قراءة 43 مرات

نشأة المرأة المسلمة

28 / آذار / 2014 علي المؤمن

الأسرة هي نواة المجتمع والحجر الأساس في بنائه، فتشكيل المجتمع يبدأ بأسرة وينتهي بمجموعة أُسر، وبذلك ينعكس وضع الأسرة بالضرورة على وضع المجتمع سلباً وإيجاباً، كما ينعكس على الفرد سلباً وإيجاباً أيضاً، وبالتالي فالأسرة تمثل إحدى قنوات انتقال الوراثة الحضارية بين أجيال الأمة، وهذه الوراثة تعبّر عن التأثير العمودي للأسرة، بموازاة تأثيرها الأفقي المكاني في سائر مكونات المجتمع.
واهتم الإسلام بشأن الأسرة وتكوينها وأسلوب نشأتها بصورة تنسجم مع طبيعة تأثير الأسرة ودورهم وقنن الإسلام لأسلوب نشأة الأسرة في إطار شكل واحد يدعو له ولا يعترف بغيره ـ بالنسبة للمنتمين إليه ـ وهو الشكل الذي يقوم على زواج الرجل والمرأة في إطار أحكام الشريعة الإسلامية، ثم الإنجاب وتكثير أفراد الأسرة. ولم يترك الإسلام مجالاً من مجالات حياة الأسرة إلاّ وتدخل فيها وشرّع له.
البناء الصالح
الأسرة حاجة أساسية للإنسان، وضرورة نفسية وتربوية، والنزوع إلى أبنائها نزوع قطري، وقد جاء الإسلام لينظم هذا النزوع ويشرّع له، فهو يدعو إلى بناء الأسرة بصورتها القديمة. والخطوة الأولى في هذا الطريق هو الزواج؛ لأنه نواة الأسرة. يقول تعالى ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها. فالزواج سكن للإنسان (ذكراً كان أم أنثى) بما تعنيه كلمة السكن من استقرار نفسي وجسمي، مادته الرحمة والمودّة والحب. وفي آية أخرى يقول تعالى: هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها وبث منها رجالاً كثير ونساء. وكون الزوجين من نفس واحدة هو خير منطلق للتكامل التكويني والتوازن والتكافؤ التشريعي الرجل والمرأة.
وتأكيد الإسلام على هذا الجانب لا يعني أنه يسمح بالتساهل في مجال الاختيار والبحث والتأمل في شريك الحياة، بل إنه يحث على ذلك، حفاظاً على مستقبل البناء الصالح للأسرة المسلمة، لما لطبيعة الانسجام والمعاشرة الحسنة بين الزوجين من تأثيرات أساسية على وضع الأسرة بشكل عام، بما فيها مستقبلها ومستقبل أفرادها. يقول الرسول(ص): «اختاروا لنطفكم الولود، الودود، العفيفة، العزيزة في أهلها، الذليلة مع بعلها».
التجهيز للزواج
المهر ليس تعبيراً عن قيمة لعملية بيع وشراء، بل هو مجرد وسيلة لتوفير أسباب العيش للأسرة الجديدة، حتى أجاز الإسلام الحد الأدنى من المهر، ولو كان تعليم سورة من القرآن الكريم، وبارك قلة المهر. يقول الرسول الأعظم(ص): «من بركة المرأة قلة مهرها»، أو كما يقول الإمام الصادق(ع): «الشؤم في المرأة غلاء مهرها».
ويروى أن الإمام علياً(ع) حين جاء يخطب السيدة فاطمة الزهراء(ع) من أبيها(ص) قال له رسول الله(ص): «هل معك شيء أزوجك به؟»، فكان الخيار الدرع الذي يمتلكه الإمام، حيث باعه(ع) بما يقرب خمسمائة درهم، ليدفع ثمنه مهراً لفاطمة(ع). أما «الجهاز» الذي اشتراه(ع) للعروس بالمهر المذكور فقد كان مؤلفاً من فراش من الخيش محشو بالصوف، وسادة محشوة بليف النخيل، عباءة خيبرية قربة للماء، جرتين، قعب لبن، حصير هجري، قميص، منخل، منشفة، رحى، قدر نحاس، وأشياء أخرى أقل أهمية، شكلت بمجموعها أثاث البيت الجديد.
وهذا لا يعني أن هذه البساطة تنسجم فقط مع الظرف المادي لذلك العهد، بل كان باستطاعة الرسول(ص) أن يجهز ابنته بأفخم جهاز، فقد كانت بعض الزيجات حينها على قدر كبير من البذل والإسراف. في حين كان الرسول(ص) يهدف أن يقدم للأمة، في حاضرها ومستقبلها، نموذجاً معيارياً للأسرة المسلمة وهي في بداية طريقها لممارسة الحياة. والرسول(ص) هو النموذج التي يقدمه الله تعالى للبشرية كافة، وللمسلمين بصورة خاصة، ليقتدوا به ويتأسوا بسنته الشريفة.
حقوق الزوجين وواجباتهما
بعد دخول المرأة والرجل بيتهما الجديد، تبدأ مرحلة البناء الحقيقي، فيأخذ كل منهما موقعه، ليبدأ بممارسة دوره في البناء، فالرجل هو مركز الثقل في الأسرة وهو رئيسها، والمرأة هي قاعدة الأسرة والمديرة الداخلية لها، وكلاهما يشكل المحور الذي يلتف حوله أفراد الأسرة الآخرين (الأبناء). وهذا يوصي الإسلام بأن يعمل كل فرد من أفراد الأسرة في إطار واجباته وحقوقه؛ لتنظيم الأسرة والحفاظ على تماسكها والحيلولة دون حصول التداخل في الأدوار والأعمال. فواجبات الرجل ـ بصورة عامة ـ تتمثل في توفير مستلزمات العيش، وإشباع حاجات المرأة من ملبس ومأكل ومسكن ومعاشرة. ويركز الإسلام ـ في إطار واجبات الرجل ـ على مسألتين أخلاقيتين مهمتين، هما: أن يكون الرجل حسن الأخلاق في تعامله مع المرأة، وأن يصبر على المرأة وإن كانت فظّة. وفي المسألة الأخيرة يعطي الإسلام للرجل خيارين من خلال قوله تعالى: فأمسكوهن بمعروف أو سرّحوهن بمعروف، إذ قنن الإسلام هنا طبيعة تعامل الرجل مع المرأة إذا لم ينسجم معها أخلاقياً، وإن كانت هي سبب عدم الانسجام. يقول الرسول(ص): «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي».
أما واجبات الزوجة فتتمثل ـ عموماً ـ في الطاعة لزوجها والإذعان لقيمومته وإشباع حاجاته، والتزين له، وحُسن الأخلاق، وعدم التصرف بمال الزواج دون إذنه، وعدم الخروج من البيت إلاّ بإذنه وهناك تفاصيل كثيرة في هذا المجال ذكرتها كتب الحديث والفقه، يمكن مراجعتها للمزيد.
ثمرة الزواج
بقاء النوع الإنساني وتكثير النسل هما أهم بناء الأسرة، فالأبناء هم ثمرة تشكيل الأسرة، والإسلام يشجع على الإنجاب وتكثير عدد أفراد الأسرة المسلمة، إذ يقول الرسول الأعظم(ص): «مولودٌ من أمتي أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس». ويبقى أن هناك حاجات زمنية تتعلق بتنظيم حجم الأسرة، حسبما تفرضه المسلحة التي يحددها الفقهاء وأصحاب الاختصاص. وإضافة أفراد جدد للأسرة (الأبناء) يفرض وجود تشريعات وسنن أخرى تنظم العلاقة بين الأبناء والوالدين، وتكشف عن حقوق وواجبات كل منهما تجاه الآخر.
وقد سأل أحد الصحابة: «يا رسول الله ما حق ابني هذا؟ قال: تحسن اسمه وأدبه، وتضعه موضعاً حسناً»، فمن حق الولد على أبيه ـ إذن ـ تسميته باسمٍ حسن، وتربيته وتعليمه والنفقة عليه منذ ولادته حتى بلوغه (وما بعدها في بعض الحالات).
أما حق الوالدين على الولد، فليربهما والإحسان إليهما واحترامهما والدعاء لهما ورعايتهما. «ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً».
وتقف التربية الصالحة للأولاد في مقدمات واجبات الوالدين، ولا تنجح التربية في تحقيق غاياتها إلاّ من خلال توفير الجو المناسب لها، فمن واجب الوالدين أن يخلقا جواً أُسرياً ملؤه الحب والحنان والطمأنينة والاحترام ومفعماً بالروح الدينية ومكارم الأخلاق. ومقدمة نجاح هذه التربية العقائدية هي أن يرضع الوالدان أبناءهما ـ منذ الصغر ـ حب الله تعالى ورسوله(ص) وآل البيت(ع). ونشوء الأنباء نشأة حسنة متكاملة سينعكس بالضرورة على الأسرة التي يشكلونها بدورهم مستقبلاً، ثم على المجتمع ـ كما ذكرنا في المقدمة ـ وتلك نتيجة حتمية. وفي كلمة للإمام علي(ع) يوصي فيها ولده الإمام الحسين(ع) يشير الإمام إلى نتائج العلاقة السليمة والعقائدية بين الوالدين والأبناء، والتي يحصل من جرائها حالة سامية من الالتئام والتكامل بين الطرفين، إذ يقول(ع): «فوجدتك بعضي» بل وجدتك كلّي، حتى كأن شيئاً لو أصابك أصابني، وكأن الموت لو أتاك أتاني، فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي».
 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

الى الاعلى