قراءة 105 مرات

كهف الرجيب في عمان

30 / آذار / 2007 علي المؤمن




معظمنا كان مولعاً ـ منذ الصغر ـ بقصة أصحاب الكهف، هؤلاء الفتية الذين آمنوا فزادهم الله هدى.. آثروا الهرب بدينهم، واللجوء إلى كهف موحش.. مشرّدين.. لا مؤنس لهم سوى التسبيح الذي لم تنفك شفاههم تتمتم به، ونبضات قلوبهم التي تتلو آيات التوحيد والعبودية لله.. وحده لا شريك له. آثروا حلاوة الانقطاع لله على دنيا الظالمين والكافرين، فبقوا في الكهف سنين عدداً، كان ربهم فيها ينشر لهم من رحمته ويهيئ لهم من أمرهم مرفقاً.

هذا المستوى الرفيع من الإيمان، وهذا الأسلوب الفريد من الهجرة، كانا يشدّاننا بقوة ونحن نستمع ثانية وثالثة إلى تفاصيل رحلة أصحاب الكهف العجيبة من أفواه أكابرنا، وحين كنا نتساءل: وأين هذا الكهف المبارك؟! كانت الأجوبة تأتي حائرة!

ومنذ ذلك الحين ظل كهف أصحاب الكهف حلماً، لم يكن تحقيقه عصيّاً بعد مرور سنين طويلة.. فها نحن نجد أنفسنا وجهاً لوجه أمامه.

مع فتية الإيمان في رحلتهم

وردت قصة أصحاب الكهف في الآيات (9 ـ 22 من سورة الكهف)، كما ورد ذكرها بصور مشوشة ومختلفة في التفاصيل في أدبيات اليهود والنصارى واليونان وغيرهم. بيد أن القرآن الكريم أوجزها على نحو دقيق وفي غاية الوضوح: ]أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً[ـ الآيات.

ويختلف المؤرخون في شخص الملك الروماني الذي وقعت القصة في زمانه، فمنهم من يقول: إنه «تراجان» الذي حكم بين سنة 98 ـ 117م، ومنهم من يقول: إنه «دافيوس» الذي حكم ما بين 249 ـ 251م. بيد أن كفة «تراجان» هي الأرجح: لأن الفتيان استيقظوا ـ كما تؤكد الروايات التاريخية ـ في عهد الملك المؤمن «تيودوسيوس الثاني» الذي حكم من 408 ـ 450م، وبذلك تكون الفاصلة الزمنية بين حكم تراجان وتيودوسيوس في حدود ثلاثة قرون، كما أشار القرآن الكريم: ]وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاَثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً[ـ الآية. أما مكان الحادثة فهي «فيلادلفيا» أو عَمّان الحالية التي كانت عاصمة الجزء الجنوبي من الإمبراطورية الرومانية. والذي يضم معظم بلاد الشام. وهو ما يؤكده معظم المؤرخين والمفسرين المسلمين القدماء والمعاصرين. في حين يذهب بعض المؤرخين الأتراك واليونان والرومان إلى أن مسرح الأحداث كان «بيزنطة» أو اسطنبول الحالية. ومن هنا ينشأ الاختلاف حول موقع الكهف([1]).

تدور أحداث القصة حول فتية آمنوا برسالة نبي الله عيسى(عليه السلام)، كانوا يعيشون في أواخر القرن الميلادي الأول وبداية القرن الثاني. واختلفت الطوائف الدينية في عددهم، فقال اليعاقبة إنهم ثلاثة، واليونان واللاتين سبعة، والسريان ثمانية، وهذا الاختلاف نص عليه القرآن الكريم: ]سَيَقُولُونَ ثَلاَثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ[. هؤلاء الفتية كانوا من أهل «فيلادلفيا» عاصمة الملك الروماني تراجان، الذي ترك الكثير من الآثار القائمة حالياً، لعلّ أبرزها المدرج الروماني الشهير والآثار المحيطة به في ساحة الهاشميين بقلب العاصمة الأردنية عمّان. وكان هذا الملك طاغية وثنياً يدعو لعبادة الأصنام ويمارس صنوف القمع ضد المؤمنين بالله تعالى ورسالته المنزلة على سيدنا المسيح(عليه السلام)، وكان منهم عدد من الفتية الذين رفضوا الانصياع لأوامر الملك بعبادة الأصنام، ففروا ليلاً بدينهم إلى خارج (فلادلفيا) باتجاه (الرقيم)، والتحق بهم في الطريق راع مؤمن وكلبه، وفي منطقة اختبؤوا في كهف يقع في سفح الجبل، ثم غشيهم النعاس فناموا بمشيئة الله تعالى نوماً عميقاً ]إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً (10) فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً[. وفي صباح اليوم التالي لحق بهم الجنود الرومان ـ وربما كان معهم الملك ـ وعثروا على الفتية في الكهف، إلاّ أنهم لم يدخلوه؛ لأن الله تعالى ألقى الرعب في قلوبهم، إذ كان الفتية يبدون وكأنهم مستيقظين، والكلب يقف في باب الكهف، وقد بسط ذراعيه وفتح عينيه وكأنه يحرسهم: ]وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً[. فأمر الملك ببناء باب الكهف عليهم ليموتوا فيه. إلاّ أن الفتية لم يموتوا، بل استمروا مستغرقين بنومهم، الذي استمر (209) أعوام ]وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاَثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً[. وكانت الشمس تبعث بأشعتها على أجسادهم من خلال فجوة موجودة في الجدار الشرقي للكهف وتتصل بسطحه، ويبلغ الإعجاز الإلهي ذروته من خلال أسلوب سقوط أشعة الشمس عليهم، إذ كانت تقرضهم الأشعة، أي تعطيها لهم بمقدار حاجة أجسادهم ثم تكف. كما كانوا يتقلبون يميناً وشمالاً، من أجل المحافظة على أجسادهم من الرطوبة والتصلب: ]وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللهِ[.

وبعد كل تلك السنين، استيقظوا في وقت واحد، دون أن يطرأ على أجسادهم أي تغيير، فلم يصبهم الوهن ولم يتقدموا في السن، إذ كانوا يعيشون خارج الزمن، وكأنهم ناموا يوماً أو أكثر، وهو ما ظنوه هم أنفسهم: ]وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ[. وحين أحسّوا بالجوع أرسلوا أحدهم ومعه قطعة نقدية قديمة كانت معهم، فذهب متستراً كي لا يكتشف أمره أحد: ]فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً[. ولكنه عندما ذهب إلى فيلادلفيا استغرب الناس حديثه ونقوده ولباسه، كما أنه وجد مدينة أخرى وناساً آخرين. وكانت الديانة المسيحية حينها يعتبر ]كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً[. وأمر الملك أن يسدّوا باب الكهف ويبنوا عليه صومعة للعبادة: ]فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً[. وفيما بعد بنيت كنيسة أخرى أمام الكهف. وبقي الموقع مزاراً ومكاناً للعبادة، حتى الفتح الإسلامي لبلاد الأردن، حيث اكتشف الكهف، وبنى المسلمون مسجدين على أنقاض الكنيستين، وجُدّد بناؤها أكثر من مرة. وبمرور الزمان اختفت معالم الكهف بالتدريج.

الطريق إلى «الرقيم»

الطريق من العاصمة الأردنية (عمان) إلى بلدة الرقيم، هو المقطع المكاني الذي اجتازه فتية الكهف. تركنا عمان أو فلادلفيا الرومانية، التي لا تزال آثارها شاهدة على قصة هؤلاء الفتية، متجهين جنوباً نحو الرقيم. المسافة بين البلدتين لا تقل عن سبعة كيلومترات، ولكنهما اليوم متصلتان، إذ أزالت الأحياء السكنية الشعبية والمحال التجارية والصناعية تلك الفاصلة، التي كانت تبدو كبيرة في عصر الملك تراجان.

المساحات اللصيقة بالكهف تبدو جزءاً من منطقة أثرية، تقع ضمن مقبرة بيزنطية كبيرة حُفرت في سفح الجبل، ولا تزال المحاولات مستمرة لإعادة اكتشافها. والكهف الذي يتوسطها والمسمّى بـ«كهف الرجيب» نسبة إلى قرية الرجيب، هو المعلم الأبرز على الإطلاق، ويبعد عن الشارع العام عدة أمتار. ونصبت في واجهته لوحة حجرية حديثة، كتب عليها بالعربية: «كهف أهل الكهف (قبور بيزنطية) وردت قصتهم في القرآن الكريم»، وبالإنجليزية: (CAVE OF SEVEN SLEEPERS) أي ما ترجمته «كهف النائمين السبعة!!»، وهي التسمية التي درجت عليها الأدبيات النصرانية!

الكهف من الخارج ومداخله والآثار المحيطة به، تعطي للناظر انطباعاً سريعاً أنها آثار بيزنطية تم ترميمها. والكهف بهيئته الحالية أقرب للمقبرة المنحوتة في سفح الجبل، وقد زينت واجهته بأنصاف أعمدة لا يزيد ارتفاعها عن مترين، منحوتة بالصخر، إضافة إلى زخارف عليها رسوم نباتات وأشكال هندسية، وفوق الكهف مباشرة توجد بقايا مسجد، مساحته حوالي 4 في 25 متراً مربعاً، هي عبارة عن أعمدة قصيرة، يُقال إن أحدها قاعدة المئذنة، وجدار من صخر يحيط بها، وفي وسطها توجد فتحة مساحتها حوالي نصف متر مربع، هي فتحة النفق المتصل بالكهف، وفي شمال الأنقاض يوجد أثر للمحراب تم إعادة ترسيمه حديثاً. وقد شيد هذا المسجد في العصر الأموي على أنقاض كنيسة كانت مقامة في الموقع نفسه.

ويقول المسؤولون عن الموقع إن مسجداً كان قائماً في الساحة الأمامية للكهف اندثرت معظم معالمه، وقد بني على أنقاض كنيسة رومانية أيضاً. وعلى بعد بضعة أمتار من باب الكهف يوجد أثر لشجرة زيتون قديمة، تعود إلى عهد الميلاد، تم تحويطها بسياج حديدي دائري.

في داخل الكهف

دخلنا الكهف مسلّمين على سكانه.. السلام عليكم أيُّها الفتية الصالحون، طبتم يا أحباء الله بما عملتم فنعم عقب الدار، لقد آتاكم الله من لدنه رحمة وهيّأ لكم من أمركم رشدا، وكنتم من آياته عجباً، ولا يمكن للمرء حين يجد نفسه داخل الكهف إلاّ أن يستذكر مسيرة الكدح والتفاني التي قطعها هؤلاء الفتية إلى ربهم ليلاقوه، وهي مسيرة تستحق الدراسة والتأمل، ليس من أجل استكشاف المزيد من الآثار المادية، بل لإحياء ذكرى فتية الإيمان، والتأكيد على البُعد الروحي والعرفاني لهذه المسيرة اللاهبة.

تتوسط الكهف صالة صغيرة مساحتها حوالي ثمانية أمتار، وتتفرع عنها ثلاثة محاريب مسقوفة، وفي المحرابين الشرقي والغربي توجد ثمانية مدافن، ويمكن مشاهدة بعض الجماجم ـ التي يؤكد مسؤولو الموقع أنها تعود لأصحاب الكهف ـ من خلال فتحة في أحد المدافن الشرقية. وتغطي جدران الكهف طبقة من البلاط الجيري، نقشت عليها زخارف ورسوم وكتابات عربية ويونانية غير واضحة. وعلى يسار الكهف، من جهة المحراب الشرقي، توجد فتحة النفق المتصل بسطح الكهف، ويبلغ عمقه حوالي أربعة أمتار.

وفي الجهة الشمالية للكهف توجد خزانة حديثة، وضعت خصيصاً لعرض بعض القطع الأثرية، كالأواني الفخارية والأحجار والتسابيح والعملات المعدنية القديمة، إضافة إلى عظم فك حيوان، يُقال: إنه يعود لكلب أصحاب الكهف.

لم نلبث في الكهف والآثار المحيطة به سوى ساعات معدودات، في حين لبث فيه فتية الإيمان بضع مئات من السنين، متخفين عن أعين الظالمين، وهي قصة قديمة جديدة.

كهوف منسوبة..

توجد عدة كهوف منسوبة إلى فتية الإيمان، فعدا عن كهف الرجيب في الأردن، هناك كهف البتراء، كهف الأربعين في سوريا، كهف في السعودية، في غرناطة بأسبانيا، في الموصل بالعراق، في القدس بفلسطين، بل وحتى في أحد البلدان الاسكندينافية. ولكن يبقى كهف «أفسوس» في تركيا أشهرها وأكثرها منافسة لكهف الرجيب، لشبهة قربه من مناطق نفوذ بيزنطة عاصمة الإمبراطورية الرومانية الشرقية. ومدينة أفسوس تقع في غرب تركيا (73 كم عن ميناء إزمير). وكثير من المتخصصين والمتعهدين الذين زاروا الكهف ينفون أن يكون هو الكهف المعني، لبعده عن عاصمة الإمبراطورية (حوالي 450 كم عن أفسوس). وحتى لو كانت مدين إزمير هي مقر الحاكم الروماني ومنطلق الفتية المؤمنين، فإنها أيضاً بعيدة، ولا يمكن للفتية أن يبتعدوا كل هذه المسافة عن إزمير. كما أن المواصفات التي أوردها القرآن الكريم لا تنطبق على كهف أفسوس ـ وفقاً لتأكيدات من شاهدوه وكتبوا عنه ـ ومن ذلك أنّه لا يحتوي على آثار مسجد أو أي مكان للعبادة: ]قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً[، وأن بابه يفتح على جهة الشمال الشرقي، وهذا يحول دون دخول الشمس إلى الكهف من فتحة السقف بالنظام الذي ذكره القرآن الكريم: وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ[. كما يستبعد العلاّمة الطباطبائي في تفسير الميزان، ومعه عدد المفسرين والرُواة، أن يكون كهف أفسوس هو كهف أصحاب الكهف، ويذكرون مجموعة من الأدلة، من بينها عدم وجود أية خطوط أو كتابات أثرية تؤكد ذلك.

هل هو كهف أصحاب الكهف؟

يذكر الباحثون، ولا سيما مكتشفو كهف الرجيب في عمّان، العديد من الأدلة على كون «الرجيب» هو كهف أهل الكهف، وفي مقدمة هؤلاء المرحوم رفيق وفا الدجاني الذي اكتشف الكهف عام 1963. والذي ألّف كتاباً تحت عنوان: «اكتشاف كهف أهل الكهف». فالدجاني يؤكد أن جميع المواصفات القرآنية تنطبق تماماً على هذا الكهف، ومنها وجود النقوش والكتابة على جدرانه الداخلية، وحركة الشمس ودخول أشعتها من فتحة سطح النفق، لتلوح أجساد الفتية: ]وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ[. فطريقة تصميم الفتحة والنفق ودخول أشعة الشمس عبرهما تنطبق على ما ذكره القرآن الكريم. وعند اكتشاف الكهف وجد رفيق الدجاني ثماني جماجم، وهو العدد التخميني لهم، حسبما ورد في بعض الروايات، رغم أن القرآن الكريم لم يحدد ذلك: ]سَيَقُولُونَ ثَلاَثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ[، وفوق الكهف وجد المسجد أو الكنيسة: ]فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً[، والمسجد هنا المقصود منه مطلق المكان الذي يُبعد فيه الله تعالى، إذ بُنيت الكنيسة في عهد أغناطيوس (193م)، ثم بني المسجد على أنقاضها في عهد عبد الملك بن مروان. كما توجد أدلة أخرى، بينها شجرة الزيتون التي ذكرها ابن إسحاق الثعالبي في كتابه «قصص الأنبياء»، ولا يزال أثرها قائماً حتى الآن.

ويذكر أن سعيد بن عامر الذي فتح فيلادلفيا في خلافة عمر بن الخطاب، كان قد عرف الكهف وزاره وصلّى فيه، والدليل المهم الآخر هو المسافة البسيطة بين منطقة الرقيم وفيلادلفيا، التي هرب منها الفتية خشية بطش حاكمها تراجان، إذ لا تزيد المسافة عن سبعة كيلومترات. فمن الصعب هروب الفتية من عاصمة الملك إلى مناطق أخرى تبعد عدة مئات من الكيلومترات، ثم ـ بعد أن أفاقوا ـ يرسلون إليها مبعوثهم ليشتري لهم الغذاء، فيذهب ويعود بسرعة!، فلا بد وأن يكون مقر الإمبراطور قريباً نسبياً من موقع الكهف، وهو ما يمكن أن ينطبق على عمّان والرقيم معاً.

هل هو الكهف المقصود في القرآن؟

وكان أحد خبراء الآثار الأردنيين (محمد تيسير طبيان)، قد ذكر في لقاء قديم له مع صحيفة الأهرام القاهرية، أنّه قضى أكثر من عشر سنوات في دراسة هذا الكهف والكهوف الأخرى المنسوبة لأصحاب الكهف، ولا سيما كهف أفسوس، فوجد أن كهف الرقيم هو الكهف المقصود في القرآن الكريم.

أما المهندس الجيولوجي ناظم الكيلاني، فيؤكد ـ من خلال فحوصاته المختبرية ـ على أن تربة الكهف ومنطقة الرقيم تساعدان على صيانة الجسم. ويذكر أنّ هذه التربة تتكون من الكاربوهيدرات والكالسيوم والمغنزيوم إضافة إلى حفريات النباتات والحيوانات المشبعة بأملاح الراديوم.

وهذه المواد توجد في معادن اليورانيوم والثيوريوم المشعة، والتي من خصائصها إنتاج أشعة «إلفا»، «بيتا» و«غاما». وهذه الأنواع من الأشعة ذات تأثير كبير في تعقيم اللحوم والنباتات والمحافظة عليها وتحول دون تفسخها. ويعتقد الكيلاني بأن وجود هذا النوع من التربة بعناصرها وأملاحها ربما يكون ـ ومعها أشعة الشمس المتناوبة ـ الوسيلة التي حفظت أجساد فتية الإيمان أكثر من ثلاثة قرون، دون أن تؤثر فيهم عوامل الهواء والتربة، ولا شك فإنّ هذه العوامل هي جزء من الوسائل الظاهرية (أو العلمية) للإعجاز الإلهي، وإلاّ فحقائق الإعجاز وعلله الواقعية لا يمكن التعرف عليها، إلاّ من قبل الله تعالى. فإذا كانت أشعة الشمس ومكونات التربة قد ساعدت على حفظ أجساد الفتية، فماذا عن عدم تأثير الزمن في أعمارهم، وبقائهم أحياء دون أكل وشرب مدة ثلاثمائة وتسعة أعوام؟!

في وداع أهل الكهف

كهف الرقيم شاهد على عصر.. شاهد على جهاد الجماعة المؤمنة، التي قدمت أغلى ما تملك.. قدمت أنفسها لله تعالى، وهي غاية الجود. فالكهف ـ إذن ـ ليس أثراً تاريخياً أو قبوراً بيزنطية وحسب، إنما هو مزار وأثر ديني، من المهم جداً أن تعود له قدسيته، التي يقرّبها المسلمون والنصارى معاً. وقبل هذا، فإن موقعه يضم مسجدين، من المهم أيضاً إعادة بنائهما، لكي يعود للكهف طابعه الأصيل، وحضوره الروحي والمعنوي، الذي أراد الله له أن يكون واحدة من آياته العجيبة.

خرجنا من الكهف مودعين فتيته الصالحين ونحن نردد بإجلال وإكبار قوله تعالى: ]إنّهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى[.

الإحالات

([1])إنْ صح أنّه الكهف ـ لا يُعَدُ مزاراً، وذلك من الناحية الدينية، لأننا تعلمنا من هدي الرسول(ص)، أنّه «لا تُشد الرجال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى والمسجد النبوي الشريف» ـ المجلة.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

الى الاعلى