قراءة 198 مرات

عرض كتاب النظام السياسي الإسلامي الحديث

19 / آذار / 2004 ـــ

عرض كتاب النظام السياسي الإسلامي الحديث وإشكالية الاقتباس من الأنظمة الوضعية

تأليف: الأستاذ د. علي المؤمن

الناشر:مركز دراسات فلسفة الدينبالتعاون مع دار الهادي، بيروت 2004م.

     الكتاب الذي بين يدينا هو أقرب إلى الدراسات المنهجية الفكرية منه إلى دراساتعلم الاجتماع السياسي، برغم أن المؤلف حاول في معظم الفصول أن تكون المقارباتالمنهجية الفكرية مداخل لقضايا ذات صلة وثيقة بالاجتماع السياسي، عدا عن الفصلينالأول والثاني، اللذين اقتصرا على المقاربات المنهجية التي تعبر عن الاستنتاجاتالفكرية التي تبناهالكاتب، وأسقطها على النماذج الاجتماعية السياسية التي عرضها في الفصول الأربعةالتالية.

وتأتي أهمية الكتاب والموضوع الذي يطرحه، باعتباره دراسة علمية تناولت إشكالياتقديمة – جديدة في الفكر السياسي الإسلامي ولكن بخطاب جديد. والأهم من ذلك أنهاأخضعت تجربة الاجتماع السياسي الإيراني الحالية للنقد والتقويم باعتبارها النموذجالذي طرحه الكاتب للمقارنة مع ما يطرحه الفكر السياسي الوضعي، وتحديد الفكرالديمقراطي والفكر الثيوقراطي والفكر التوتاليتاري.

     والحقيقة أن الإشكاليات التي يقدمها الأستاذ علي المؤمن تمثل – بالأصل – محاورالخلاف الفكري بين التيارات السياسية المتنافسة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية،ولاسيما ما يعرف بالمحافظين والإصلاحيين. وهو الخلاف النظري ذاته الذي ظل قائماًمنذ نهايات القرن التاسع عشر الميلادي وحتى الآن. ولكن هذا الخلاف أخذ طابعاًمختلفاً على الصعيدين النظري والعملي بعد قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، علىاعتبار أن هذه التجربة هي أول تجربة حكم إسلامي حديث مبني على نظرية فقهية، أي إنهذه التجربة هي أول تجربة حكم إسلامي حديث مبني على نظرية فقهية، أي إن هذه التجربةوضعت الإسلاميين على المحك الحقيقي حيال التحديات النظرية والعملية الكبيرة التيفرضها واقع التطبيق . وفي مقدمة هذه التحديات آليات ممارسة السلطة في النظامالسياسي الإسلامي وما يترشح عنها من أداء. ومن هنا حاول البحث الذي نقدمه للقراء أنيحلل إشكالية التشابه بين جذور الفكر السياسي الإسلامي والفكر الثيوقراطي وأنظمته،وكذلك إشكالية التشابه بين آليات ممارسة السلطة في النظام الإسلامي والأنظمةالديمقراطية التقليدية، والتوقف عن مساحات الاشتراك والافتراق بين الأنظمة الثلاثةالمذكورة، وصولاً إلى قياس مستوى مشاركة الشعب في القرار السياسي للدولة بمقياس الثيوقراطيةوالديمقراطية والشورى الإسلامية. كما حلل الباحث نوعية الواقعية والعملانية التياضطرت النظام الإسلامي الحديث في إيران لاقتباس بعض القواعد والآليات من المذاهبوالأنظمة السياسية الوضعية، في إطار ما أسماه بـ«التأصيل» و«الأسلمة»، على صعيدالفقه السياسي والنظام السياسي والقانون الدستوري.

موضوعات البحث

     أكد الباحث في المقدمة ان جهة البحث في المجالات التطبيقية تنحصر في المعالجةالعملية لتجربة النظام السياسي في إيران كشفاً وتقويماً ومقارنة، مع عدم التطرق إلىالممارسة السياسية اليومية للنظام، أي التركيز فقط على ما يمكن اعتباره ظواهرسياسية. وإضافة إلى المقدمة، هناك ستة فصول ونتائج تشكل بمجموعها هيكل البحث. يمثلالفصل الأول مدخلا منهجياً للبحث، حيث يتناول الخصوصيات المنهجية ذات العلاقةبالنظام السياسي الإسلامي الحديث، ومنها ما يرتبط بالفقه السياسي القديم وإشكاليةوضعه مرجعية للواقع، وإمكانية التحول في الفقه السياسي في إطار عملية تأصيل جديدة،ليكون التجاذب بين الواقع والتنظير سبباً في ملء الفراغات التنظيمية والقانونية فيالنظام الإسلامي الحديث كما يقول الباحث. ويطرح الفصل الأول أيضا قضية مهمة ترتبطبالإشكاليات المنهجية التي تواجهها بحوث الاجتماع السياسي الإسلامي، نظير النموذجيناللذين يفرضان التجربة الغربية (التاريخية والمعصارة) في الحكم أو التجربةالإسلامية التاريخية في الحكم كمعايير لتقويم التجربة الإسلامية الجديدة في الحكم،إذ يرفض الأستاذ علي المؤمن هذه المنهجية المعيارية لأن التقويم سيكون مفصلاً علىمقاسات العقل الغربي أو موروث المسلمين.

    ويشكل الفصل الثاني الإطار النظري للبحث، ويعالج موضوعات أساسية ففي الفكرالسياسي الإسلامي على جانب كبير من الأهمية، كالمعايير الفكرية الإسلامية فيالتعامل مع التجارب البشرية وما يمكن أن يترشح عن هذا التعامل من قطيعة أو اقتباسبالمطلق أو تعامل متوازن يتسم بالأصالة والانفتاح الشرعي، ويؤكد الباحث في هذاالفصل على ان أنظمة البلدان الإسلامية هي أنظمة انتقائية، فهي أنظمة إسلامية معلمنةأو علمانية متدينة. ويفرز أيضاً حيزاً لدراسة جدلية العلاقة بين الفكر والواقعوخصوصية البيئة الاجتماعية وما يترشح عنها من مشروع حضاري، الأمر الذي يؤكد – كمايقول الباحث- ان كل نظام اجتماعي هو ولادة بيئة تنتجه عبر مخاضات تاريخية وتراكمللفكرة وللخبرة.

     الفصل الثالث يختص بموضوع النظام الثيوقراطي، وبعد التوقف عند مفهوم الثيوقراطيةيستعرض محاور تعارض الثيوقراطية مع النظام الإسلامي، كالمبنى النظري وآليات التطبيقوموقع المؤسسة الدينية ورجال الدين، ثم يطرح نقطة اللقاء بين النظامين الإسلاميوالثيوقراطي، والتي ترتبط بجذور السيادة والمشروعية، وهي شبهة لقاء أكثر من كونهامساحة اشتراك حقيقية كما يقول الباحث.

     ويخصص الكتاب فصلين لموضوع تعارض النظامين الإسلامي والديمقراطي وتشابههما،بالنظر لسعة الموضوع وعمقه، ففي الفصل الرابع بحث الكتاب محاور تعارض الديمقراطيةمع النظام الإسلامي، كالسيادة والحاكمية، التشريع والتقنين، وهيكل النظام السياسي. فيما ركز الفصل الخامس على محاور لقاء الديمقراطية بالنظام السياسي الإسلامي،وأهمها: المفهوم العام للجمهورية، الفصل بين السلطات، سيادة القانون، الحقوقوالحريات العامة، الحقوق والحريات السياسية.

     طرح الفصل السادس خيار الشورى، وبحثه من خلال جملة من الموضوعات، أبرزها: دورالأمة في النظام الإسلامي، موقع الشورى في النظام الإسلامي، مجالس الشورى في النظامالإسلامي، الاستبداد على وفق الأنظمة الثلاثة: الثيوقراطية والديمقراطيةوالإسلامية، ومعالجة دستور الجمهورية الإسلامية لظاهرة الاستبداد.

النتائج التي خرج بها البحث

تتلخص النتائج التي خرج بها البحث في مجموعة من الأفكار التي عبر عنها الباحثبالحقائق، وأبرزها:

1ـ ان البشرية تمتلك العديد من الخيارات على مستوى النظام الاجتماعي – السياسي،فرفض خيار الديمقراطية لا يعني قبول خيار الدكتاتورية، ونقد الديمقراطية لا يعنيالقبول بالاستبداد، فهناك خيارات أخرى تتلاءم مع البنية الفكرية والعقيديةوالثقافية لكل مجتمع، ومنها المجتمعات المسلمة.

2- ليس صحيحاً مصادرة الديمقراطية بحسناتها وسيئاتها، وليس صحيحاً قبولها بكلما فيها، بل لابد من تفكيك عملية التقويم وفقاً للمجتمع الذي يراد تطبيقها فيه،فهناك مجتمعات تصلح الديمقراطية التقليدية فيها بنسبة 90% ومجتمعات أخرى بنسبة 10%.

3- يجب أن لا ينطلق البحث عن الخيارات أمام المجتمعات المسلمة من المقاييسالبشرية، بل من منطلق التكليف الشرعي للإنسان المسلم، وما يترتب على ذلك منمسؤوليات، وفي مقدمتها تطبيق الشريعة الإسلامية.

4-  إن النظام السياسي الإسلامي لا يمكن أن يكون ديمقراطياً أو دكتاتورياً أوشمولياً أو ثيوقراطياً أو اشتراكياً، ليس من منطلق التنكر لأي نظام أو مذهب سياسي،بل لأن النظام الإسلامي نظام مستقل ومن نوع آخر، ولا يحمل غير اسم «النظامالإسلامي»، وإن اشترك مع بعض الأنظمة الوضعية،كالديمقراطية مثلاً، في مساحات معينة.

5-  إذا لم يكن النظام الإسلامي ديمقراطياً فذلك لا يشكل نقيصة في النظامالإسلامي، وإذا لم يكن النظام الديمقراطي إسلامياً فلا يعد ذلك نقيصة في النظامالديمقراطي، لأنهما ينتميان إلى فلسفتين وقاعدتين فكريتين مختلفتين، ونتاجا بيئتينمختلفتين فكرياً وثقافياً واجتماعياً، وإن اشتركا في كثير من الآليات.

6-  إن النظام الإسلامي الحديث الحديث بالجمهورية الإسلامية لا يشبه الأنظمةالرئاسية أو البرلمانية وغيرها، وإن اشترك معهما في كثير من المساحات، بل هو مترشحعن «نظام الإمامة» في عصر غيبة الإمام المهدي(عج)، ويسمى بـ«النظام القيادي)،لأن القائد (الولي الفقيه) هو رئيس الدولة ومحور السلطة فيها.

7-  إن التوفيق القسري بين النظام الإسلامي والأنظمة الأخرى، تعني منهجياً إجبارعقيدة سماوية ونظام ديني ليتواءم مع تجارب تاريخية ومذاهب اجتماعية بشرية.

8-  المعيار في قياس سلامة النظام الإسلامي وأدائه ليس ديمقراطيته أو عصريته(بالمعنى الوضعي) بل المعيار هو مستوى انطباق أحكام الشريعة الإسلامية على غاياتهوأهدافه وأدائه وممارساته.

9-  يجمع النظام السياسي الإسلامي الحديث بين أصالة النظرية والتشريع، وعصريةالآليات وأساليب ممارسة السلطة، وهو تعبير عملي عن إمكانية الشريعة الإسلامية علىاستيعاب متطلبات العصر، وعلى الاستجابة لحاجات الإنسان الجديد.

10-  إن النظام الإسلامي من خلال النموذج الإيراني عمل عبر فقهه السياسي وقانونهالدستوري وآلياته على معالجة إشكاليتين أساسيتين في الفكر السياسيالإسلامي، الأولى تتمثل بثنائية الشورى وولاية الفقيه، فكان هذا النظام هو نظامولاية الفقيه القائم على الشورى. والإشكالية الثانية تتثمل بثنائية الفقه السياسيلمدرسة الخلافة (السنة) والفقه السياسي لمدرسة الإمامة (الشيعة)، فقد تمكن النظامالإسلامي من خلال دستوره التقريب عملياً بين المدرستين، بصرف النظر عن الخلافات بينالنظامين في المجالات الكلامية والفقهية.

موضوعية.. وانحياز!

برغم ما بذلـه الباحث من جهد علمي لتأكيد أفكاره والاستدلال عليها بخطاب جديديستبطن مقولات كلامية وفقهية وقانونية وأخرى من علم الاجتماع السياسي، ولكن يبدوانه كان يسير في سياقات البحث وهو يحمل تلك الأفكار، وهي التي سبق أن قرأنا بعضاًمنها أو إشارات عنها في دراساته وكتبه السابقة، بل ربما يصح القول بأنها إفرازلتجربته العملية وميولـه الفكرية والسياسية، لأن صاحب الكتاب حين يدرس نموذج النظامالإسلامي الإيراني وظواهره السياسية وآليات حركة السلطة فيه، فانه لا يمكن أن يكونمجرد مراقب أو دارس، لأنه من داخل التجربة، ولـه رأيه في عناصر الخارطة الفكريةوالسياسية في النظام. وفي إطار ذلك نرى أن رأيه في الديمقراطية لافت للنظر، بل انهيعترف بأن نقده للديمقراطية قد لا يكون مستساغاً في الوسط الذي ينتمي إليه، أي وسطالمسلمين المتنورين، فيقول: «قد لا يكون مستساغاً في الوسط الذي يرى نسفه (مسلماًمتنوراً) أن يقوم باحث عرف بانفتاحه الفكري بنقد الديمقراطية فكراً وتجربة» . ويقول: بأن سبب ذلك يعود إلى أن الديمقراطية فكرا وتجربة قد أصبحت آيديولوجية مقدسةفي أذهان بعض المثقفين المسلمين، والوصفة السحرية للقضاء على الاستبدادوالدكتاتورية، والآلهة التي تقود حركة الدولة. ويعتقد علي المؤمن بأن «المجتمعاتالمسلمة التي تعيش تكويناً تاريخاً خاصاً وإٍرثاً ثقافياً وبنية فكريةواعتقاديه مختلفة عن مجتمعات الديمقراطيات التقليدية، من الصعب فرض الديمقراطيةعليها قسراً، فالديمقراطية الحقيقية لا يمكن تطبيقها – فلسفة وآليات – إلا في ظلأنظمة ليبرالية رأسمالية علمانية.. وبالتالي ففرض الديمقراطية بروحها وفلسفتهاستكون ممارسة استبدادية مركبة، تحقق رغبة الأقلية السياسية الحاكمة باسم الأكثريةالشعبية المحكومة.

      ويمكن القول أن الباحث في رأيه هذا يبالغ بشأن خصوصيات المجتمعات وبكون الأنظمةالسياسية تعبر عن مشروعات حضارية، وكذلك بشأن جدلية العلاقة بين الفكر والواقع، لأنهناك مشتركات عامة، أو لنقل مستقلات عقلية يؤمن بها جميع البشر في كل زمان ومكان،ولا علاقة لذلك في تراكم الخبرات الإنسانية والتطور الاجتماعي التاريخي، وهوما يستند إليه الأستاذ علي المؤمن في كثير من فصول الكتاب، ولاسيما في المقارباتالمنهجية التي نجدها في معظم الفصول. ونجده أيضاً يستنكر على بعض المفكرين والباحثينالإسلاميين عدم استقلاليتهم في استخدام المصطلحات والأدبيات السياسية، واستخدامهممصطلحات وأدبيات غربية في غير موضعها. ويعتقد أن هذا الأمر يؤدي إلى إرهاق الفكروالمفكر في الوقت نفسه ويعبر عن معاناتهم.

     ولعل الباحث في نسفه لكل المحاولات التي جرت لوصف النظام الإسلامي بالثيوقراطية،قد أسس لمقولات جديدة، لأن تلك المحاولات لم تقتصر على المستشرقين أو الباحثينالعلمانيين، بل تشمل حتى بعض الباحثين والمفكرين الإسلاميين. بينما رفض صاحب الكتابوجود أي مساحة مشتركة بين النظم الثيوقراطية والنظام الإسلامي، عدا عن شبهة اشتراكواحدة وهي شبهة نظرية – كما يقول – ترتبط بمصدر السيادة والحاكمية في كلا النظامين،ولكنه يفند هذه الشبهة أيضاً، ويعتقد أن هذه الشبهة مبنية على مشترك لفظي فقط، فيحين أن المضمون مختلف تماماً.

    ربما يؤخذ على الباحث انه طرح موضوعات أساسية وواسعة ولكن في صفحات قليلةلا تتجاوز الـ (230) صفحة، في حين أن هذه الموضوعات بحاجة إلى بحوث مطولة وشاملة. ومن هنا يمكن القول إن ما قدمه الباحث في هذا الكتاب يمثل مداخل بحثية، برغم ما بذلهالباحث من جهد مميز، حاول من خلاله الإجابة على أسئلة ملحة تتداولها الأوساطالسياسية والفكرية والثقافية، الإسلامية وغير الإسلامية، ولاسيما تلك المهتمة بمايمكن تسميته بالإسلام السياسي والإسلام الحضاري والدولة الإسلامية العصرية.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

الى الاعلى