعينات. والذي احتفظ بعلاقات واسعة مع رجال المقاومة، بعد مغادرتهم العراق. فكانت حصيلة ذلك كتاباً ضخماً أصدره بعنوان سنوات الجمر ضمنه الكثير من الأخبار والأسماء والوقائع والملابسات التي لم يكن مسموحاً لها أن تطرق السمع إلا عن طريق الإشاعات.

كان الأستاذ علي المؤمن في التاسعة والعشرين من عمره عندما أصدر كتابه (سنوات الجمر). ولم يكن هذا الكتاب رواية غرامية أو مجموعة شعرية أو سلسلة مقالات عن الغذاء المتوازن حتى يستطيع مؤلفه أن يخرجه بهذا الوقت المبكر. ولكن الكتاب كان واحداً من أخطر ما كتب عن الحركات السياسية في العراق الحديث، فهو يتناول مسيرة الحركة الإسلامية بين عامي 1957 ـ 1986. وبالطبع فإن المقصود بالحركة الإسلامية هو حزب الدعوة الشهير الذي قاد النضال السياسي في العراق أثناء سيطرة حزب البعث على مقاليد السلطة فيه. وكان من المحال على مثل هذا الكتاب ـ صدر عام 1993 ـ أن يجد طريقه إلى المكتبات العراقية. فبقي في حوزة الذين غادروا العراق إلى المنفى، وربما تسربت نسخ قليلة منه إلى الداخل. ولكن الكتاب وصاحبه بقيا مجهولين بالنسبة للرأي العام العراقي. ولم يجر التعرف عليهما إلا بعد الإطاحة بالنظام الدكتاتوري عام 2003 حيث أصبح المجال مفتوحاً للنفوذ إلى السوق العراقية.

ولم أستطع أن أتبين أثناء وجودي مع المؤلف في ما إذا كان قد وضع الكتاب بناء على رغبة شخصية أو يطلب من زعماء الحركة. إلا أن من الثابت ـ وحسب ما جاء في مقدمة الطبعة الأولى ـ أنه جاء نتيجة المتابعة المتواصلة لمسيرة الحركة والحوار المباشر مع كثير من روادها. كما أنني لم أعرف على وجه القطع الحقبة الزمنية التي تعرف فيها المؤلف على وجه الحركة وزعمائها المنفيين. فقد كان من غير المعقول بسبب صغر سنه أن يكون عضواً فاعلاً فيها وهي التي علقت نشاطاتها عملياً في منتصف الثمانينات. ولكن هذا الأمر يعطي للأستاذ المؤمن ميزة الريادة لكونه تقحم مجالاً كان يعد حتى وقت قصير ضمن قائمة المحرمات.

وليس من السهل على أي كاتب أن يلم بالتفاصيل التي وردت في الكتاب دون أن تكون له فضيلة الحظوة لدى قادة الحركة الأولين. فالنظام الحاكم لم يتطوع لكشف أوراق أي محاولة انقلابية ـ وقد عد الكاتب منها خمس عشرة ـ ولم يجرؤ على نشر أسماء المعدومين بعد موجة الاعتقالات الواسعة التي طالت صفوف الحركة ولم تنشر أية معلومات عن القادة الميدانيين الذين أخذوا على عاتقهم التصدي للنظام. وهذا ما قام به الأستاذ المؤمن بكل شجاعة وجرأة. على أن هناك الكثير من المعلومات التي مازالت طي الكتمان ولم يجر التصريح بها من قبل زعماء الحركة لأسباب أمنية. أما الآن وبعد سقوط نظام صدام حسين وتقديم رؤوسه للمحاكمة فإن معلومات من هذا النوع أصبحت مهوى أفئدة الكتاب والباحثين والقراء. وربما ستشهد السنوات المقبلة تطوع عدد من قادة الحركة لنشر مذكراتهم عن هذه الحقبة السوداء وتبيان آرائهم فيها. سيما وأن حزب الدعوة مارس العمل السري وتمسك بالحفاظ على كثير من الأسماء التي شاركت فيه. وستكون هذه المذكرات إذا ما دونت إضافة مهمة لما كتب عن تاريخ العراق في حقبته المظلمة الأخيرة. وستكشف الستار عن كثير من الحوادث التي حاول الجهاز الإعلامي للدكتاتورية حرفها عن مسارها الصحيح. وحتى تخرج هذه المذكرات إلى العلن فإن علي المؤمن سيظل مؤرخ الحركة الأول، ويظل كتابه سنوات الجمر المصدر الرئيسي للباحثين.

ومن الأسرار التي لم يستطع العراقيون فهمها في تلك المرحلة الانشقاقات الحاصلة في جسم الحركة. وبروز أكثر من تنظيم يحمل اسم الدعوة الإسلامية. وفي ما يبدو فإن هذا الموضوع مرشح للظهور في الجزء الثاني من الكتاب الذي اختار له المؤلف اسم سنوات الرماد. ولم يستطع نشره (لأن الواقع لم يتعود لغة الحوار التي يكون فيها النقد حراً والتقويم علمياً والرأي مباحاً ما لم يمس مقدساً). ويبرر الكاتب تسمية الكتاب بسنوات الرماد لأنها كانت بالفعل سنوات تراجع وانحسار لم تستطع فيها الحركة أن تحقق أهدافها التي عملت من أجلها ثلاثين عاماً كاملاً. وبرزت بدلاً عنها قوى جديدة حاولت إسقاط الدكتاتورية بالتحالف مع المجتمع الدولي. وعادة فإن الانشقاقات التي تطال الأحزاب السياسية تحدث في زمن الضعف وتؤدي إلى خلخلة البنيان التنظيمي فيها. وقد تحدث المؤلف عن وجود خلافات في القيادة العامة للحزب أفرزت ثلاثة محاور يمثل الأول منها الفقهاء محمد مهدي الآصفي وكاظم الحائري ومرتضى العسكري بدعم من السيد محمد حسين فضل الله والشيخ محمد علي التسخيري. ويضم هذا المحور الجماعة التي احتفظت بالتنظيم الأصلي للحزب من أمثال إبراهيم الجعفري وهاشم ناصر محمود على الرغم من انسحاب الفقهاء الخمسة في وقت لاحق. أما المحور الثاني فيمثله محمد هادي السبيتي([1]) والشيخ علي الكوراني ويضم كوادر خط البصرة الذي تزعمه في ما بعد عبد الزهرة عثمان([2]) باسم حركة الدعوة الإسلامية. وبقي الخط الثالث على الحياد لكونه يمثل قياديين غير عراقيين. وربما يكون مؤتمر القواعد الذي عقد في كانون الأول 1980 في طهران أول محاولة لحسم الخلاف بين المحورين الأول والثاني وتقرر فيه إجراء انتخابات للقيادة العامة وهو ما رفضه محور السبيتي ـ الكوراني. الأمر الذي أدى إلى استبعاد بعض القيادات التاريخية المحسوبة على هذا المحور. وقد تمخضت الانتخابات التي جرت في شباط 1981 عن أول قيادة عامة للحزب تضم 12 عضواً منهم الآصفي والجعفري والحائري وآخرون. في ما انسحب مرتضى العسكري من التنظيم. وأدى تشكيل حزب الله في لبنان عام 1982 إلى انسحاب الأعضاء اللبنانيين منه. واستقلت بعض القيادات المحلية للأقاليم بتنظيمات خاصة منها تنظيم العراق الذي أصبح منافساً قوياً للتنظيم الأصلي، رغم خروج الأعضاء غير العراقيين منه.

إن تأريخ حزب الدعوة الإسلامية في تلك الحقبة الدامية يمثل أصدق تمثيل نضال العراقيين من أجل التحرر. ولا شك أن دراسة معمقة ليوميات الحزب ستسهم في إعادة النظر بكثير من الأمور التي كانت تعد حتى وقت قريب من المسلمات. وإذا كان الكثيرون يعتقدون أن تلك الحقبة هي حقبة البعث فإنني أزعم أنها كانت أيضاً حقبة الدعوة. وإذا كان كثير من الانتهازيين ومحبي السلطة قد انضموا لحزب البعث وانتقلوا للصف المعادي للشعب، فإن عدداً لا يستهان به من الشبان رفضوا هذه الظاهرة وأقسموا على محاربتها بكل ما أوتوا من قوة. وأدى الأمر إلى صدور قرار من الدكتاتور بإعدام كل من تثبت صلته بحزب الدعوة بأثر رجعي، وهو قرار ليس له مثيل في تأريخ المنطقة والعالم. وبسبب ذلك أعدم عشرات الألوف من الشبان وعوملت أسرهم حتى الدرجة الرابعة بحسب ما ينص عليه تعريف ذوي المجرمين فأبعدوا عن الوظائف ومنعوا من السفر وجردوا من كافة حقوقهم المدنية. بل أن كثيراً من هذه الأسر وضعت في معتقلات خاصة ولم يفرج عنها إلا بعد سنوات طويلة.

إن دراسة هذه الحقبة لا يمكن أن تكتمل دون الإحاطة بنشاطات حزب الدعوة وموقف المرجعية الدينية والعلماء والسياسيين منه. ولا يمكن أن تنفصل عن الحوادث التاريخية الكبرى التي جرت في المنطقة والعالم كقيام الثورة الإسلامية في إيران وانفراد صدام حسين بالسلطة ونشوب الحرب بين العراق وإيران بعد ذلك بقليل.

ومما يجدر ذكره أن حزب الدعوة الإسلامية عانى تغييرات هامة في أيديولوجيته في عقد التسعينات بعد فشل انتفاضة 15 شعبان. وكان من أسباب ذلك كثرة الانشقاقات الحاصلة في صفوفه وخلافاته مع المجلس الأعلى للثورة الإسلامية بقيادة محمد باقر الحكيم وانحسار دوره في الداخل. وأدى ذلك إلى جعله أكثر انفتاحاً على الأحزاب والتيارات السياسية الأخرى. وحملته على تبني الخيار الديمقراطي. غير أن الجناح الذي يقوده الجعفري بقي على سياسته المتشددة حيال التدخل الأميركي في العراق حتى اللحظة الأخيرة، ولم يشارك في المؤتمرات التي عقدتها المعارضة في الخارج. لكنه سارع إلى المشاركة في مجلس الحكم الانتقالي والحكومة المؤقتة بعد سقوط الدكتاتورية. ورأس الجعفري أول حكومة انتقالية ثم أعقبه نوري المالكي بتشكيل أول حكومة دائمية منتخبة وحظي كلاهما بتأييد واسع النطاق في الداخل.

وإذ ينتهي علي المؤمن من كتابة تاريخ الحركة الإسلامية العراقية وينتهي إلى نتائج بالغة الأهمية لم يكن بالإمكان التوصل إليها لولا مثابرته وصبره، فإنه ينتقل بهدوء تام لدراسة النظام الإسلامي في إيران ويحاول إعطاء صورة واضحة عن بنيته الأساسية عبر مقارنته بسواه من الأنظمة المعروفة. يساعده في ذلك إلمامه بالفارسية التي دونت بها معظم المصادر الأصلية، والتي أتقنها بعد هجرته من العراق في وقت مبكر من حياته. ولم يكتف بوضع النظام الإسلامي على طاولة التشريح مبيناً ما يمتلكه من مؤسسات دستورية وامتدادات شعبية. بل يقوم كذلك بدراسة مدى مطابقته للمتطلبات الشرعية. وإذا ما علمنا أن هذا النظام يستند في الأساس إلى نظرية ولاية الفقيه التي صاغها الإمام الخميني أثناء إقامته في النجف، واعتمدها الدستور الإيراني عام 1979، فإن من الطبيعي أن نجد في هذا النظام اختلافاً عن سواه من الأنظمة الدينية والعلمانية. إلا أن كثيرين ممن أعجبوا به وسعوا إلى الوقوف على تجربته لم يدركوا بعد مواطن الالتقاء والافتراق بينه وبين الأنظمة الأخرى. وهذا ما أوجد وجهات نظر متباينة بشأنه.

ومن سوء حظ الجمهورية الإسلامية التي أقام صرحها الإمام الخميني أنها تعرضت لحرب طاحنة بعد عام ونصف من قيامها من جانب الحكومة الدكتاتورية في العراق. في الوقت الذي كان فيه العراقيون ـ وخصوصاً الشيعة منهم ـ ينظرون إليها بإعجاب شديد لأنها تعني بشكل لا لبس فيه انتقال النظرية الإسلامية السياسية إلى دائرة الفعل بعد طول مكابدة ومعاناة. وتبين في ما بعد أن الحرب لم توقف جهود القادة الإيرانيين ولا سيما الإمام الخميني في إرساء أسس الدولة وقيام نظام قوي قادر على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية. وخلال تلك الحقبة كانت المنطلقات النظرية تتسع شيئاً فشيئاً والممارسات الفعلية تزداد متانة ورسوخاً. ولا عجب أن وجدنا خطب الإمام الخميني الغزيرة تحيط بجوانب الموضوع وتضفي عليه طابعاً خلاباً.

ومن جهة أخرى فإن الحرب التي أراد لها صدام حسين أن تجهض النظام الجديد وتحول دون امتداده إلى دول الجوار، عملت على ازدياد التلاحم الشعبي، والتفاف المجتمع الإيراني حول قيادته. ولم يكن بالإمكان تخيل حدوث ذلك في مدة زمنية قصيرة. فقد اندلعت الاضطرابات عقب الإطاحة بنظام الشاه بشهور قليلة، ومنح تفكيك الأجهزة الأمنية فرصة غير مسبوقة لكل من هب ودب لفرض هيمنته على الشارع. غير أن القوى التي أطاحت بالنظام بقيت منضبطة بشكل واضح ولم تنجر إلى صراعات جانبية([3]). وخالفت المؤسسة الدينية التوقعات عندما ظهر من بينها رجال دين من ذوي الاتجاهات المعارضة. وكان الإمام الخميني حازماً تجاه هؤلاء فعمل على تحجيمهم بطريقة لائقة. ومن بينهم مجتهدون كبار مثل كاظم شريعة مدار وحسين منتظري وآل شبير الخاقاني. وفي ما دافع الإيرانيون عن بلادهم بكل شجاعة وتمكنوا من إزاحة القوات الدكتاتورية خارج الحدود فإن استثمار حال التعبئة ساهم في إطالة أمد الحرب ومنع القيادة الإيرانية من الاستجابة لمساعي السلام الدولية. الأمر الذي حمل القوى الكبرى على الانحياز للجانب العراقي وجعلها تتدخل لصالحه. ومن دون شك فإن الإصرار على مواصلة الحرب كان خطأً فادحاً أضر بالشعبين الإيراني والعراقي. ولكن الأيام أثبتت أنه لم يكن في صالح النظام الدكتاتوري أيضاً. وظهر ذلك بوضوح عقب انتهاء الحرب وإعلان إفلاس العراق التام. وتلا ذلك غزو الكويت في محاولة للاستيلاء على ثرواتها الضخمة مما أثار حفيظة المجتمع الدولي ودفعه لشن حروب ضروس لطرد الجيش العراقي منها وإعادة الأمور إلى ما كانت عليه. ومن ثم المباشرة بعزل النظام العراقي عن الأسرة الدولية حتى سقوطه عام 2003. ويمكن القول أن حرب الثماني سنوات بين العراق وإيران ارتدت على النظام العراقي ومنحت الحكومة الإسلامية قوة إضافية. إلا أن الخسائر التي تكبدها الشعبان الجاران كانت قاسية جداً. ومن المحتمل أن تبقى آثارها شاخصة لوقت طويل.

وعلى أية حال فإن الوضع لم يبق على ما هو عليه بعد وفاة الإمام الخميني عام 1989 وانتخاب السيد علي خامنئي لخلافته من قبل مجلس الخبراء الذي يضم 75 شخصية دينية منتخبة انتخاباً مباشراً من قبل الشعب. وقيل في حينها أن انتخاب ولي الأمر من الناحية العملية ينحصر في خمسة مواضع هي المرجع الكفء، والمجتهد الكفء، والمرجع غير الكفء، والمجتهد غير الكفء، والمؤمن العدل الكفء. ولتعذر الحصول على الأول فقد اتجهت الأنظار إلى الثاني وهو الخامنئي. وكان مجلس الخبراء يضم في صفوفه حينئذ خمسة عشر من كبار أساتذة البحث الخارج. في حين كان المراجع الأربعة الكبار غير قادرين من الناحية العملية على تولي المهمة بسبب تقدمهم في السن. واستبعد المنتظري من المنافسة في الشهور الأخيرة من حياة الإمام الخميني بسبب خلافات عقائدية. وهكذا عقدت البيعة لعلي خامنئي وهو في نحو الخمسين من عمره. وقد أتاح ذلك للشيخ هاشمي رفسنجاني أن يبسط سيطرته الكاملة على الدولة بعد انتخابه لرئاسة الجمهورية. ولكن الأمور لم تبق طويلاً على هذا النحو، فاستعاد خامنئي سيطرته المطلقة على الأوضاع في البلاد خلال ولاية الرئيس خاتمي.

إن انتخاب ولي فقيه شاب كان خطأً تاريخياً لم تلتفت إليه النخبة الحاكمة في إيران. فمن المحتمل أن يبقى هذا «الولي» مدة طويلة متربعاً على كرسي الرئاسة، وقد تصل هذه المدة إلى أكثر من ثلاثين عاماً. وفي هذه الأثناء فإن متغيرات كثيرة تطرأ على الساحة الدولية تتطلب استجابة سريعة يعجز الولي الحالي عن اتخاذها بسبب طول بقائه في السلطة. صحيح أن الدستور الإيراني المعدل يبيح تنحية الولي الفقيه إذا اختل عنده أحد الشروط ولا سيما الاجتهاد والعدالة والكفاءة الإدارية إلا أن من الواضح أن عدم الانسجام الفكري مع الظروف الدولية لا يدخل ضمن هذه الشروط. وأن الولي الفقيه سيبقى في منصبه مدى الحياة حتى لو أدى ذلك إلى إدخال البلاد في أزمات سياسية. ومن الأمثلة على ذلك أن الإمام الخميني جعل من العداء للولايات المتحدة أيديولوجية سياسية بسبب دعمها اللامحدود للنظام الشاهنشاهي، وتساهلها معه في اضطهاد الإيرانيين وحكم البلاد بطريقة استبدادية. إلا أن هذه الأمور لم تبق على ما هي عليه بعد أربعة وعشرين عاماً من الثورة حينما فتكت الولايات المتحدة بأعداء إيران التقليديين (طالبان، صدام حسين، مجاهدين خلق) وهذا ما لم يلتفت إليه الولي الفقيه الحالي أو يعره أدنى اهتمام بسبب عدم قدرته على تخطي ظاهرة الإمام الخميني. ولما كان هذا الأمر يدخل في باب السياسة العامة ولا يندرج ضمن القضايا العقائدية أو الدستورية فإن توخي مصلحة إيران والمنطقة يقتضي من رئيس الدولة الإسلامية ـ أو الولي الفقيه ـ أن يكون حذراً في تعامله مع هذا الملف وأن يسدل الستار عليه. سيما وأنه يستخدم الآن على نطاق واسع لدعم الإرهاب الدولي. ولما كان الشيعة الذين يشكلون الغالبية العظمى من سكان إيران هدفاً أساسياً لهذا الإرهاب، فإن من مصلحة إيران الآن أن تضع نفسها في مقدمة الدول المعارضة له. ومن الغريب أن العراقيين الشيعة يعانون الأمرين من هذه الظاهرة في حين ما تزال إيران تعتقد أن الولايات المتحدة تقف وراءها، وتطالب بسحب قواتها المرابطة على أرض العراق. وهي تدرك أن ذلك يعني تسليم رقاب الشيعة للإرهابيين. وفي رأيي أن إيران إذا ما أرادت الخروج من العزلة فعليها أن تراجع رأيها في مسألة الولي الفقيه أو تقوم بتغيير الولي الحالي واستبداله بشخص آخر أكثر انفتاحاً وعقلانية([4]).

إن الجرأة في مناقشة هذه الأفكار ما تزال تنقص النخبة الإيرانية. فهي إما أن تؤيد السلطة وتبرر أخطاءها، أو تعارضها معارضة تامة. وبسبب ذلك لم نسمع عن انتقادات توجه لإدارة السيد علي خامنئي بوصفه رئيساً للدولة وليس كفقيه يحظى بالتبجيل. لأن الخلط بين الاثنين يقود إلى مسائل غاية في الخطورة والخصوصية. وفي حفل التوقيع الذي أقيم في بيروت يوم الحادي والثلاثين من آذار 2004 لكتاب الأستاذ علي المؤمن المرسوم النظام السياسي الإسلامي الحديث طرح الدكتور طلال عتريسي جملة تساؤلات تقترب من هذا المضمون غير أنه لم يتمكن من توجيه النقد للقيادة الحالية لأن المقام لم يكن مناسباً. وأعتقد أن الأستاذ علي المؤمن الذي وضع كتابه هذا بالتعاون مع جهات رسمية إيرانية لم يكن قادراً على التطرق لمثل هذه المواضيع. واكتفى بشرح نظام الجمهورية الإسلامية الحالي عبر مقارنته بسواه من الأنظمة المعروفة في العالم. مبيناً للملأ أن هذا النظام هو إضافة جديدة للفقه الدستوري العالمي، بسبب تبنيه لنظام رئاسة الدولة ورئاسة الجمهورية في آن واحد.

ولا بد من التنويه أن علي المؤمن (مواليد النجف 1964) كاتب غزير الإنتاج. فقد أصدر حتى عام 2004 ثمانية كتب ابتدأها بكتابة (سنوات الجمر) الآنف الذكر ثم أعقبه بـ(المسألة الطائفية في الإسلام) و(النظام العالمي الجديد: التشكل والمستقبل) و(نظام الإدارة الحكومية في الإسلام: ترجمة) و(الإسلام والتجديد: رؤى في الفكر الإسلامي المعاصر) و(الغزو الطائفي في مواجهة المشروع الحضاري الإسلامي) و(الفقه والسياسة: تطور الفقه السياسي الإسلامي) وأخيراً (النظام السياسي الإسلامي الحديث: إشكاليات الاقتباس من الأنظمة السياسية الوضعية). ومن عناوين هذه الكتب يتبين لنا أنه متخصص في الشأن الإسلامي فلم ينشغل بهمّ غيره ولم يول وجهه شطر سواه لأنه يحمل في أعماقه مشروعاً ثقافياً إسلامياً مميزاً. وقد ظهر ذلك جلياً في العديد من المراكز البحثية التي شغلها في حقبة وجيزة من عمره فكان مديراً لمؤسسة التوحيد ومديراً للمركز الإسلامي للدراسات المستقبلية ومديراً للبرامج في التلفزيون الإيراني في لبنان. ولا شك أن السنوات المقبلة بالنسبة له ستكون حافلة بالإنجازات الفكرية بعد أن خطاً في سبيل ذلك خطوات سريعة وجريئة لم يسبقه إليها ـ على حد علمي ـ أحد من الباحثين.

إنني أستطيع بناء على معرفتي بالأستاذ علي المؤمن أن أؤكد أنه ليس مجرد مؤرخ عادي يجمع الأخبار وينتقي المعلومات ليخرج منها بحصيلة ترضي طموح القارئ وتشبع نهمه للمعرفة فحسب. بل إنه يكتب من تجاربه الشخصية التي خبرها في حياته ولم تتوفر لآخرين غيره. وهذه ميزة تضاف إلى ميزاته الكثيرة، لا سيما تخصصه النادر في شؤون النظام السياسي الإيراني. ذلك أن المكتبة العربية لم تستطع أن تساير الرغبة الملحة عند الباحثين والمهتمين والقراء العاديين للاطلاع على هذه التجربة الرائدة في موضوع الإسلام السياسي.

ومما يؤسف له أن علي المؤمن لم يستطع بعد كتابه سنوات الجمر من الولوج إلى الشأن العراقي. مع أنه ظل طوال سنوات النفي التي قضاها في إيران ولبنان مشدوداً للقضية العراقية ومدافعاً عنها. ولو لم يكن له في هذا الشأن إلا كتابه سنوات الجمر المشار إليها آنفاً لكفاه ذلك إيثاراً للعراق واهتماماً فيه. ولكن الأمل معقود في أن تتمكن العقول المهاجرة التي شردها النظام البائد من العودة من جديد إلى العراق فهو أحوج ما يكون إلى أبنائه المخلصين الذين أخلصوا له في سنوات المحنة.

 

* شخصيات ومواقف ـ تأليف: محمد زاكي ابراهيم ـ بغداد ـ الطبعة الأولى 2009/ الناشر دار الكتاب العربي

الإحالات

(1)المهندس محمد هادي السبيتي (لبناني الجنسية) كان أحد أقطاب حزب الدعوة الأساسيين. وقد عمل بعد انسحابه من الحزب في الأردن. ثم سلمته الحكومة الأردنية إلى نظام صدام حسين الذي قام بإعدامه في ما بعد.

(2)الأستاذ عبد الزهرة عثمان (عز الدين سليم) القيادي المعروف في حزب الدعوة أصبح عضواً في مجلس الحكم الانتقالي في العراق بعد الإطاحة بنظام صدام حسين الدكتاتوري عام 2003 فرئيساً دورياً له. استشهد في انفجار إرهابي قام به انتحاري من جماعة القاعدة الإرهابية في أيار 2004.

(3)من الصعب تصور ما كانت ستؤول إليه الأوضاع في إيران لو لم يشن صدام حسين الحرب عليها. فخلافاً لما كان يتوقع أصبحت الجمهورية الإسلامية أكثر تماسكاً وقوة. ولم يزدها الخراب الذي ألحقه بها جيشه إلا تصميماً على مواصلة القتال. وهذا ما اتضح بعد جلاء القوات العراقية من الأراضي الإيرانية عام 1982 حيث رفض الإيرانيون طلب العراق بإيقاف الحرب.

(4)ليست هناك وسيلة لعزل الولي الفقيه من الناحية العملية إلا في حالي المرض والوفاة. فالتقدم في السن يعد مزية مهمة للفقيه، تحسب لصالحه على الدوام. ولا يتمتع الفقهاء الشبان بنفس الاعتبار الذي يتمتع به زملاؤهم المسنون، رغم أن السن لا يدخل ضمن شروط الأعلمية. وقد قوبل اختيار السيد علي الخامنئي بالاستغراب بسبب صغر سنه، مع أنه يتمتع بكثير من الاحترام وسط زملائه من رجال الدين.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

الى الاعلى