قراءة 37 مرات

الإسلام والتجديد رؤى في الفكر الإسلامي المعاصر

09 / تشرين1 / 1999 ـــ


في غمرة التحديات التي تواجه الشعوب الإسلامية ما يزال البحث في إشكالية تجديد الفكر الإسلامي يستأنف ويعاد إنتاج وترتيب المقولات المتحركة في دائرته سعياً لاستيعاب أكمل للإشكالي يأخذ في الاعتبار المتغيرات المتسارعة على مختلف أصعد.

وعلى الرغم من التراكم المعرفي الملاحظ في هذا المجال إلا أن جملة من الأسئلة ضلت دون إجابات كافية تقدم رؤية ومشروعاً وعلاجاً واقعياً يستوعب الجانب الموضوعي ويحافظ على المضامين المحددات الدينية والشرعية في الوقت نفسه، مما ساهم فيه عوامل متعددة على رأسها تباين مناهج الدراسة وآفاقها ومنطلقاتها، الأمر الذي يلزم الباحث الإسلامي بمواصلة الجهد المسؤول والملتزم لبناء الوعي في سياق التعامل مع الأزمات والتحديات وملاحقه معوقات التجديد في الروية والموقف الإسلامي سعياً إلى تخليص بنانا الفكرية من عناصر تأزمها وهو ما يحتاج إلى معالجات صريحة وجريئة تتجاوز النمط الثابت من التفكير وتقدم معايير علمية للأصالة.

تمثل محاولة الباحث علي المؤمن في كتبه الأخير «الإسلام والتجديد: رؤى في الفكر الإسلامي المعاصر» خطوه في هذا الطريق سعت إلى الاقتراب من بعض الإشكاليات الفكرية والملحة وقدّمت إزاءها جملة من المعالجات، يمكن باستعراض جانب منه في هذه العجالة لما انطوت عليه من إثارات مهمة وتصورات تتدخل في تكون منهج التعامل مع قضايانا الراهنة.

الحرية الفكرية

يقتصر المؤلف في إطار هذا البحث على تناول هيكل عام للإشكاليات، والتساؤلات التي يثيرها موضوع الحريق الفكرية وفق التصور الإسلامي وهو يعتقد أن مرونة هذا الموضوع وتشعبه وندره المعالجات الفقيه والفكرية التي تتعامل بدقة مع تفاصيله تسبب جميعها في نشوء تلك الإشكاليات واستمرارها.

وعلى الرغم من أن الفلاسفة والمتكلمين والفقهاء المسلمين بحثوا هذا الموضوع في أطره العامة إلا أن الأفكار والموجات الثقافية الجديدة التي اجتاحت المجتمعات الإسلامية، سواء التي تعبّر عن صدى الأفكار الغربية أو أفكار التي تعبّر عن إفرازات واقعية من داخل المجتمع الإسلامي كلها فرضت بحث هذا الموضوع وفق أسس أكثر استيعاباً وواقعية.

يقرر المؤلف في إطار تحديده لمنشأ الحرية الفكرية أن الإسلام يمنح الحرية لأتباع على أساس العبودية لله تعالى والتي تعتدي تحرير العقل الإنساني من قيد العبودية للنفس والشهوات والأفكار المدجنة والأصنام الفكرية، ويخلص إلى القول بأن الحرية الفكرية الهادفة التي يدعو لها العقل وتمنح الجميع حقوقهم في العيش بأمان وتكافؤ هي الحرية التي يتبناها الإسلام على خلاف الحرية الفكرية الأهداف الفوضوية.

ويحاول الكاتب استياء حدود وطبيعة الحرية الفكرية من نصوص القرآن الكريم، حيث يلاحظ تأكيد القرآن إدارة الإنسان الحرة في اختيار الفكر والعقيدة «لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي» تلك آيات التي تقرر الحرية غير أنها في الوقت نفسه لا تنفي المسؤولية الفكرية بالطبع.

وفق هذا المنهج يعالج المؤلف قضايا من قبيل: حرية التعبير، احترام حقوق الآخرين وحدود حرية الفكر الآخر.

مشروع المستقبليات: دعوة لمشاركة إسلامية

لم يعد الحديث عن المستقبل والدراسات الاستشراقية (Future studies) منذ أواسط هذا القرن نوعاً من أنواع التنبؤ والتنجيم، ولا نوعاً من الترف الفكري والعلمي، بل أصبح حاجة أساسية لاستمرار حياة الشعوب ولا سيما بعد تبلور الدراسات التاريخية الاجتماعية في مجال السنن وقوانين التاريخ، وظهور الأنماط الإدارية الحديثة، والفقرات العلمية والتكنولوجية الهائلة وينعكس ذلك في العدد المتزايد من المؤسسات والدوائر والمناهج العلمية والمساهمات الأكاديمي في هذا الحق على المستوى العالمي.

يعتقد المؤلف بعد أن يقرر غياب الجهود الإسلامية الكافية في هذا المجال بضرورة تأسيس منهج أو مناهج إسلامية لاستشراف المستقبل تقوم على استيعاب خصوصية الرؤية الإسلامية الحركة التاريخ، والتطور لتتوفر على سد هذا الفراغ وصولاً إلى التخطيط لبناء المستقبل الإسلامي والمشاركة في رسم مستقبل الإنسانية.

وفي تصوره أن الحاجة لمساهمة إسلامية في هذا الحق من عدة أمور:

أولاً: الخصوصية النظرية وهي حاجة ثابتة عبر الزمن تؤكدها النصوص الإسلامية وتأمر بها كما في قوله: تعالى: ]أعدوا لهم ما استطعتم من قوة...[]يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللَّه ولتنظر نفس ما قدّمت لغد...[.

ثانياً: الاستجابة للسنن الإلهية التاريخية التي لها علاقة وثيقة بعملية استشراف المستقبل ]قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض[.

ثالثاً: تحولات الواقع الراهن وتحدياته التي يعيشها العالم بأجمعه غير أن معظم أمم العالم لها مشاريعها وخططها للتعامل المدروس مع هذا الواقع لضمان أفضل الخيارات في المستقبل، أما المسلمون فما يزال معظمهم يتعاملون مع ذلك من منطلق ردود الفعل والتعامل مع الخطة دون تخطيط مسبق مع ما يلابسه من حالات الإحباط وغياب الثقة بالنفس والشعور بالهزيمة أما م الآخر.

وهو يستعرض في هذا المجال جملة من السنن الإلهية التي تتدخل في عملية استشراف المستقبل كما يتطرق إلى بعض أنماط التفكير التي راجت بين المسلمين والتي قد تستبطن تعارضاً مع الوعي الملحوظ بالمستقبل على أساس من فهم خاص للمشينة الإلهية وتعويلهم على الغيب دون ملاحظة الأسباب التي جعلها الخالق عزّ وجلّ للتحولات التاريخية والاجتماعية.

الفقيه والمثقف يستعرض المؤلف إشكالية العلاقة بين الفقيه والمثقف الإسلامي ويقدم بعض المعالجات في إطار ثلاثة محاور رئيسية.

1 ـ اتجاهات الوعي لكل منهما.

2 ـ الدور اجتماعي

3 ـ أسس التكامل بين الدوار، وهو يؤكد تحديد المصطلحات وطبيعة العلاقة المفهومة بينهما في معالجة هذه الإشكالية ويرصد في إطار المحاور المذكورة عدة إشكاليات كتعامل المثقف الإسلامي مع التراث، والفقيه ووعي العصر، والتحول في الاجتهاد وغيرها.

يقرر المؤلف أن لكل من الفقيه والفكر والمثقف في الواقع الإسلامي مواقع وأدواراً ثابتة ومتحركة حقلها الأساسي عملية التغيير الاجتماعي والاجتهاد والتجديد والإصلاح الديني.

وفيما يرتبط بالمثقف ودوره في إطار الرؤية الإسلامية فهو رجل الميدان الذي يعيش المجتمع بكل تفاصيله إلا أنه يتحرك في دائرة مرجعية معرفية يمثلها الفقيه، ولذلك فإنه وفي مجال ممارسة النقد حيال القضايا الاجتماعية والفكرية عليه أن يلتزم بمحددات عدة بما يشمل عدم تجاوز المجالات المقدسة ومراعاة الأطر الشرعية والأخلاقية وتحقيق الانتماء النظري والسلوكي للإسلام لكي يكون مثقفاً عقائدنا. وليس مجرد مثقف واقعي أو معرفي أو عقلاني أو أنتجلنيتسي ويؤكد المؤلف أن الانتماء للإسلام وضوابطه لا يلغي دور النقد والمحاسبة والنصحية إذ يمارسه المثقف مع مختلف أشكال السلطة بل إن هذا الدور هو جزء من الانتماء.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

الى الاعلى