قراءة 95 مرات

إشكالية العلاقة بين الإسلام والديمقراطية

03 / تشرين2 / 2013 باسل عبد المحسن القاضي



اشكالية العلاقة بين الواقع والنظرية

استشهاد ببحث لعلي المؤمن تحت عنوان (النظام السياسي الاسلامي والانظمة الديمقراطية والثيوقراطية)


لعل مسألة العلاقة بين الإسلام والديمقراطية قد حظيت باهتمام كبير لا نجده كثيرا في أي مفهومين آخرين عدا مفهوم المعاصرة والأصالة الذي تنبع عنهما هذه الإشكالية ذاتها والتناقض والاتفاق المتولد عنها.
ونظرا لتشابك الآراء وتعددها وتنوعها والاجتهادات الكثيرة المنبثقة فيها سواء بالتأييد او المعارضة لذا كان علينا إذا أردنا ان نفهم حقيقة هذه العلاقة والإشكالية ان ننطلق من موقف حيادي في عرض وجهات النظر بدقة كافية، ومن ثم تحديد الأخطاء التي وقع ويقع فيها كثير من الباحثين الذين تعرضوا لهذه الإشكالية بسبب الموقف الدوجماطيقي او الإيماني السابق على الدراسة ، وخاصة حينما تحكم هذه الدراسة الموقف السابق عليها حتى ان الموقف منها يأتي وكأنما هو مصادرة على المطلوب من البحث التأصيلي او كموقف ميكانيكي تنسحب فيه وجهات نظر جاهزة منطلقة من موقف أيدلوجي تحكمه أساسيات غير مبرهن عليها إلا بطريقة قياسية فقهية او أحاديث وآيات يمكن صرفها إلى اكثر من نتيجة مختلفة ،
كل هذا يدعونا ونحن نحاول تأصيل الموقف علميا وفكريا وفلسفيا أن ندخل إلى هذا الوسط المتناقض دخولا هادئا وحياديا آخذين بنظر الاعتبار الأخطاء المنطقية والمزالق الفكرية التي وقع فيها غيرنا ،وهذا يجعلنا نحدد النظرة الابستولوجية التي ستحكم المنطق العقلي ونسبية الأحكام التي تفرزها هذه النظرة ، لذا سيكون طرحنا لها على وجهين
الأول الإشكالية النظرية والفكرية لهذه العلاقة بين الديمقراطية والإسلام والثاني الإشكالية الواقعية والتطبيقية على المستوى العربي والإسلامي.

1—الإشكالية النظرية والفكرية :
لو بدأنا هذا الطرح بالبديهيات العلمية المحددة للابستمولوجيا وما تفرضه على الأحكام ، فإننا سنجد ان هناك محددا فكريا لهذا الطرح يستند إلى ان أي موقف تقويمي يصدر الأحكام فإنه يجب أن لا يغفل المصادرة على المطلوب التي يقفها العقل الإنساني تجاه أي حكم او قرار ، هذه المصادرة تقول بأن مجرد تحديد موقع (الحاكم )العقلي يفرض (سلب ) حيادية إصدار الأحكام ،فكما هو الحال في الفيزياء النسبية وكما تحدث انشتاين في نظريته حيث نجد ان (موقع) المراقب يؤثر تأثيرا كبيرا على مجموعة الأحكام التي يصدرها تجاه أي حركة او سرعة او زمن في الكون كله ، وهذا (الموقع) الفيزيائي –الزمكاني- للمراقب يتحكم ويتأثر بكل أحكامه تجاه هذه القضايا مما وصم جميع الأحكام الفيزيائية في الكون بوصمة النسبية ، فاليمين واليسار والشمال والجنوب كمحددات مكانية تؤثر على الأحكام ، كما ان سرعة المراقب مع أو ضد اتجاه أي حركة سيؤثر على الحكم والقرار الذي يصدره هذا المراقب ، وحتى سرعة الضوء التي هي المطلق الوحيد في نسبية انشتاين نراها اليوم تخضع لهذه النسبية بعد ان أثير مسالة احتمال وجود سرعة تتجاوز سرعة الضوء.
إذن فأي حكم فيزيائي ليس له صحة إلا بالنسبة لمراقب ولما كان الكون كله بما فيه المراقب هو في حركة دائمة متفقة او مختلفة مع المراقب وبالنسبة له، إذن فجميع الأحكام نسبية بحكم الواقع مهما كانت دقة الرصد الفيزيائي التجريبي والحساب الرياضي المستعمل في التجربة .
وعلى مستوى الابستمولوجيا فان القصدية الفينومينولوجية للوعي –كما تحدث عنه هوسرل-تتحكم وتؤثر على أي حكم عقلي على الأشياء ، وإذا كانت قصدية الوعي مسلمة سيكولوجية –معرفية تكاد تصل إلى مستوى التعبير الفسيولوجي او الآليات الفسيولوجية ،فإن دور الإرادة النفسية لا يمكن إغفاله في طلب أي حكم عقلي على الأشياء .
أن هذه النسبية تظهر شد ما تظهر حينما تصدر أحكامها على شيئين مختلفين بغرض الجمع بينهما او الفصل بينهما حد التناقض ، كما أنها تظهر اكثر حينما تصدر أحكامها اعتمادا على مرجعيات عقائدية سابقة على وجود المسألة المطروحة ذاتها ، وهكذا نجد ان هذه النسبية تظهر في الحكم على يسار ويمين ويمين الوسط …الخ ، ان الحكم على اية مسألة اجتماعية او سيكولوجية او عقلية يتأثر في كل هذا أكثر من تأثره في المجال العلمي الطبيعي لوجود نفسية بشرية تميل وتتفاعل معه هذه الاتجاهات ذات الطابع الإنساني.
إننا إذا سلمنا بهذه البديهيات ندخل مجال الإشكالية النظرية بين الإسلام والديمقراطية دخولا أمينا بنسبة كبيرة بعد ان أخذنا الاحتياطات اللازمة لذلك قدر الإمكان فكيف يمكن عرض هذه الإشكالية النظرية والفكرية ؟

الاسلام والديمقراطية –تعددية المنظور:
لعل الدراسة التي قدمها الأستاذ عاطف احمد والمنشورة على الإنترنت بعنوان _الإسلام والديمقراطية تعددية المنظور خير مثال لنا لإيضاح ما يمكن ان تعطيه المنظورات المختلفة لهذه العلاقة من أحكام مختلفة فالأستاذ عاطف احمد يستخدم أربع زوايا للنظر إلى هذه العلاقة هي منظور النص الديني التي يعتمد فيها على النصوص الدينية لإصدار الأحكام على هذه العلاقة، ثم المنظور الأيدلوجي الذي يتجاوز النصوص الدينية إلى معطيات الأيدلوجيا ويجعل النص الديني يقول ما تريد الأيدلوجيا قوله ، ثم منظور التاريخ الإسلامي الذي هو التاريخ الواقعي المعبر عن هذه العلاقة عبر الحكم الإسلامي ، وأخيرا منظور الاستدلال المنطقي-العقائدي والذي فيه يخضح الحكم للمقدمات المنطقية التي تحكم النتيجة حتى أنها يمكن أن تعطي حكمين متناقضين باختلاف مقدمة كل منهما فكيف استخدم الكاتب هذه المنظورات وما هو الحكم الذي توصل إليه في كل منهما؟
يبدأ الكاتب بالحديث عن انه سيجاوب على سؤالين باعتبارات مختلفة، هذان السؤالان هما :
الأول هو هل هناك مواصفات دينية للديمقراطية ؟
والثاني هو كيف يمكن تطبيق الديمقراطية في مجتمع تدين غالبيته بالإسلام ؟
يقول الكاتب(إن السؤال الأول ينطوي على فرضية مسبقة هي ان ثمة ما يمكن تسميته بديمقراطية دينية ثم التساؤل عن المواصفات التي تتطلبها بينما يرى البعض وهو ليس بالقليل ان الديمقراطية –بصيغتها المعاصرة-هي منظومة سياسية حداثية ليس باستطاعتنا رصدها على النحو الراهن في أي فكر سابق على الحداثة ، اما السؤال الثاني فإجابته تتطلب إما إثبات وجود الديمقراطية في الإسلام واما الفصل بين الدين والسياسة على النحو الذي نراه في الدولة الحديثة والسؤالان معا يستدعيان اذن تحديد العلاقة بين الإسلام والديمقراطية الأمر الذي يطرح بدوره سؤالا مركزيا هو : أي إسلام نعني او بتعبير أدق من خلال أي منظور نتعامل مع الإسلام ؟هل من خلال القراءة الملتزمة للنص الديني ام من خلال الاستدلال المنطقي ؟ أمن معتقد معين أم من خلال التاريخ الواقعي للإسلام ؟ أم من خلال منظور مستمد من أيدلوجية معينة ؟فهناك على الأقل منظورات أربع تنبي ما قد يترتب عليها من رؤية ديمقراطية ) وهكذا تأخذ الأحكام نسبيتها الحقيقية او حقيقتها النسبية والتي نراها تتعدد حسب زاوية النظر التي يصدر الأحكام القيمية عليها فكيف فعل الكاتب هذا؟

المنظور الديني:-
يبدأ الأستاذ عاطف بمنظور النص الديني مشيرا بان النص القرآني يتحمل اوجه متعددة من التفسيرات الواسعة المحتملة مما يجعله متاحا أمام أي باحث يستخدمه لخدمة فرضه مما يجعله أحيانا يجتزئ النص من سياقه ويتعسف في تأويله أما الكاتب فيعرف المنظور الديني الذي يقصده بقوله(ذلك المنظور الذي يستكشف كافة النصوص الواردة في القرآن المتعلقة بموضوع البحث ثم يلتزم في فهمها ببنيتها اللغوية من ناحية وبالسياق اللغوي العام وسياق الوقائع المرتبطة بتلك النصوص من ناحية أخرى ليخرج في النهاية بتفسير موضوعي قدر الإمكان لا يتأثر كثيرا بموقفه او اتجاهه الفكري المسبق ) ، وهكذا يبدأ تطبيق هذه المعطيات على الموضوع فماذا وجد؟ يقول (فعلى سبيل المثال هناك نصوص تستخدم كثيرا لتبرير القول باحتواء الإسلام على المنظومة الديمقراطية وهي نصوص تتعلق عادة بمفهوم الشورى ومفهوم البيعة ومفهوم الاستخلاف وقيم الكرامة والعدل ، رغم علمهم ان للشورى حتى في حالة اعتبارها نظاما سياسيا مواصفات خاصة ليس بمقدورنا إذا أردنا ان نكون موضوعيين ان نتجاهلها هي :
أولا أنها عمل يصدر عن الحاكم او صانع القرار وأنها اختيارية في إجرائها استشارية في نتيجتها ، وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله ،
ثانيا :أنها منظومة قبلية سابقة على الإسلام تعبر عن متطلبات الحياة في جماعات (واقع تاريخي)
وثالثا :أن هناك مفهوما ورد به نص ديني قد يجعل المسألة أكثر تعقيدا مما تبدو وهو مفهوم طاعة أولى الأمر ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولياء الأمر منكم –النساء 59)فأيا كان تفسير عبارة أولي الأمر فإن مفهوم الطاعة في حد ذاته لا يستقيم مع مبدأ المشاركة في صنع القرار السياسي ومساءلة السلطة ومراقبتها وسحب الثقة منها والذي هو جوهر العملية الديمقراطية) وهكذا يتحول مفهوم الشورى إلى نسبيته التاريخية والمفهومية تجاه مفهوم الديمقراطية من خلال هذه المحددات للمفهوم وللممارسة التاريخية له.
أما بالنسبة لمفهوم البيعة الذي يعرفه الأستاذ عاطف بأنه(اتفاق او عهد يجري بين طرفين ويلتزم كل منهما بالتزام ما تجاه الآخر) ويستشهد في بيعة العقبة الأولى (حيث دخل بعض الاوس والخزرج في الإسلام والثانية التي هي معاهدة بين الاوس والخزرج والنبي صلى الله عليه وسلم هدفها حماية النبي مقابل انتمائه لهم ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة –الفتح-18-19) وفي التوبة ( ان الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بان لهم الجنة فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم –مبايعة من الله ) وهذه البيعات لم تكن من البيعات التي تكون لرؤساء الدول إذ لم يكن من شأن النبي صلى الله عليه وسلم أن يصدر قرارات إلا ما أذن الله له من بيان وتوضيح للناس وبذلك يمكن القول ان الإسلام الدولة قد نشأ بعد ان انتهى أمر النبوة والرسالة .
وبعد ان يلاحظ الكاتب ان بيعة اجتماع بني ساعدة لم تكن دينية بأي حال حيث وصل فيها الجهاد إلى امتشاق السيوف وكانت الممايزة فيها على أسس دنيوية بحتة يبين أحقية المهاجرين قريش والأنصار حتى قال عمر كلمته الشهيرة : من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته ونحن أولياؤه وعشيرته ،وقال أحد الأنصار موافقا :ألا ان محمدا من قريش وقومه أحق به وأولى .ويصل الكاتب إلى القول بان كل تلك الأمور هي خارج النص الديني الأساسي (القرآن) وبالتالي فيمكن تحديد مجمل خصائص البيعة في أنها إقرار بالسلطة بما يعني –وقتها-ان الذي يبايع لن يعلن الحرب على من يأخذ البيعة وهو أمر شديد الأهمية في مجتمع تقوم الشرعية فيه على القوة القبائلية او العشائرية قبل كل شيء والبيعة بهذه الصفة من الصعب إيجاد صلة قوية بينها وبين عملية الانتخاب العام من خلال الاقتراع السري المباشر الذي يشارك فيه جميع الأفراد الراشدين العاقلين.
وحينما يناقش الكاتب مسألة الاستخلاف يرفض التفسيرات القائلة بأن نزول آدم عليه السلام إلى الأرض ما كان لخلافة الله بل كان عقوبة على خطيئة، وخلافة داود عليه السلام يمكن فهمها على أنها الملك بينما خلافة المؤمنين تأتي هنا بمعنى الفوز في نهاية الأمر ويستنتج انه( في كل الحالات فما دام الهدف من خلق البشر جميعا هو عبادة الله وفقا للنص القرآني الصريح فالخلافة هنا من الصعب فهمها على انه السيادة المطلقة بل هي نوع من التفويض المشروط بتنفيذ التعاليم الإلهية ) .
أما بالنسبة لقيم الكرامة والعدل فيعترف الباحث بان هناك نصوصا عديدة في القرآن تتحدث عن الأمر بالعدل والإحسان –النحل –90)وعن الحكم بين الناس بالعدل –النساء-58) وعن الأمر بالقسط بين الناس –ال عمران –21) وعن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بان يعدل بينهم –الشورى –15) وعن القوامة بالقسط ولو على أنفسكم –النساء-13) وكذلك عن الكرامة إلا انه يضيف ( لكن المشكلة هنا هي كيف يمكن الاستدلال على الديمقراطية من خلال قيم العدل والكرامة دون ان نتجاوز النصوص ومعانيها وسياقاتها).
وتظهر نسبية الأحكام اكثر –في علاقة الديمقراطية بالإسلام –حينما يصل الباحث إلى منظور الاستدلال المنطقي العقائدي فكيف ذلك؟
منظور الاستدلال المنطقي –العقائدي:
هنا تختلف الأحكام والنتائج باختلاف المقدمات الاعتقادية المختارة فمرة يكون هناك اتفاق بين الديمقراطية والإسلام ومرة يكون اختلاف حد التناقض ، فإذا كانت المقدمة الاعتقادية هي : ان الله هو الخالق العادل فمنهج الاستدلال يمكن ان يجري على النحو التالي :
الله خالق كل شيء –الله عادل فيما خلق
عدل الله في خلقه من البشر يقتضي ان يكون
كل البشر متساويين في الحقوق والواجبات
وكل البشر أحرار في فكرهم وسلوكهم حتى يمكن محاسبتهم على أفعالهم ،وإذن فالمجتمع يتكون من أفراد متساوين جميعا وأحرار يملكون القدرة على اختيار ما يفعلون وعلى ذلك فالسلطة في مثل هذا المجتمع يجب ان يتقاسمها الجميع أي ان يشارك الجميع في صياغة القرار السياسي بمختلف مستوياته بما في ذلك الأشكال المؤسسية المنظمة لهذه المشاركة والإجراءات العملية التي تتطلبها مثل الانتخابات وفصل السلطات وتداول السلطة وهذه هي مكونات الديمقراطية .
أما إذا كانت المقدمات الاعتقادية مثلا هي علم الله بمصلحة البشر الذي يتمثل في الشريعة فيمكن ان يجري الاستدلال كما يلي :
الله عالم بما فيه مصلحة البشر
الله وضع في الشريعة كل ما يحتاجه البشر
إذن على الإنسان ان يطيع أوامر الله كما يحددها أهل العلم المتخصصين في الدين ، حكم الشريعة يجب ان يسود وعلى الأفراد الطاعة (حكم ثيوقراطي مناف للديمقراطية)
وهكذا يمكن للاستدلال المنطقي الاعتقادي ان يصل بنا إلى نتيجتين مختلفتين وفقا لمضمون المقدمة الاعتقادية المختارة .

المنظور التاريخي :
أما المنظور التاريخي فان الباحث يتحدث عن التطبيق الإسلامي الحقيقي للإسلام عبر التاريخ الطويل له، حيث يجد الباحث ان هناك فترة وجيزة من التاريخ الإسلامي لا تزيد عن ربع قرن من مجموع أربعة عشر قرنا هي عمر الإسلام هي التي طبق الإسلام فيها تطبيقا جعلها فترة مقدسة وهي التي تنحصر في القرن الأول الهجري ثم فترة من القرن الرابع الهجري الذي شهد حركة فكرية وعلمية متفردة والتي كانت فترة الازدهار الحضاري التي أثرت في أوربا واستمدت منها حضارتها الراهنة ، ويرى الباحث ان هاتين الفترتين اعتبرتا ممثلتان للإسلام بينما يعتبر باقي التاريخ انحرافا عن الإسلام الحقيقي، وهو يرى ان هذا الحكم ينطوي على تحيز أيدلوجي واضح وقد تتناقض بعض فرضياته مع الوقائع التراثية التي وردت في كتابات القدماء خاصة ،ويرفض التسليم بداهة بأن الإسلام دين ودولة بناء على تأسيس النبي صلى الله عليه وسلم دولة الإسلام الأولى ويقول بأن دمج السلطة الزمنية والدينية في السلطة السياسية في زمن النبي صلى الله عليه وسلم قد يكون هو الأصل للمقولة التي شاعت في العصر الحديث من أن الإسلام دين ودولة وهي مقولة –كما يقول-تتسم رغم شيوعها بالالتباس الشديد لأنها لا توضح ما إذا كانت التشريعات الدنيوية –المعاملات- في الإسلام هي ذاتها دينا مقدسا وثابتا وملزما أم أنها دنيوية بحتة متغيرة وفقا لشروط الزمان والمكان ، وفي هذه الحالة هل تعني تلك المقولة إن الإسلام يتضمن الدين كما يتضمن شيئا آخر غير الدين هو الدولة ، أم أن الدولة رغم أنها دنيوية بحتة تظل داخل إطار الدين رغم أننا نحن البشر من ننشئ هذه الدولة وننظمها ونشرع لها ونديرها؟

المنظور الايدلوجي:
أخيرا نأتي إلى المنظور الأيدلوجي والذي يعني معالجة النص من منظور غير ديني مستمد من تصورات ومفاهيم ورؤية فردية للعالم والحياة بحيث يرى في النص ما يعتقده هو لا ما يقوله النص، فبينما يفترض أن التفسير والتأويل كليهما يلتزمان بضوابط لغوية ومنهجية معينة فإننا نجد أن القراءة الأيدلوجية تعفي نفسها من تلك الضوابط وتستنطق مفردات النص –طوعا أو كرها-بمفرداتها هي ويمكن –كما يقول الباحث-تصور خطوات القراءة الأيدلوجية على النحو التالي :

1-تبني منظومة معينة من التصورات والمعتقدات تنشأ –عادة –بعيدا عن التعامل مع النص الديني ، أي في سياق معرفي وثقافي واجتماعي ينتمي لعصر مغاير تماما لزمن ورود النص.

2-توظيف تلك المنظومة في تكوين تصور معين للمسألة الدينية ولما يجب أن يكون عليه النص الديني أي ما يجب أن يحتويه من مبادئ وحقائق ونظم في مختلف المجالات .

3-البحث عما يؤيد ذلك التصور فيما ورد في النص الديني من كلمات أو عبارات أو إشارات هنا وهناك وفصلها عن سياقها اللغوي والوقائعي حتى يمكن تحميلها بالمعنى المراد الوصول إليه ، وقد يكون ذلك المنظور ليبراليا مثلما نجد في مدرسة محمد عبده وامتداداته الفكرية وقد يكون اشتراكيا مثلما كان لدى عمار اوزيجان الجزائري في الجهاد الأفضل ولدى سلمان غانم الكويتي المعاصر ولدى جمال البنا في كتاباته العديدة وقد يكون أصوليا يتبنى مبدأ الحاكمية لله ويستبعد تماما من أي عملية تشريعية ويضع التشريع الإلهي في مواجهة التشريع الوضعي واخيرا قد يكون علمانيا مثلما نجد أيضا في بعض مواقف المفكرين وفي تيار الإسلام النقدي الذي يمثله في الفكر المعاصر اركون وخليل عبد الكريم ونصر أبو زيد وغيرهم ، وفي كل حالة من تلك الحالات نجد أن الإسلام يتغير مضمونه وفقا لنوع الأيدلوجيا التي يتبناها الباحث ويتغير بالتالي الموقف مما إذا كان الإسلام يتوافق مع الديمقراطية أو يتنافى معها ,
هكذا نجد أن طبيعة المنظور المستخدم تنعكس على طبيعة الحكم الناتج عنه ومن هنا كان تعدد الاجتهادات في الديمقراطية والإسلام حتى وجدنا من يحرمها ويعتبرها كفرا واضحا وصريحا ويصف من يدعو إليها بالكافر اعتمادا على مقدمات في الفكر الإسلامي وآخر يعتبرها هي الصورة المتطورة من نظام الشورى الإسلامي حتى أطلقوا مصطلح الشورىقراطية وهناك من يصف القائلين باختلاف الديمقراطية عن الإسلام بأنه لم يفهم الإسلام ولا الديمقراطية على حد سواء وحتى على مستوى الكتابات الغربية نجد من يعتقد أن الإسلام دين ديمقراطي وهناك فعلا ما يمكن أن نسميه الديمقراطية الإسلامية ويستشهد عليها بالنصوص والتاريخ ومنهم من يعتبر الإسلام دين ثيوقراطي حاكميته مطلقة ذات طابع الهي .
وهكذا تتعدد الاجتهادات حتى يمكن القول إن تعدد وجهات النظر تصل إلى حد التعدد الفقهي ذاته بل والى الطوائف الإسلامية وتعددها واجتهاداتها بل نجد الاختلاف أحيانا حتى في المذهب الواحد ففيهم مؤيد وفيهم معارض والبعض يعترض على الديمقراطية بمجرد ذكرها كمصطلح غربي .

الحرية وسط التجانس بين الديمقراطية والإسلام:
حينما ننطلق من مفردة الحرية في الإسلام كأساس للحديث عن قرب الإسلام وبعده عن الديمقراطية وباعتبارها المضمون الحقيقي لممارسة الديمقراطية سواء على المستوى الفردي أو الجماعي وصولا إلى حرية اختيار نظام الحكم ومن ثم باعتبار الديمقراطية في أساس نشأتها كانت على أساس الحقوق الطبيعية للإنسان فماذا نجد ؟
في دراسة للدكتور عادل العوا عن الحرية في أصولها الإسلامية ينطلق من تأكيد الإسلام على الحرية باعتبارها فطرة فطر الله الناس عليها سواء من باب العدالة الإلهية على البشر أو من باب أن الله أعطى الإنسان قدرة للاختيار إن شاء عمل خيرا أو عمل شرا ، أي إن حق الاختيار متاح للإنسان بمجرد وجوده وما دام الإسلام يعترف بان الإنسان له قدرة الاختيار فقد سلم بأول مفردة من مفردات الاختيار الإنساني وقد أعطاه الله سبحانه وتعالى عقلا قادرا على أن يكون مرجعية أولية للتفضيل بين طريق وطريق عبر المعرفة والمنطق الذي له ، إذن في البدء كانت الحرية ثم كان العقل والمعرفة أدوات تغذية هذا الاختيار بما يصلحه أو يقومه على الطريق المطلوب ، وهكذا نرى أن الإسلام ينطلق من حق طبيعي للإنسان يسبق به أي اختيار ديني أو فكري أو سياسي …الخ ولا نجد في أي آية في القرآن أو حديث شريف ما يعارض هذا بل كل الآيات والأحاديث تؤيد هذه الحقيقة وتؤكدها .
هكذا نجد أن الحرية تسبق الإسلام في الإنسان وبالتالي فاختيار الإسلام كعقيدة يأتي لاحقا لوجود هذه الحرية ، بل إن الاختيار الإنساني الأول بعد خلق الإنسان الأول آدم عليه السلام كان العصيان لما أمر به ، وعصيان آدم عليه السلام لربه جاء بعد إعطائه الحرية ومنظومة المعلومات حول الشيطان وعداوته للإنسان فلما اختار العصيان لم يكن إلا مختارا وقادرا على تأكيد هذه الحقيقة والقدرة ، من هنا فان الإسلام يذهب مع حق الاختيار حتى النهاية .
إذن ففطرة الإنسان كما يقررها الإسلام كانت الحرية في الاختيار أي فطرة الحرية وهو بهذا يتجاوز أي مذهب فكري يتعرض لمبدأ الحرية لدى الإنسان وهذه الحرية أمانة الله التي استأمن الإنسان عليها والتي رفضتها الكائنات كلها ورضيها الإنسان( انا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان ) وهكذا وجدنا إن كل الكائنات تسجد لله تعالى بحكم تنازلها عن الاختيار للطاعة لله إلا الإنسان ( ألم تر أن الله يسجد له ما في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب –الحج –18) فمخلوقات الله جميعا تسجد له إلا بني الإنسان فان منهم الساجدين ومنهم الكافرين ومنهم المطيع ومنهم العاصي وهذا اختيار محض .
إذن فتعريف الإنسان في الإسلام انه حرية قبل كل شيء قبل ان يكون موصوفا بأي صفة ثم بعد ممارسته لتلك الحرية في اختيار عقيدته يبدأ الحكم على سلوكه بالصواب او الخطأ ولو شاء الله سبحانه وتعالى لهدى الناس جميعا ولكنه لم يفعل ذلك لانه أراد الإنسان ان يطيعه بحريته وارادته ومن هنا فان الحرية في الإسلام مبدأ حركته كلها( ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين –يونس-99) .
يقول العالم الجزائري الشيخ عبد الحميد بن باديس عن واجب الدولة الإسلامية في كفالة الحرية للفرد المسلم (حق كل إنسان في الحرية كحقه في الحياة ومقدار ما عنده من حياة هو مقدار ما عنده من حرية والمعتدى عليه في شيء من حريته كالمعتدى عليه في شيء من حياته وما أرسل الله من رسل وما شرع لهم من الشرع إلا ليحيوا أحرارا وليعرفوا كيف يأخذوا بأسباب الحياة والحرية ، وحتى يستثمروا الحياة وتلك الحرية إلى أقصى حدود الاستثمار النافع وما انتشر الإسلام في الأمم إلا لما شاهدت فيه من تعظيم للحياة والحرية ومحافظة عليها وتسوية بين الناس فيها مما لم تعرفه تلك الأمم من قبل لا من ملوكها ولا من أحبارها ورهبانها



________________________________________
وتتنزل هذه الحرية حتى تصل إلى الدعوة إلى الإسلام ويطالب الإسلام أن يؤمن الإنسان باختياره ويرفض قبول الإكراه في الدين أو استعمال أي قوة أو السيطرة لتحقيق ذلك ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي )وأكثر ما يفعله الإسلام في القرآن ان يدعو الناس ان يحكموا عقولهم ويتدبروا خلق السموات والأرض ، أي انه يغذي العقل بمنظومة من المعلومات ليساعده على حسن الاختيار والفرز بين الحق والباطل وحتى في الجدال مع الكفار كان منطق الموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن) ويرفض رفضا قاطعا أسلوب الإكراه ( ولو شاء ربك لهدى الناس جميعا افأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) بل انه يعطي حقيقة إلهية عن طبيعة البشر في العصيان ( وما اكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) وأكثر ما يطالب به هو تقديمهم برهان عدم إيمانهم فيقول لهم ( قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين).
إذن فالحرية في الإسلام –والديمقراطية هي الجسد التنظيمي لممارسة الحرية في الحكم والنظام –هي أساس كل اختيار حتى اختيار العقيدة نفسها بل و يطالب الإسلام الإنسان بممارسة حريته علنا عبر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولم يتركها حيادية محصورة في داخل الإنسان فقط ، وبهذا فان الإسلام يتجاوز جميع القوانين الوضعية مهما كانت متطرفة لجانب الحرية ، فالقانون الوضعي اكثر ما يذهب في هذا هو مذهب إباحة الرأي فقط ولا يوجب إبداءه على الأفراد في حين ان الإسلام يعتبر ذلك واجبا من واجبات المسلم عبر أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر أي ان الحق في المفهوم الإسلامي ليس ذا مضمون سلبي يقف عند حدود وجوده وعدم إساءة استخدامه بل يتعدى ذلك بخطوة أخرى هي التي جعلت الحق ذل مضمون إيجابي عبر الدعوة له .
من جانب آخر ولتأكيد هذه الحرية للإنسان فقد وقف الإسلام موقفا شديدا ضد الاستبداد الذي هو ضد الحرية ،فالإسلام نقيض الاستبداد وحينما بدأ دعوته في مكة كان اتباع الدين يأتون إليه لكونه يحررهم من الظلم والاستبداد فكان الإسلام يعد العبيد بالحرية قبل كل شيء وفعلا استطاع أن يقضي على نظام الرق ، لقد ساوى الإسلام بين الاستبداد والكفر فهو دين الحرية قبل كل شيء ،وإذا كان علماء أوربا في فترة التنوير قد دعو للقضاء على الاستبداد باعتباره مناقضا لطبيعة البشر وحاولوا أن يقيموا النظام الديمقراطي على أساس من هذا المبدأ الطبيعة البشرية فان الإسلام سبقهم في ذلك مئات القرون حينما أكد ان الله خلق الإنسان بطبيعة حرة بل إن الحرية هي جوهر وجوده وطبيعته.
ومن اعظم التأكيد على حرية الإنسان في الإسلام انه ينظر إلى أن الإنسان الذي لا يمارس هذه الحرية في اختيار العقيدة كأنه لم يؤمن فهو يرفض الإيمان بالتقليد أو بالوراثة أو من خلال البيئة ويطالب الإنسان أن يختار عقيدته باختيار حقيقي وإذا كان الإسلام لا يمانع في تقليد الآخرين في أحكام شرعية معينة إلا انه لا يمكن أن يقلد غيره في أصول الدين أي اعتناق الإسلام .
إذن فالإسلام الذي يقوم على هذه الحرية يلتقي بالديمقراطية أو بمرجعية الديمقراطية ذات المضمون التحرري التي تعتبر أن الإنسان حر بطبيعته وان حقوقه النابعة عن هذه الطبيعة يجب أن تحترم وتصان ويحافظ عليها لأنها من الحفاظ على إنسانية الإنسان نفسه .
من جانب آخر فان ممارسة الإنسان لحريته في المجتمع تجعله يتقيد بما يفرضه المجتمع من ضرورات عبر العمل الجمعي وأنظمته وسياقاته وبالتالي فان حدود الحرية الفردية ستقف عند الحدود الفردية لشخص آخر يريد أن يمارس حريته ومن ثم تم الاتفاق على وجود المجتمع عبر عقد واتفاق بين المجتمعين يرتضون بموجبه الحياة الاجتماعية بما تفرضه من تقييدات على ممارسة الحرية للأشخاص المتعددين ،ولما كان المجتمع لا يقوم بدون سلطة سياسية تحدد له مساراته وسياقاته وأمانيه من هنا تحولت الحرية إلى نظام وآليات تنظيمية للمجتمع بدءا من الفرد حتى الحكومة ، وللحفاظ على أن تقوم هذه الأنظمة وشكل الحكومة بمهماتها للحفاظ على المجتمع كان على الأفراد أن يمارسوا حرية اختيارهم لشكل الحكومة وقانونها ودستورها ونظامها بما يحافظ ولا يتعدى على الحقوق الفردية للمواطنين عامة وبما يكفل لهم الحرية وفق قانون يرتضونه ويختارونه .
وهكذا بدأت الديمقراطية تعبر عن ممارسة الشعب لحريته في اختيار نظام الحكومة والمجتمع والقوانين المنظمة لحياته ومن هنا كانت الديمقراطية المباشرة في ممارسة الحرية في مجتمعات صغيرة كما كانت في اليونان القديمة ثم بعد توسع المجتمع والمدن والدول كانت الديمقراطية غير المباشرة بانتخاب الشعب لمن يمثله في مجالس نيابية كما فرض صيغا معينة للحفاظ على هذه الممارسة ولكي لا تطغى الحكومة على إرادة الشعب فقام بتوزيع المسؤوليات على سلطات متعددة كالسلطة القضائية والسلطة التشريعية والسلطة التنفيذية بحيث يسهل المحاسبة بين هذه السلطات بعضها لبعض ولا تستبد بقراراتها إذا لم تحصل على الإجماع الشعبي المطلوب ، ثم تطورت الديمقراطية بعد نشوء الأحزاب ثم وجود مجتمع المدني يراقب الحكومة عبر تنظيمات شعبية غير حكومية كالجمعيات والنقابات والمنظمات غير الحكومية الأخرى لمحاسبة الحكومة بسلطاتها المختلفة إذا ما حاولت أن تفرض أحكاما أو قرارات قسرية على الشعب حتى اصبح المجتمع المدني في الوقت الحاضر يلعب دورا كبيرا في جعل الحكومة تسير على سكة الشرعية المبنية أساسا على مصلحة الشعب وحريته قبل كل شيء وهكذا دخل مبدأ الاستفتاء الشعبي على أي قرار كبير تريد الحكومة أن تتخذه في المجتمع وسياسة الدولة واقتصادها
ان وجود الحياة المجتمعية في الأنظمة الديمقراطية فرض تعددا للآراء المختلفة مما طرح مبدأ المسامحة والرضا بالاختلاف مع الآخر ووجوده معه حتى تقسمت السياسات إلى يمين ويسار ومؤيد ومعارض مما فرض الاعتراف بحقيقة المعارضة وحقها في الاختلاف والتعبير عن رأيها المختلف مع الحاكمين عبر نشاطات إعلامية ومسيرات التظاهرات تأكيدا لحرية الرأي الآخر . فكيف عبر الإسلام عن ديمقراطيته –ممارسة الحكم-في الإطار النظري ؟ وهل يعتبر شكل نظام الحكم مسألة إنسانية أم دينية ؟ ولماذا لم ينص الإسلام لا في القرآن ولا في السنة على شكل الحكم الدستوري للحكم الإسلامي وأبقاه مفتوحا للاجتهاد؟
لقد اجتهد العلماء المسلمون في شكل الحكومة إسلاميا وديمقراطيا على أساس ان شكل الحكومة إنما هو اجتهاد إنساني يمكن الاستفادة من أي ممارسة جيدة تتناسب ولا تختلف مع المبادئ الإسلامية ، ومنهم من اعتقد أن شكل الحكومة أمر الهي اعتمادا على ما جاء في القرآن والسنة حصرا وممارسة الخلفاء الراشدين كان تعبيرا عنها وهناك من يجتهد في عقد المقارنات في التشابه والاختلاف بين نظام الحكم الإسلامي والديمقراطي وسنحاول ان نستعرض بعض هذه الاجتهادات والأسانيد التي استخدمها العلماء لدعم آرائهم فيها

مدخل منهجي
في كتابه –الديمقراطية التحديات والابتكارات في التسعينات ينقل روبن رايت نصا للفيلسوف الإيراني عبد الكريم سوروش مستشهدا فيه على علاقة الديمقراطية والإسلام قال فيه (إن الديمقراطية الإسلامية ترتكز على دعامتين : الأولى –هي انه لكي يكون الإنسان مؤمنا حقيقيا يجب أن يكون حرا ، أما أن يؤمن تحت ضغط وإكراه فلن يكون أيمانه حقيقيا وهذه الحرية هي أساس الديمقراطية ، والدعامة الثانية :هي إن تفسير النصوص الدينية هو دائما متجدد حيث إن التفسيرات تتأثر دائما بالعصر الذي نعيش فيه وبالتالي فأنت لا تستطيع أن تعطي تفسيرا ثابتا ولكن من حق كل شخص أن يفسر الدين انطلاقا من مبدأ المساواة أمام الله وعلى أساس هذين المبدأين فان الديمقراطية الإسلامية النموذجية هي نتاج للمعتقدات ورغبة الأغلبية ومثلها في ذلك مثل الديمقراطية في أي مكان وبالتالي فهي لا يمكن أن يتم فرضها من القمة أو عن طريق الصفوة من رجال الدين ).
أما الكاتب الألماني المسلم مراد هوفمان فانه يتحدث عن لبنات أساسية للديمقراطية الإسلامية ويكتب تحت عنوان (شورى قراطية ) ومن خلال كتاب الإسلام في الألفية الثالثة- ديانة في صعود -( إن القانون الإسلامي –أي الشريعة-لا يتطلب شكلا محددا للدولة المثالية فعلى كل جيل من المسلمين أن يجتهد للتوصل إلى تنظيم الدولة الذي يتماشى على افضل سبيل مع موروثاته ودرجة تطوره ويحقق افضل مصالحه ، من الممكن أن يكون هذا الكيان مملكة خاصة إن القرآن يتحدث عن الملوك مثل ملك سليمان في سورة النمل –28-24وملكة عادلة ذات عقل راجح هي ملكة سبأ بلقيس، ولكن من الجائز أن تكون هذه الدولة جمهورية مثل الدولة الإسلامية الأولى التي قامت في المدينة ، أما أهم الشروط التي يجب توافرها في كيان حكم إسلامي صحيح هو ان يسود فيه الإجماع على من يحكم وما يحكم أو أن يتم الحكم بموافقة الغالبية حتى يكون هناك عقد بمفهوم روسو يحكم العلاقة بين الشعب والحكومة ويسمى العقد الاجتماعي وهو في الإسلام (البيعة).
أما اللبنات الأساسية للديمقراطية الإسلامية فيحددها هوفمان بقوله(انه لما كان أهم أهداف الديمقراطية ووظائفها إنما هو تأمين وجود رقابة منظمة على الحكومات لمنع أي ظلم وتسلط وسوء استخدام للسلطة وما هذا إلا جوهر الأهداف الإسلامية فيتم ذلك في الديمقراطية الإسلامية بجعل القرآن الكريم المصدر الأعلى للدستور وسيكون هذا اللبنة الأولى لديمقراطية إسلامية ، أما اللبنة الثانية لهذه الديمقراطية فهي في وضع جميع القوانين المستمدة من القرآن الكريم موضع اعتبار وقياس من قبل قانونيين مسلمين ، واللبنة الثالثة لهذه الديمقراطية هي قيام حياة نيابية إسلامية بناء على التوجيه القرآني بوجوب الشورى حتى أن الشيخ محفوظ نحناح زعيم الحركة الإسلامية الجزائرية اقترح تسمية شورى قراطية للشكل الإسلامي للديمقراطية ،ثم تأتي اللبنة الرابعة في البناء الديمقراطي بكيفية انتخاب أعضاء مجلس الشورى وليس بالتعيين بل عبر انتخابات عامة حرة لممثلي الشعب ،واللبنة الخامسة هي إصدار تشريعات تنظم الجوانب الفنية لبناء الشوارع والتعريفة الكمركية والمسائل الصحية وضمانات العمل وغيرها و أحكام تكميلية في مجال التعزير ) ويختم هوفمان لبناته بانتخاب رأس الدولة عن طريق انتخابات نيابية وفق المنظور الإسلامي أي ان يكون ذكرا ولا وجود لمجلس ثوري ولا مكتب سياسي .
وهناك من يرى وجوب الدعوة إلى الديمقراطية إسلاميا وليس الوقوف عند معرفة التشابه أو الموافقة على النظام الديمقراطي وعدم رفضه بل ويدعو صاحب هذا الرأي إلى اعتبار أن الديمقراطية إنما هي آليات تنظيمية يحق للجميع الاستفادة منها باعتبارها إنجازا إنسانيا وخير من عبر عن هذا الرأي الأستاذ محمد حسن الأمين في مقابلة مفصلة نشرت على الإنترنت حيث يبدأ حديثه عن الديمقراطية بقوله(هي نظام يكاد يكون مجرد آلية للتنظيم تتوخى اكثر قدر من العدالة في توزيع المسؤوليات وفي تحقيق المجتمع السياسي بحيث يمكن القول بان الديمقراطية هي نظام الحرية عندما نريد أن ننقل الحرية من معناها المجرد إلى المجتمع السياسي ) ويضيف( لما كانت الديمقراطية إنجازا إنسانيا فإني اعتقد أن الإسلام لا يمانع من الأخذ بأسبابها إذا لم نقل إن الإسلام يدعو إلى الأخذ الجدي بمعطيات النظام الديمقراطي لان ذلك يتصل اتصالا وثيقا بما دعا إليه الإسلام على مستوى الشورى ..الحكمة ضالة المؤمن يأخذها أنى وجدها). ويسند الأمين رأيه بان الإسلام لم يحدد شكل النظام الخاص به مما يسمح بالاجتهاد فيه ويقول( الإسلام لم يحدد شكل النظام الخاص به ولم يحدد في أي من مصادره الأساسية كالقرآن ، ولكنه دعا لتطبيق الشريعة الإسلامية وهذا ما جعل المسلمين القدماء يستفيدون من الأنظمة التي كانت سبقتهم كالروم والفرس وطبقوها في الدولة الإسلامية وهكذا الحال بالنسبة للنظام الجمهوري والديمقراطي ) ،ويؤكد الأمين على انه (في إطار شكل الحكومة فان الإسلام اختار العدالة ولم يحدد للناس النظام الخاص المغلق لهذه العدالة فالنظام الذي يحقق العدالة حينما يختاره المسلم فهو اختيار صحيح وهو حر في ذلك لأنه يحقق العدالة ) .
أما مسألة كون السلطة شانا بشريا وليس إلهيا فيحددها بقوله( إن السلطة في الإسلام ليست شأنا إلهيا ولكنها شأن بشري ،الشريعة شأن الهي ، إن الله انزل الشريعة ويجب علينا كمسلمين أن نطبقها أما السلطة فهي شان بشري يختاره البشر وبالتالي فان شرعية أي نظام هي في اختيار البشر سفهو نظام شرعي وان كانت اسلاميته منقوصة أما النظام المستبد فانه لاشرعية له حتى لو كان يحكم باسم الإسلام ) .
أما بالنسبة للشورى فهو يرى إنها ليست محببة فقط بل هي أمر واجب وملزم وقد كانت ممارسة الرسول صلى الله عليه وسلم لها في أول الإسلام حينما كان يستشير أهل الحل والعقد فهذه آلية الشورى مناسبة لذلك العصر ولكنها ليست آلية خالدة فبعد اتساع الحكم الإسلامي على الدنيا أخذت آلية الشورى النبوية هذه تتعقد بتعقد العصر واتساع مساحة الحكم ، ومن نظام آلية الشورى الأول إلى آلية النظام الديمقراطي نجد إن الهدف هو استشارة ومشاركة الملايين من الناس في هذا العمل عبر الانتخابات فالديمقراطية هي مبدأ الشورى نفسه ولكن بمناسبة العصر الحديث ولو استمر نظام الشورى في الإسلام وتطور مع تطور الدولة الإسلامية لأمكن اكتشاف النظام الديمقراطي قبل اكتشاف الغرب له .
على إن الاجتهاد الخطر في تطبيق الشريعة يذهب إلى إمكانية أن يدعي أي حاكم انه يطبق الإسلام كما يفهمه مما يفتح مجالا للاستبداد باسم هذا الفهم للإسلام من هنا تظهر ضرورة الديمقراطية للحكم الإسلامي حينما تكون مبنية على رأي الشعب وأكثريته حيث عندها لا يستطيع أي حاكم مستبد أن يقول هذه الشريعة كما افهمها أنا وأنا أطبقها إذن ما هو الضمان ضد هذا الاستبداد ؟ يجيب الأمين (هو في ان تكون المرجعية في اختيار السلطة هي الناس لذلك فانه لاشرعية لأي نظام دون ان تكون هناك ضمانة حقيقية لإمكانية تداول السلطة وليس الاستفراد بها .
وينقد الأمين بعض الممارسات للأحزاب الإسلامية حينما تستغل الديمقراطية للوصول إلى السلطة دون الإيمان بها فيقول ( ان التيارات الإسلامية التي تستفيد من الديمقراطية النسبية في بعض البلاد الإسلامية لا يجوز ان تدافع عن هذه الديمقراطية فقط لأنها توفر لها فرصة الوصول الى السلطة بل يجب ان تدافع عن هذه الديمقراطية بوصفها مبدْا جذريا وأساسيا بغض النظر عن كونه يوفر لها فرصة الوصول او لا ) ويعتبر ان مشاركة الإسلاميين في نظام استبدادي لا يسمح لهم ان يغيروا فيه شهادة زور على هذا النظام فليس من المفروض المشاركة الا في نظام وحكم يمكن الإسلاميين حقا من ان يغيروا ويؤثروا في الحكومة وتشريعاتها
وفي تفصيل لبعض المفردات الديمقراطية في الإطار الإسلامي وخاصة مسألة الاقليات الدينية يرى الأمين ان نظام الحكم الإسلامي يعالج هذه المسألة معالجة سليمة فالإسلام في نظره لم يضق بالاقليات والشريعة الإسلامية رحبة من هذا المجال وقد شرعت تشريعات لحماية الاقليات وحفظ حقوقها وهذا أمر يتعلق بمبادئ الإسلام نفسه في حماية الاختيار للأفراد والجماعات فالإسلام يحتمل وينمي هذا التعدد داخل المجتمعات على مستوى الشريعة وعلى مستوى أنظمة الحكم وهو مفتوح للاجتهادات الأخرى كما ان تطوير الفقه السياسي في الإسلام يمكن ان يحدث مساحات لا حدود لها لاستيعاب هذه الاقليات بل ومشاركتها في بنية المجتمع الإسلامي ، ففي الإسلام متسع كبير لهذه المشاركة التي لا تتوقف عند حدود إقامة شعائرهم الدينية بل تصل الى حدود مشاركته في السلطة نفسها ، وأخيرا يؤكد الأمين على انه مادام الإسلام يتيح وسائل الحوار والإقناع ولا يفرض عقيدته على الناس بالقسر والاكراه وانما يريد منهم ان يأخذوا بها بعد البرهان عليها واقناعه بها فهو لا يخاف المعارضة في ذلك ويفتح لها المجال في مجتمعه ونظامه دون ان يكون قد خالف مبدأهالاسلامي نفسه .

اتفاق واختلاف:
لقد اتجه بعض الباحثين الى ان يدرج الصفات التي تجمع الديمقراطية والاسلام مقابل الصفات التي تختلف بينهما واخذ موقف الحياد فلا يطلق حكما كليا على الاتفاق او الاختلاف من باب موضوعية البحث وهذا مافعله الباحث علي المؤمن في بحثه المنشور على الانترنت بعنوان (النظام السياسي الاسلامي والانظمة الديمقراطية والثيوقراطية ) مبتدئا بتحديد مفهوم الديمقراطية الذي يراه غير محدد كليا فيقول (الديمقراطية مفهوم واسع فضفاض ساهم في اثرائه عبر عقود طويلة من الزمن كثير من المفكرين السياسيين كل حسب نظرته لهذا المفهوم فجاء اطارا كبيرا يجمع في داخله العديد من التيارات الفكرية التي تتفق على بعض الخطوط العامة وتختلف في معظم التفاصيل ) ثم يبدا من هذه المسلمة للحديث عن التشابه والاختلاف بين الاسلام والديمقراطية مستخدما النظام الاسلامي الايراني كقياس لانه يعتبره جاء بعد ان درس الايرانيون بعمق كل الانجازات البشرية وتوقفوا عند التجارب والنتاجات والخبرات الحيادية كالعلوم والتقنيات الادارية والنظم السياسية والهياكل التنظيمية الدستورية وتحديدا جوانبها التي لا تتضمن موقفا من الكون والحياة والانسان والوجود ،أي انها لا تحمل بالضرورة سمات الهوية وتم استثمار المفيد منها بعد ان اخضعها لمعاييره الحضارية والثقافية ومقاييسه التي هي الشريعة الاسلامية وقبل بها على الاسس التالية
1- عدم تعارضها مع النظرية السياسية الاسلامية والتقائها في المفاهيم العامة لهذه النظرية
2- حيادها الايدلوجي وكونها مجرد آليات تنظيمية واسلوب فني وتنظيمي
3- فائدتها ونجاحها قياسا بما انجزته البشرية في المجالات نفسها
ويلاحظ الباحث ان تطويع مثل هذه النتاجات البشرية واستخدامها لا يعني تبني النظام الاسلامي لها بالكامل او اعتماد مبانيها النظرية والفكرية والتشبه بجذورها وخلفياتها التاريخية والظروف الاجتماعية التي ادت الى ظهورها ، فمثلا استخدام النظام الاسلامي آليات وتقنيات الديمقراطية لايعني انه نظام ديمقراطي بالمعنى الفكري والفلسفي للديمقراطية كما ان التقاء النظام الاسلامي ببعض مباني الثيوقراطية لا يعني انه نظام ثيوقراطي وهكذا الامر في استخدام الشكل الجمهوري للحكومة واستخدام بعض النظام الرئاسي او الشكل المركزي والموحد للدولة ، ومن هنا يستنتج الباحث قائلا (فالنظام الاسلامي لا يرفض الديمقراطية بالمطلق ولا يقبلها بالمطلق ولا يقبل الثيوقراطية بالمطلق ولا يرفضها بالمطلق فربما تلتقي معه الديمقراطية في بغض اساليبها وربما تتعارض بيد ان مجالات اللقاء هذه تذوب في الاطار العام للنظام الاسلامي وتكون جزءا من اساليب النظام الاسلامي في ممارسة السلطة) هذا الامر يضيف الباحث يؤكد حقيقة اصالة النظام السياسي الاسلامي وانه بعيد كل البعد عن الانظمة المختلفة او التوفيقية او التوليفية ، ومن هنا فان كثيرا من الآليات والتقنيات التنظيمية التي استخدمها النظام الاسلامي خاضعة للتجربة وتدخل في اطار المتغيرات لانها بالاساس تعبر عن رأي بشري وموقف اجتهادي .
وهكذا يصل علي المؤمن الى تحديد نقاط الالتقاء بين الديمقراطية والاسلام ومنها المفهوم العام للجمهورية والفصل بين السلطات وسيادة القانون والالتزام بالحقوق والحريات العامة ومنح الامة دورها في المشاركة السياسية مع مفارقات بسيطة .
وهناك سمات اتفاق بين النظام الديمقراطي والاسلامي تقول (لقد ذهب قسم من الكتاب الاسلاميين المنادين بالديمقراطية الى انها تعني الشورى ، وبما ان الشورى ثابتة في الاسلام-حسب ادعائهم-فالديمقراطية اذن لا تنافي بينها وبين الاسلام واوردوا ادلة للشورى تاكيدا لمدعاهم يقول فهمي هويدي –الديمقراطية التي نقبلها مقابلا للشورى او ترجمة معاصرة لها التي لا تحل حراما ولا تحرم حلالا –ويرى اسحق احمد فرحان ان-الشورى هو المفهوم الاسلامي والديمقراطية مفهوم غربي مستورد –لكنه يؤكد انه باستعماله للفظ لا يعني الديمقراطية بغثها وسمينها –على حد تعبيره-بل يعني بها الشورى ولذلك يقترح استعمال لفظ –الشورى قراطية-لتدلك على تمسكنا بجوهر قيم الشورى ، ويتحدث الشيخ القرضاوي فيرى—ان الاسلام قد سبق الديمقراطية بتقرير القواعد التي يقوم عليها جوهريا –على انه يرى –ان الديمقراطية اهتدت من خلال كفاحها الطويل مع الظلمة والمستبدين من الاباطرة والملوك والامراء الى صيغ ووسائل تعتبر الى اليوم مثل الضمانات لحماية الشعوب من تسلط المتجبرين –وعليه يرى القرضاوي انه –لزاما علينا ان نقتبس من اساليب الديمقراطية ما لابد منه لتحقيق العدل والشورى واحترام حقوق الانسان والوقوف في اوجه طغيان السلاطين العالين في الارض).
نلاحظ قبول الديمقراطية بشكلها القائم في الدول الغربية وامريكا حيث يتقبلون الرأسمالية والعلمانية كضلعين لا ينفكان عن المثلث الذي تمثل الديمقراطية الضلع الثالث فيه خصوصا وان دعاة الديمقراطية في العالم العربي لم يفصلوا بين الرأسمالية والعلمانية والديمقراطية اذ اشترطوا لقيام وضع سياسي ديمقراطي القبول بالرأسمالية والايمان بالعلمانية وتذكر الباحثة فردوس الموسوي على ان ما توحيه كلمة الديمقراطية من قبول العلمانية احد ابناء النظام الديمقراطي وتقول( وتعتبر قضية فصل الدين عن الدولة شرطا اساسيا لكل ديمقراطية حقيقية مبنية على اساس استقلال السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية وعلى اساس اعتبار سلطة الدولة مشتقة من سلطة القانون )
وتربط الباحثة المسألة هنا بالموقف السياسي من الاستعمار وافكاره حيث تشير الى ان في هذه توجيه لانظار المسلمين الى الغرب وفكره وهو غاية مايريده المستعمرون وما يبذلون له الاموال فهم يسخرون الحملات التبشيرية لتحقيق النجاح في الغزو الفكري بعد ان فشل الغزو العسكري وهذا –برايها-يتحقق عندما نطالب بالديمقراطية ونلفت انظار المسلمين الى النظام الغربي كمثل اعلى والاعتذار باننا نريد المعنى الفلاني ولا نريد المعنى الآخر لا يجدي نفعا طالما ان اللفظ مشترك واطلاقه يصرف الذهن للوضع القائم في الغرب أي الى التجربة الغربية فما حاجتنا الى هذا اللبس والابهام.
ان هناك من الحركات السلفية الاصولية من يلتقي مع هذا الرأي ويذهب بعيدا في رفضه المتطرف لاي ديمقراطية وهذاما وجدناه في كتيب تثقيفي بعنوان (الديمقراطية نظام كفر ) حيث يقول مؤلف الكتيب (الديمقراطية التي سوقها الغرب الكافرالى بلاد المسلمين هي نظام كفر لا علاقة لها بالاسلام لامن قريب ولامن بعيدوهي تتناقض مع احكام الاسلام تناقضا كليا في الكليات و في الجزئيات وفي المصدر الذي جاءت منه والعقيدة التي انبثقت عنها والاساس الذي قامت عليه وفي الافكار والانظمة التي اتت بها لذلك يحرم على المسلمين اخذها او تطبيقها او الدعوة اليها او الدعوة لها تحريما جازما ص5) ويفصل الكاتب في اسباب هذه الاتهامات ويبررها بطريقة فهمه لحقيقتها حيث يرى ان (الديمقراطية انبعثت عن عقيدة فصل الدين عن الحياة وهي العقيدة التي قام عليها المبدأ الرأسمالي )ويضيف(فكانت فكرة فصل الدين عن الحياة هي عقيدته التي انبثق عنها وقاعدته الفكرية التي بنى عليها جميع الافكار الديمقراطية ص10) والاتهام الآخر لها انه(من وضع عقول البشر وليست من الله وهي لا تستند الى وحي السماء ولاتمت بصلة لأي دين من الاديان التي انزلها الله ص10) من جانب آخر يصف المؤلف الديمقراطية بانها لايمكن تحقيقها ابدا بمعناها الحقيقي(فالديمقراطية بمعناها الحقيقي هي فكرة خيالية غير قابلة للتطبيق فلم توجد ابدا ولن توجد، فان اجتماع الشعب كله للحكم والادارة مستحيل ايضا لذلك احتالوا على الديمقراطية وأولوها وأوجدوا لها ما يسمى برئيس الدولة وبالحكومة وبالمجلس النيابي ومع ذلك فان معناها بعد هذا التاويل لا ينطبق على الواقع ولم يوجد في الواقع ، فكون رئيس الدولة والحكومة واعضاء البرلمان ينتخبون باكثرية اصوات الشعب وان مجلس النواب هو التجسيد السياسي للارادة العامة لجماهير الشعب وانه يمثل اكثرية الشعب هو ابعد ما يكون عن الحقيقة والواقع ص14




________________________________________
ويبني رأيه هذا على ان الذين ينتخبونه انما هم اقلية ضمن المنتخبين لان بعض المنتخبين مرشحين انفسهم مثله وبالتالي يكون الناجحون من النواب قد حصلوا على اصوات اقلية الشعب وليس على اصوات اكثريته وبذلك يكونون مفوضين من هذه الاقلية ممثلين لها وليسوا مفوضين من الاكثرية الشعبية ولا ممثلين لها ، وهكذا يستنتج (ولهذا فان القول ان البرلمانات في البلاد الديمقراطية تمثل راي الاكثرية هو كذب وتضليل وان القول ان الحكام انما يختارون من اكثرية الشعب وانهم يستمدون سلطتهم من الشعب هو كذب وتضليل كذلك والتشريعات التي تسن في تلك البرلمانات والقرارات التي تصدرها تلك الدول تكون آخذة بعين الاعتبار مصالح هؤلاء الرأسماليين اكثر من اخذها مصالح الشعب او اكثريته بالاعتبارص16).
اما بالنسبة للشورى فيقول عنها انها غير الديمقراطية فالشورى هي اعطاء الرأي أما الديمقراطية فهي وجهة نظر في الحياة وهي تشريع للدساتير والانظمة والقوانين يضعه البشر من عقولهم ويشرعونه بناء على المصلحة التي تراها عقولهم لا بناء على وحي السماء لذلك يحرم على المسلمين اخذها او الدعوة اليها او اقامة احزاب على اساسها او اتخاذها وجهة نظر في الحياة او تطبيقها او جعلها اساسا للدستور والقوانين او مصدرا من مصادر الدستور والقوانين او جعلها اساسا للتعليم او لغاياته ويجب على المسلمين ان ينبذوها نبذا كليا فهي رجس وهي حكم طاغوت وهي كفر وافكار كفر وانظمة كفر وقوانين كفر ولاتمت الى الاسلام بأي صلة ص62)

وفي كتيب آخر لحركة اسلامية اخرى بعنوان (الشورى في الاسلام ومناقضتها للديمقراطية نجد التأكيد على رفض الديمقراطية والاشتراكية ويعتبر ان الديمقراطية كلها كفر في كفر بناء على ان اساس النظام الديمقراطي هو من وضع البشر في حين ان النظام الاسلامي من الوحي الالهي والنظام الديمقراطي ملكي او جمهوري في حين النظام الاسلامي هو الخلافة التي لا يجوز التحول عنها والديمقراطية تقوم على سيادة الشعب وانه مصدر السلطات الثلاث في حين في الاسلام السيادة للشرع والحاكم في الديمقراطية مدته محدودة في حين في الاسلام مدته حتى الوفاة ما دام قادرا مستقيما وفي الديمقراطية يجوز التمرد على الحاكم ورفض طاعته والعصيان عليه وفي الاسلام لا يجوز ذلك الا في حالة واحدة حينما يأمر الخليفة بالمعصية والديمقراطية تبيح تشكيل الاحزاب العلمانية والاسلام يرفض الا الاحزاب الاسلامية وفي الديمقراطية نظام للمعارضة والموالاة في الاسلام تقوم الامة بمحاسبة الحاكم وان استحق العزل فتتولى ذلك محكمة المظالم والديمقراطية ليست الشورى بل هي طريقة حكم مختلفة كليا فالشورى ليست طريقة حكم لها كليات وجزئيات ولا اصلا من اصول الحكم بل هي مجرد اخذ الرأي الذي قد يكون غير ملزم في حالات عديدة والديمقراطية تفصل الدين عن الدولة والاسلام لا يفعل ذلك، وفي الاسلام يكون الحكم للشرع حتى ولو كانوا اقلية وهناك حالة واحدة يؤخذ فيها بالاكثرية وهو معرفة الرأي في الاقدام على عمل مباح او عدم الاقدام عليه والديمقراطية تقدس الحريات بمفهومها الغربي كحرية المعتقد والرأي والملكية والحرية الشخصية اما الاسلام فلايبيح للمسلم ان يغير معتقده لانه يعتبر مرتدا اما حرية الرأي فهو مقيد بالاحكام الشرعية وليس حرا فلا يسمح بحرية الغيبة والنميمة وقذف المحصنات ومهاجمة الاسلام وبالنسبة لحرية التملك فلا يسمح الاسلام ان يتملك المسلم كما يشاء دون بذل الجهد فيه كالزراعة والتجارة واذا كانت الحرية الشخصية في الديمقراطية قد قادت الى الانفلات من كل قيد حتى الشذوذ الجنسي الا ان هذه الحرية في الاسلام مقيدة بحدود عدم ايذائها للآخرين ولا حرية الانتحار او اقتراف الزنا فكلها مقيدة شرعا
على ان هناك ملاحظة دقيقة في ممارسة الحق وممارسة الاكثرية حيث ترى هذه الحركة ان الاكثرية بالنسبة للديمقراطية قد يكون على خطأ أي ان الحكم هنا للاكثرية حتى لو كانت على باطل في حين في اصول الاسلام يكون الحكم للشرع حتى لو وقف معه الاقلية ومهما كان صغر حجم الاقلية
على ان هذا التطرف الاسلامي ليس هو دائما الغالب على الحركات الاسلامية فهناك بعض الحركات الاسلامية لها موقف مختلف من الديمقراطية مما يعطينا تنوعا كبيرا في الفهم الاسلامي الاجتهادي للديمقراطية ويقول الاستاذ ضياء الشكرجي في كتابه (الديمقراطية ..رؤية اسلامية )( اقول اذا كانت الديمقراطية المصطلح المرفوض عند البعض تعني لغة وليس بالضرورة مضمونا حكم الشعب فقد عرفنا ان الجمهورية المقبولة عند اغلب الاسلاميين تعني ايضا لغة دولة الجمهور واذا تطلبت مصلحة الدعوة ان تستنند في تشكيل الحكومة وتسيير شؤون البلاد على ارادة الشعب فهذا لا يعني حقيقة ان النظام الاسلامي الذي يدعو اليه الاسلامي هو الذي يملك عند الله وعند المؤمنين الشرعية ،وقد كلفنا الله بالدعوة الى ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة ولم نكلف باكراه الناس على قبول هذه الدعوة ، الاسلامي يتخلص من الاشكال الشرعي في كونه لا يتحمل مسؤولية تبني النظام الديمقراطي من حيث المبدأ واتخاذه بديلا للنظام الاسلامي ،بل انه يقبل به بكونه يمثل ميثاقا بينه وبين الآخرين ولكونه يعتبر الديمقراطية إما أنه أهون الخيارين بينهما وبين الانظمة المستبدة او كتمهيد لإقامة الحكم الاسلامي باختيار شعبي واذا ما خلص الاسلاميون الى ضرورة تبني ذلك المشروع فلا بد ان يكون ذلك مقترنا بمنهج توعوي على حقيقة ان هذا التبني لا يعني تحويل مصدر الشرعية من الاسلام الى الديمقراطية حيث ان قبولنا بالديمقراطية كعقد مصالحة وكوسيلة تعايش وكأسلوب دعوة لا يعني تنازلنا عن حقيقة ان الشرعية بالنسبة لنا تكمن في الاسلام فكرا وقيما ونظاما وتشريعات ، هنالك فرق بين ان نقبل بالديمقراطية وان ندعو اليها بديلا عن الاسلام وهناك فرق بين ان ندعو للاسلام ونكره الناس عليه ، اننا نقبل بالديمقراطية ولاندعو اليها وذلك لا يعني اننا لا ندعو الى منهج القبول بها ونوعي عليها اذا ما شخصنا المسوغ الشرعي او حتى الوجوب ربما أي المصلحة بتعبير آخر اننا ندعو الى الديمقراطية كاسلوب عملي لا كمشروعية مضمونية هناك بين الاسلاميين من يركز على مفاسد الديمقراطية لانها تبيح الكثير من الاشياء التي يحرمها الاسلام ، بالنسبة لي تكون العلمانية الديمقراطية موضع قبول اذا ما قورنت بمفسدة العلمانية الديكتاتورية بل حتى يمكن القول اننا اذا كنا بين خياري مفسدة افراز النظام الديمقراطي للحالة العلمانية ومفسدة افراز النظام الاسلامي للحالة الاستبدادية أي بين خطر علمنة المجتمع من غير ان يتحول بالضرورة الى حالة عداء للاسلام وخطر استعداء المجتمع الاسلامي تجاه الاسلام في ظل نظام اسلامي مستبد او مفروض دون قبول جماهيري له هنا يقرر كل دعاة الاسلام العقلاء بان اختيار المفسدة الاولى اكثر فائدة للاسلام ، والحكم الاسلامي لا يمثل غاية بحد ذاته وانما وسيلة ووسيلة مهمة جدا لقضية الدعوة ورسالة التغيير ) ويضيف (ان مفاسد الديمقراطية وفق النموذج الغربي الذي لا يصلح استنساخه للمجتمع الاسلامي يمكن درؤها بالوعي الاسلامي ومن خلال ممارسة الديمقراطية نفسها فتمارس لانه حق وضع الاستثناءات بقرار ديمقراطي ؤلان من شان النظام الديمقراطي ان تحترم ارادة ومصلحة وحرية الاكثرية دون ممارسة التعسف تجاه الاقلية الديمقراطية لاتعني التغريب للمجتمع لانها ليست مفهوما مطلقا حتى عند اشد المتحمسين لها من رواد المدرسة الليبرالية الغربية وذلك من خلال وضع الحدود على بعض الحريات التي تضر بالمجتمع من خلال القرار الديمقراطي وهذا يسمح للاسلاميين بتحريكه لوضع الضوابط التي تضمن عدم تجاوز الحد الادنى من ضرورات احكام الشريعة والقيم الاخلاقية،
اذن من خلال آليات الديمقراطية نستطيع نحن الاسلاميين ان ندرأ بعض ما نجده من مفاسد يمكن ان تنشأ من الديمقراطية ، –كما يقوله الشكرجي- وحينما يسأل الشكرجي عن امكانية اعتماد الشعب كمصدر للتشريع يجيب ( بالنسبة لي فان مصدر التشريع هو الله ولا تطلب مني ان اغير فلسفتي ولكني من الناحية العملية اقبل كمعاهدة سلام وطنية ان يكون المصدر هو الشعب بعنوان ثانوي ينبغي التوافق ونبذ الاكراه ، يمكن للمجتمع ان يعصي امر الله كما يمكن للمؤمن ان يعصي امر الله ولايمكن ملاحقة واضطهاد المجتمع اذا عصى اما معصية الفرد فتلاحق عندما يترتب عليها اعتداء على المجتمع ).
اما فيما اشار اليه الكاتب سيف الدين هادي علي في بحثه المعنون ( السياسة الشرعية في جواز الديمقراطية والبرلمان في ظروف خاصة ) وكأنه يدافع عن المشاركة في اللعبة الديمقراطية في اطار حكم ديمقراطي لا يكون النظام الاسلامي دليله ومصدره ، ويبدأ الباحث موضوعه بأثبات الاساسيات الشرعية الاسلامية فيقول ( الاصل الاول للسياسة الشرعية الاسلامية في مجال العمل السياسي انه لا يجوز ان يتنازل عن شيء من الحق او ان يخلط الدين الذي انزله الله بباطل المشركين وذلك ان الدين من الله سبحانه وتعالى وهو الحكيم فيما يشرع وهذا يعني انه كله حق وانه لا يجوز اعتقاد نقصه او خطئه –ص4) ويضيف بأن(عقيدة الدين لا يجوز خلطها بغيرها وشريعة الاسلام لا يجوز كذلك خلطها بغيرها والانتقاء منها حسب الهوى والمصلحة المزعومة بل لا اسلام الا لمن اسلم قلبه وعمله ووجهه لله سبحانه و تعالى ومعنى ذلك انه لا يجوز تحت أي ظرف من الظروف التنازل الاعتقادي عن شيء من الدين والرضا القلبي بان ناخذ من الاسلام ومن غيره ، وأما الرضوخ والجبر لشيء مخالف من الدين في ظرف من الظروف فهذا امر آخر كما جاء في صلح الحديبية مثلا حيث قبل الرسول صلى الله عليه وسلم برد المسلمين الى الكفار مع ما فيه من قبول اسلام المسلم لأعدائه ), وفي اطار تفسير الباحث لمعنى هذا التنازل يشير الى انه ليس تنازلا عن عقيدة او شريعة من الدين ولكنها ( قبول بموقف تفرضه الظروف وتحتمه الملابسات ومثل هذا ليس تبديلا للدين ولا تغييرا للتشريع ولا ردا لاحكام الله وانما هو موقف يقابل فيه المسلم ظروفا وضرورة ص6) ،
الا ان الباحث حينما يريد ليؤسس موقفه بالرضا باللعبة الديمقراطية وتشكيل الاحزاب والمشاركة في البرلمان الديمقراطي ينطلق من مسألة انه لاتحريم لوسيلة الا بنص او استدلال شرعي صحيح ولما كان في الدين حقائق ثابتة الا ان فيه ايضا وسائل متغيرة ويجوز الاستفادة من هذه المتغيرات ولايجوز التغيير في الثوابت الحقيقية ويضرب مثلا على الحقائق الثابتة بالقران وعلى الوسائل المتغيرة بوسائل نقله وحفظه وتعهده ودراسته فهذه وسائل متغيرة حسب العصر ووسائله ، كل ذلك ليصل الكاتب الى مسألة المصالح المرسلة والتي مفادها ( ان كل امر لم تأت الشريعة بالغائه أو بإيجابه ورأينا فيه مصلحة ما ، جاز لنا فعله بشرطين
1-الا يفوت ما هو اعظم منه مصلحة ونفعا
2-الا يؤدي الى ضرر مماثل له او اكبر منهويدخل الباحث بعد ذلك في مسألة العمل الحزبي والجمعيات الاسلامية وشرعيتها في أي نظام ديمقراطي ليقول (ان اقامة احزاب او جمعيات او تجمعات في أي نظام ديمقراطي يسمح بتعدد الآراء والاتجاهات لا يعني بالضرورة اقرار المخالفين ولا الرضا بما هم عليه من الباطل وانما يعني فقط الرضا بالطريق السلمي والدعوة العلنية سبيلا ومنهجا للتغيير والتخلي عن سياسة العنف والسرية وهذا في حد ذاته محمود في الدين بل الاصل في الدعوة الى الله –ص8) ويصف النظام الديمقراطي حينما يؤكد هذه الحقيقة بقوله( وبالتالي فالنظام الذي يسمح للرأي المخالف ان يعلن ويسمح للمسلمين بأن يؤلفوا حزبا لدعوتهم او جمعية لتحقيق بعض اهداف دينهم كنشر العلم والامر بالمعروف والنهي عن المنكر وانشاء الجامعات والمدارس والمعاهد والعناية باليتامى والمساكين …الخ أقول النظام الذي يسمح بذلك يجب التمسك به والحرص عليه لان بديل هذا النظام هو الحكم الاستبدادي عسكريا كان او غيره )
ويخلص الباحث الى انه (اذا كان النظام الديمقراطي الحر يسمح كذلك لاعداء الدين ومخالفي الاسلام بإظهار مخالفاتهم ومعتقداتهم وآرائهم وتغيير المجتمع بوسائلهم فان الحق دائما اقوى والمسلمون في بلاد الاسلام بوجه عام يستندون الى قاعدة عريضة من البشر وعقيدة قائمة في النفوس وواقع طيب في كثير من جوانبه ولاشك انهم اذا استطاعوا ان يستخدموا امكانياتهم بشكل طيب فانهم سيصلون الى اهدافهم في صبغ الحياة بصبغة الاسلام في وقت قليل جدا –ص9).
وعلى الرغم من انتقاد الباحث للعالم الرأسمالي بادعائه الديمقراطية لانه يخالفها اذا ما وجد ان المسلمين سيصلون الى سدة الحكم فيها كما حصل في الجزائر وغيرها ، الا ان الباحث بوافق على استغلال الهامش الديمقراطي للحرية الذي يسمح له بالعمل في نشر الدين في أي دولة وتشكيل الاحزاب والجمعيات الدينية ويقول (ان الحزب السياسي والجمعية الخيرية والتجمع والنقابة والاتحاد هذه المؤسسات التي يسمح اليها واتخاذها سبيلا وطريقا لنشر دينهم وتمكين عقيدتهم وتجميع قواهم وتدريب وتعليم عناصره ، بل يجب على المسلمين ان يسعوا الى مثل هذا التشريع الذي يسمح بذلك بل واجب من واجباتهم ان يتعاونوا على البر والتقوى وان يكونوا جمعيات وجماعات واحزاب تدعو الى الله وتنشر دينه وتعلي كلمته –ص10)
وهكذا يخلص الباحث الى استغلال المتغيرات في الوسائل التي سمح بها الدين لتحقيق الهدف الاسلامي الكبير في الدعوة الى الله ويختم بحثه بالقول (فالظروف متغيرة وبالتالي يجب ان تكون الوسائل متطورة متغيرة والمسلم الداعي عليه ان يسير في حدود المستطاع ( لا يكلف الله نفسا الا وسعها –البقرة 286ولا يجوز رفض وسيلة مستطاعة بحجة ان الرسول صلى الله عليه وسلم لم يستعملها –ص16)
ان جميع هذه الاشكاليات النظرية والفكرية لعلاقة الاسلام يالديمقراطية اخذت مجالا في الممارسة الواقعية والتطبيقات العملية سواء لاحزاب سياسية او ديمقراطية او ديمقراطية اسلامية ومن هنا فان الحكم على الاشكالية النظرية والتناقضات القائمة في اطار تفسير العلاقة بين الاسلام والديمقراطية انعكس على هذه الممارسة نفسها ولم تقف الممارسة الواقعية لترى الى أي مدى تصل العلاقة بين الاسلام والديمقراطيةعبر هذه الطروحات النظرية بل دخلت الممارسة تطبيقها الواقعي في مجتمعات متعددة ومختلفة فمرة يطبق النظام الديمقراطي في مجتمع اسلامي ومرة تطبق الممارسة الاسلامية في مجتمع ديمقراطي وقد نجد لدى المطبقين تبريرات اسلامية وديمقراطية ولكن الحكم النهائي لم يصدر بعد على نجاح او فشل أي من الممارستين المذكورتين وهذا ما يجعلنا نبحث الاشكالية الواقعية لهذا التطبيق واحتمالاته المستقبلية.

2- الاشكالية الواقعية والتطبيقية:
كلما زادت الطروحات النظرية والفكرية شمولا كلما قلت التحديدات الواقعية للممارسة المعبرة عنها الا ان هذه الشمولية الكبيرة تقود الى التجريد اكثر فاكثر مما يبعد ويزيد الفرق بين النظرية والممارسة ، ولاشك ان الطرح النظري يكون نموذجيا ومثاليا للمارسة الواقعية وبمقدار اقتراب هذه الممارسة الواقعية من المبدأ النظري المخطط له كلما تقاربت العلاقة اكثر فاكثر ، وإذا كانت النظرية مغلقة على نفسها ومحددة كل سماتها فانها من الصعوبة بمكان ان يتقبلها الواقع المتحرك المفتوح دون ان يدخل عليها التغيرات المناسبة والحيثية والمكان والزمان المطبق فيه .
ان تكيفات الواقع للوصول الى النظرية النموذجية هي مسألة طبيعية حياتية ومن هنا فلكل واقع ظروفه الخاصة في مقاربته للنظرية ونموذجيتها ، من هنا تعددت اشكال الممارسة الديمقراطية على ارض الواقع حتى امكن وصف كل ممارسة باسم معين يتعلق بجغرافية ومكان هذه الممارسة ودين شعوبها وعرقيتها وكل ظرف من ظروفها، ومن هناايضا امكن القول بشكل علمي ان لكل مجتمع سمات خاصة تتلبسها الديمقراطية فيما اذا ارادت ان تنجح في تطبيقها،لذا من غير الممكن الحديث عن ديمقراطية واحدة صالحة لكل زمان ومكان ولكل شعب ودين وقومية ..الخ .
ان هذا التنوع الديمقراطي في الممارسة الواقعية حسب المجتمعات التي تطبقها جعل مكتب البيت الابيض عام 1993 يحدد خمس مباديء فقط يجب توفرها في هذه الممارسة كي توصف بانها ديمقراطية ، وجعل الإضافات مفتوحة لأي شعب بما يناسب ظروفه الخاصة هذه المبادئ الخمسة هي :حرية ونزاهة الانتخابات ،حقوق المعارضين السياسيين في العمل بحرية كاملة ، وضع قيود على السلطات التعسفية للدولة وبخاصة أعمال القبض والاحتجاز والتعذيب ضمن أشياء أخرى،وحقوق المواطنين في التنظيم في اقليات في العمل آو حول اهتمامات أخرى ، وقضاء مستقل للرقابة على سلطة الدولة .
ان هذه المرونة الواقعية للتطبيق الديمقراطي فتح مجالا واسعا لاستحداث آليات وسلوكيات وممارسات مستجدة ومبتكرة بما يناسب المجتمعات التي تطبقها ونماذج تطبيق الديمقراطية في شعوب أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا تختلف بالتالي الواحدة عن الأخرى مع ان الطرح النظري والفكري هو واحد في أي مفهوم شمولي عن الديمقراطية في العالم كله .
من هذا المدخل يمكن الحديث عن إشكالية العلاقة بين الإسلام والديمقراطية في حالة التطبيق ومسيرتها خلال سنوات عديدة وما ادخل عليها من سمات وصفات فما هي صورة هذه العلاقة في التاريخ الحديث وكيف عبر عنهاالفكر السياسي العربي والإسلامي قبل نماذج تطبيقها؟
شيء من التاريخ:-- حينما نراجع قرنا من الزمان من تاريخنا العربي الحديث نجد ان مقولة الديمقراطية كانت في مقدمة ما بشر به رواد النهضة العربية الحديثة وانهم جميعا وصفوا الديمقراطية وما في معناها في مقدمة النهضة ذاتها وشرطا لها ، فمع بدء الاحتكاك مع اوربا طرح رواد الفكر السلفي الاصلاحي شعار الديمقراطية وقارنوه بالشورى الاسلامية واعتبروها من عوامل نهضة الاسلام الاولى وبالتالي فلا بد ان تكون من اسباب نهضته الثانية –الخطاب العربي المعاصر –الجابري ص 87-على ان المعنى المتفق عليه في التشابه بين معنى الشورى والديمقراطية كان كامنا –كما يضيف الجابري-في رفض –الاستبداد المطلق-الذي كان يعني تصرف الواحد في الكل على وجه الاطلاق في الارادة ان شاء وافق الشرع والقانون وان شاء خالفهما ، ولما كان الاستبداد المطلق ممنوع في الاسلام لان الشرع اوصى بالشورى الا ان الاستبداد المقيد غير ممنوع في الشرع ولا في العقل بل هما على وجوبه لانه الشورى بالذات ، هذه الشورى التي تقوم على مناصحة الامراء وهي واجب شرعي أما طريق تنفيذها فمفتوح وليكن الوسيلة الديمقراطية ،على انه طرحت وجهة نظر اخرى الى جانب الطرح الاسلامي هذا هي وجهة نظر الليبرالي العربي –كما يسميه الجابري-الذي لا يناقش ألمسألة نظريا وفكريا وانما يحتكم الى التطبيق الحقيقي للاسلام عبر تاريخه حيث لا نجد ممارسة الشورى نفسها بالشكل الاسلامي الصحيح الا في فترة قليلة ،وهنا طرح مفهوم المستبد العادل كتعبير عن مشكلة الديمقراطية والشورى والعلاقة بينهما ولكن هل يئس الفكر العربي من امكانية الممارسة الديمقراطية الصحيحة ؟
يجيب الجابري بالنفي ومن هنا كانت مطالبة الليبرالي العربي والسلفي الاسلامي بدعم الطبقة الوسطى لكي يمكن تطبيق الديمقراطية كما فعلت في اوربا .ونمضي مع التاريخ العربي الحديث حيث نجد ان الممارسات الديمقراطية في بعض البلدان العربية جاءت بعد حصول انقلابات عسكرية وفرز الخنادق بين وصف الدول التقدمية الناتجة عنها بانها ديمقراطية مع ان الواقع الحقيقي لهذه الانظمة كان ابعد ما يكون عن المعنى الحقيقي للديمقراطية وهذا ما جعل الجابري يقول مقيما هذه الديمقراطيات (ان الديمقراطية اذا كانت مزيفة كاذبة في ظل الحكومات التقليدية فهي في ظل الحكومات التقدمية أقرب الى ان تكون مخنوقة غائبة وهكذا اتخذ بعض التقدميين من التزييف والاخطاء التي رافقت الديمقراطية في ظل العهود الرجعية والبرجوازية مبررا لنسف الحياة الديمقراطية من جذورها )
فاذا ما جئنا الى الربع الاخير من القرن العشرين نجد ان هناك توصيفات خاصة بالديمقراطية المطلوبة للوطن العربي حيث عقدت ندوة خاصة بعنوان –اشكالية الديمقراطية في الوطن العربي – شارك فيها العديد من المفكرين العرب جاء في توصياتها ما يلي :-
1-اجمع المشاركون على محورية قضية الديمقراطية وموقعها الحاسم في العملية النضالية لتحقيق اهداف الامة العربية في التحرر والتقدم المجتمعي وعلى دورها في بناء القاعدة الشعبية كما اعتبروا ان الديمقراطية شرط مصيري لتحقيق وحدة التراب العربي ووحدة الامة العربية .
2-اجمع المشاركون على رفض التضحية بالديمقراطية بحجة مقتضيات التنمية الاقتصادية واكدوا على مشاركة الجماهير في التنمية وانجازها في اطار من الحرييات الفردية والجماعية وبالارتكاز على سيطرة الامة العربية على مواردها الطبيعية .
3-ورأى المشاركون ان للديمقراطية دورا حاسما في تجديد النهضة العربية واطلاق كل طاقات الخلق والابداع للامة العربية واحياء تراثها من منظورعلمي
4-لاحظ المؤتمرون وجود انظمة لازالت تفتقد لاي من البديهيات والمؤسسات التمثيلية وتحرم شتى انواع النشاط الحزبي والنقابي وترفض الاعتراف بالحقوق الديمقراطية- ص97
وهكذا اكدت التداخلات عن تساؤل ورغبة لدى المؤتمرين يتعلقان بالبحث عن صيغة ديمقراطية جديدة تسعى للتوفيق بين واقع التعدد والتنويع وبين الالتزام باهداف التحرر الوطني والتوحيد القومي والتقدم الاجتماعي
ولما كانت الديمقراطية تعني حقوق الاقليات واللامركزية في الحكم وحق تقرير المصير …الخ فقد نظر اليها على انها تخدم التجزئة وبالتالي يخاف منها على الاهداف القومية كيف يمكن اقامة الديمقراطية التي قد تقود الى التجزئة في جو الدعوة للوحدة العربية ويصل الجابري الى القول ( ان الطابع الاشكالي لقضايا الفكر العربي الحديث والمعاصر يتجلى وبصورة اكثر حدة في ذلك (التلازم الضروري )الذي يقيمه الخطاب العربي بين القضية ونقيضها او ما يقدم نفسه في لحظة من اللحظات كبديل او مناوب عنها …كذلك الامر بالنسبة للديمقراطية التي تطرح اما على انها الشورى الاسلامية بعد ان يتحدد ( كيفها) الجديد ( بالاجتهاد) واما على انها الجمع بين اله الديمقراطية الليبرالية السياسية والديمقراطية الاشتراكية الاجتماعية وفي كلتا الحالتين لا تتحدد مقولة الديمقراطية الا من خلال احد بدائلها الملازمة لها –ص195)
على ان الجابري يرجع مسألة هذا التناقض بين الطرح الليبرالي والطرح السلفي الى مسألة اساسية اعقد هي مسألة ( الاصالة والمعاصرة)حيث يرى ان الخطاب العربي لم يستطع ان يتقدم خطوة واحدة على طريق صياغة (مشروع نهضة ثقافية) سواء على مستوى حلم مطابق او على صعيد التخطيط العلمي بل ظل ينوس بين طرفي معادلة مستحيلة الحل ، معادلة (الاصالة والمعاصرة) التي تطمح الى تحقيق التوافق والتكامل بين سلطتين مرجعيتين مختلفتين تماما متنافستين ومتصدعتين بحكم انتمائهما الى زمنين مختلفين ونمطين حضاريين متباينين سلطة النموذج العربي الاسلامي الوسيطي وسلطة النموذج الاوربي المعاصر .
وفي ندوة اخرى عن الاسلام والديمقراطية في بدء القرن الحادي والعشرين عقدها مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان بالتعاون مع مركز الاسلام والديمقراطية في امريكا طرح السؤال عن انه هل هناك مقاييس دينية خاصة للديمقراطية يمكن تطبيقها في مجتمعات تدين اغلبيتها بالاسلام ؟وقد دار الحديث عن الاسلاميين الذين يقولون الديمقراطية الليبرالية اقرب الحلول الى الاسلام ) وعن اليساريين الذين يقولون ( بدائلكم تعيدنا للوراء ويجب مراعاة حقوق الاقلية ) وجرى جدل واسع بين اطراف اسلامية ويسارية حول الاسلام والديمقراطية فهذا الدكتور عصام العريان القيادي في جماعة الاخوان المسلمين يقول ( ان الاخوان هم الذين يقبلون قواعد الديمقراطية ولابد من تحديد ذلك منذ البداية بوصفهم التيار الموجود على الساحة الذي يقبل ذلك ، اني احدد ذلك حتى لا ننجرف الى تيارات اخرى ترفض الديمقراطية نفسها ) ويضيف( ان الاخوان هم التيار العريض الاكثر حضورا على الساحة الاسلامية ومراحل عملهم على مدى تاريخهم الطويل تدعم ما اقول فقد اعلن المرشد العام ومؤسس الجماعة حسن البنا بوضوح في مؤتمر عام لهم ان نظام الحكم الدستوري النيابي هو اقرب النظم الى الاسلام ولايعدل له بديلا وهذا لا يعني ان الاخوان جامدون فكريا لانهم يقبلون ما ياتي لهم من امم اخرى غير اسلامية


واشار الى ان الاخوان يعملون من اجل نظام ديمقراطي واصلاح دستوري بهدف تحقيق الامن الوطني والقومي ، ثم يستطرد مخاطبا التيارات السياسية الاخرى ( ان الطريق الوحيد من اجل مقاومة كل ما نتعرض له هو الديمقراطية ولكن كيف نحقق ذلك وهناك فجوة بين المواقف الرسمية والتعبيرات الشعبية التي يجب اخذها بالحسبان ومراعاة متطلباتها اتقاء لتعبيراتها الخطيرة عندما يستخدم الشعب آلياته للتغيير ، لذا يجب ان نكافح من اجل الديمقراطية كقوى سياسية لان وجود النظام الديمقراطي سيحقق الشفافية في محاسبة المفسدين في الاجهزة على درء مفاسد الغوغائية التي تسيطر على كافة المؤسسات الرسمية والحكومية في بلادنا وتحارب التيارات السياسية التي تخرج الى الشارع ).
على ان من احدث الدراسات المتعلقة بإشكالية العلاقة بين الاسلام والديمقراطية هي دراسة الباحثين الامريكيين جون اسبوزيتو وجون فول استاذي التاريخ في جامعة جورج تاون في كتابهما المشترك –الاسلام والديمقراطية-حيث قاما بتحليل هذه الاشكالية من خلال تحليل الوجوه المتعددة للعلاقة بين الاسلام والديمقراطية في اطار ما يحدثانه من ارتباط جاذب ونابذ بين الانبعاث الديني الاسلامي وعملية الدمقرطة في العالم الاسلامي الحديث، وينطلقان في بحثهما من حيثية توافق حركات الاحياء الديني في العالم مع عملية تشكيل انظمة سياسية اكثر ديمقراطية ويريان ان هذه الحركات قد عززت من عملية التشكيل هذه في حين حصلت المواجهة بين هاتين الديناميتين في بعض المناطق الاخرى ،ونظرا لاهمية ما جاء في الكتاب سنستعرض اهم ماجاء فيه وكما عرض في الانترنت .
يتعرض المؤلفان لقضية تظافرالديمقراطية مع النهضة الاسلامية والهوية الدينية والثقافية والاصالة والشرعية مع قضايا المشاركة السياسية والسلطة والمجتمع المدني ،ويقدم الباحثان منظورا جديدا لتلك التفاعلات الجاذبة والنابذة حيث يريان ان التجارب الاسلامية لم تشكل في ذلك حالة منعزلة حيث نشهد اليوم حركة عالمية من الدمقرطة والانبعاث الديني والاقوامي الاثني واللغوي والثقافي وقد تحدى هذا الميل العالمي نحو نزع العلمانية في رايهما كلا من الافتراضات المسبقة للتحديث وعملية علمنة المجتمعات وغربيتها التي طالما اعتبرتها الاسلامولوجيا الغربية مباديء ارتقائية حتمية من اجل التطور ، فالتطور البنيوي للدول في العالم الاسلامي قد شمل ميادين عديدة الا ان العلاقة بين الاسلام والسياسة ظلت موضوعا رئيسيا من ابرز موضوعاته في التحولات التي جرت في القرنين ونصف الماضيين حيث ارتسمت خطوط التوتر مابين حركات الاصلاح التحديثي وبين المؤسسات والاعراف القديمة القائمة في المجتمعات المسلمة ما قبل الحديثة
لقد بدأ المؤلفان ملاحظتهما من انه مع بداية القرن العشرين بدات بالظهور حركات جديدة تؤكد على الاسلام واعادة تأصيله في الحياة الا ان هذه الحركات –في رايهما- مثل جماعة الاخوان المسلمين والجماعة الاسلامية في باكستان كانت مختلفة في البنية والاسلوب عن الحركات الاسلامية الاقدم من ناحية انها لم تستمد دعمها من العناصر المحافظة في المجتمع ، بل ان اغلبية مؤيديها تلقوا تعليما من النموذج الحديث ويعملون في القطاعات الحديثة في مجتمعاتهم،ولم تكن تدعو الى العودة لظروف ما قبل الحداثة بل تدعو برامجها الى تأسيس بنى قادرة على العمل بطريقة اسلامية حقيقية ضمن سياق الحداثة ، ويذهب الباحثان الى حد وضع تلك الحركات في فضاء تأسيس ما يسميانه _حداثة اسلامية –باتت هي الاسلوب السائد في الفكر الديني في ارجاء معظم العالم الاسلامي ،الا ان دور الاسلام في السياسة بدأ يتغير باساليب مهمة مختلفة مع حلول السبعينات حيث لم تعد المجموعات الاسلامية نكتفي بكونها عنصر رد فعل ضمن المجتمع السياسي بل برزت مصدرا للمبادرات الجديدة من اجل التطور والتغير السياسي في شروط توجه اعداد متزايدة نحو الاسلام كمنبع محتمل للالهام في الاوقات الصعبة ، ومن هنا اكتسبت هذه التنظيمات الجديدة شعبية خاصة بين الطلبة والمهنيين الشباب من الحائزين على تعليم حديث في بلدان مختلفة ،ويضع المؤلفان هذه التنظيمات في اطار حركة الانبعاث الاسلامي في العقود الاخيرة من القرن العشرين ويميزانها بكونها عناصر فاعلة تبادر الى الفعل بدلا من ان تستجيب بردود افعالها الى مبادرات الآخرين ،وتمثل بالتالي ظهور توجه بديل اجتماعي سياسي جدير بالثقة ، كما تعكس الطموحات المزدوجة للكوادر الحائزة على التعليم الحديث في المجتمعات الاسلامية فهي من جهة تطمح الى مشاركة اكبر في العملية السياسية وتريد من جهة اخرى ان تتوضح السمة الاسلامية المميزة لمجتمعاتها ومن هنا توحد المنظمات الجديدة بين الاتجاهين الكبيرين في نهاية القرن العشرين :الانبعاث الديني والدمقرطة .
لقد اثار ذلك بالنسبة الى الطموح المزدوج بين الدمقرطة والاسلمة اسئلة تدور حول انسجام الديمقراطية مع الاسلام ودور الحركات حديثة الطراز في التقدم السياسي للجماعات الاسلامية ، ويبقىاهم قضيتين مطروحتين فيما يتعلق بالانبعاث الديني والتطور السياسي هما المصادر الديمقراطية المحتملة في التراث الاسلامي وقدرة الحركات الاسلامية الجديدة على العمل بفاعلية لتلبية متطلبات كل من الاصالة الاسلامية والمشاركة الديمقراطية الشعبية ،ويرى الباحثان ان نقطة البداية في النقاش هو ما يتوفر في التراث الاسلامي من مصادر ايدلوجية ومفاهيمية لبرامج الدمقرطة المطروحة ،فالاسلام حاله في ذلك حال جميع المناهج العالمية او التراثات الدينية العظمى يتضمن طيفا واسعا من الرموز والمفاهيم الداعمة للهرمية السلطوية واخرى تشكل اساسا للحرية والمساواة .
ويكاد الكتاب ان يتكثف كله تبعا لهذا المنظور في تشخيص تنوع التجارب وتحليلها في العالم الاسلامي حيث تتعرض فصول الكتاب عبر مدخلين هما مدخل التحليل المجمل للاسلام والديمقراطية في التراث والمحيط العالمي والعلاقة ما بين المعارضة والدولة في التاريخ الاسلامي ويشمل ذلك فصلين منه والفصول الاخرى تتعرض على مدخل دراسة الحالة ولكن بمقاربة تمزج ما بين تواريخ الافكار والسياسة والاجتماع والعلاقات الدولية وبروز الحركة الاسلامية في ايران وفي السودان بعد تجربة المشاركة في السلطة والانشقاق عليها ثم الاستيلاء عليها وطرح مشروع راديكالي عمومي للعالم الاسلامي وعلى الوجوه المتعددة لجمهورية اسلامية واحدة في الباكستان التي تشكلت عقب انفصالها عن الهند على اساس انها جمهورية اسلامية واحدة وعلى خصوصية التجربة الاسلامية الجزائرية وعلاقتها بما يسميه الباحثان –الديمقراطية المقموعة –ثم ينتهيان الى دراسة تعقيدات الصراع في مصر بين الاسلام الشعبي والاسلام الحكومي الرسمي والاسلام المتطرف
،ويرد الباحثان تنوع التجارب الحركية الاسلامية الى ثلاثة انواع هي
النوع الجذري الذي صعد الى السلطة عبر ثورة شعبية او انقلاب في كل من ايران والسودان اذ ادت المعارضة الثورية الاسلامية هنا الى انشاء انظمة سياسية جديدة
واما النوع الثاني فهو نوع المشاركة في النظام السياسي القائم والمساعدة على صياغته في اطار حكومي يعترف شرعيا بالحركات الاسلامية الجديدة حتى عندما تكون في المعارضة مثل الجماعة الاسلامية في باكستان وحركة الشباب الاسلامي في ماليزيا ،
ويتمثل النوع الثالث في الحركات الاسلامية غير المشروعة التي تعكس تحركات المعارضة ضد النظام السياسي القائم حيث هناك بلدان كثيرة تحظر وتقمع الحركات الاسلامية الداعية الى انبعاث اسلامي عنيف ،وتعكس هذه الانواع الثلاثة من التجارب للباحثين التنوع الكبير في العالم الاسلامي –السيطرة الثورية الشعبية او الانقلابية على الثورة ،المشاركة في النظام ،الوضعية غير الشرعية ومن هنا يقوم هذا الطيف الواسع من التجارب نظرة مفيدة في فهم العلاقات المعقدة بين الاسلام والديمقراطية في العالم المعاصر .
وفي النهاية يستنتج الباحثان ما يتعلق بمستقبل الديمقراطية في العالم الاسلامي حيث يقدمان نظرة تحليلية تلاحظ هيمنة الخطاب الديمقراطي لكن مع اختلافات ومشكلات تعود اساسا الى ان الديمقراطية مفهوم خلافي ، وهذا كما يرى الباحثان حقيقة كثيرا مايتم غض النظر عنها ، ويريان ان مفهوم الديمقراطية ومصطلحها يحتمل تفسيرات وتطبيقات مختلفة وخلافا لما يعتقده البعض تكشف التجربة الديمقراطية الغربية عن فسيفساء مختلفة لا عن نموذج موحد ،وهكذا نراهما يؤكدان على ضرورة قبول الطبيعة الخلافية للديمقرطية وديناميات تطورها وتنوعاتها الى ان عملية الدمقرطة لا تقتضي ببساطة تبني الديمقراطية الغربية بل تكييفا للصيغ الديمقراطية فالى جانب انواع الاسلام الراديكالي وممارسته أشكالا متعددة من ارهاب المدن هناك صورة واضحة للنشطاء والتنظيمات الاسلامية التي اصبحت فاعلا سياسيا واجتماعيا سائدة بحيث تشكل جزءا من ثورة هادئة تعتمد العمل في المجتمع المدني ، وبانشاء منظماتها الاجتماعية والسياسية الخاصة وعقد تحالفات مع الاحزاب السياسية والاتحادات الاخرى والمشاركة في الاتحادات المهنية .
ولعل من احدث الممارسات الاسلامية للديمقراطية اليوم ماحدث في تركيا الدولة العلمانية حيث لاول مرة في تاريخ تركيا تفوز الاغلبية الاسلامية بالحكم وتشكل الحكومة لوحدها رغم ان تركيا دولة علمانية لقد جاء الفوز الساحق لحزب العدالة والتنميةالتركي في الانتخابات البرلمانية الاخيرة باول حكومة يشكلها حزب واحد في انقرة منذ اكثر من عشرين عاما واهم ملامح هذه الحكومة هو انه لحزب اسلامي بالكامل وفي دولة ينص دستورها على تبني العلمانية السياسية والديمقراطية التعددية والمدهش في الامر ان رئيس الحزب اكد عقب فوزه بالانتخابات على الاستقرار في النظام العلماني الذي ارسى جمال اتاتورك دعائمه ولم يتحدث عن تطبيق الشريعة الاسلامية وحينما تحدث عن اجراء تحقيقات في اوساط الشرطة واجهزة الامن بشأن الاعتقالات خارج اطار القانون وممارسات التعذيب ضد المعتقلين تطرق الى هذه القضايا من وجهة نظر حقوق الانسان على نحو يتفق مع مطالبة الاتحاد الاوربي باصلاحات محددة وقد اشار محلل غربي سياسي الى قضية التناقض المزعوم بين الاسلام والديمقراطية وقال :انه لو نجح حزب العدالة والتنمية في تحقيق الاستقرار في تركيا واصلاح الامور التي تهيؤها للحصول على عضوية الاتحاد الاوربي بحيث اصبح بامكانها الحصول على هذه العضوية فانه سيبدد الوهم السائد لدى كثيرين بان الاسلام لا يقبل الديمقراطية ولا يمكن ان يتعايش معها .
هكذا نرى الديمقراطية في العالم الاسلامي تتجاوز كل الاطر والتقييدات والتحديدات النظرية لكي تتعامل مع الواقع عبر نظرة اسلامية مرنة ووسطية معروفة كما ان تعدد الاجتهادات لفهم العلاقة بين الديمقراطية والاسلام يعكس غنى هذه الافكار وانفتاحها على المستجدات ولو اخذنا مثلا واحدا من التطبيقات الديمقراطية ونظرياتها الا وهو المجتمع المدني الاسلامي لرأينا مصداقية التفاعل الحقيقي بين الفكر الاسلامي والديمقراطية بشكل لا يقبل التأويل والشك .

المجتمع المدني بين المفهوم الغربي والاسلامي
لاشك ان الديمقراطية والمجتمع المدني مفهومان مترابطان ويعتمد كل منهما على الآخر ويشكلان فيما بينهما وحدة عضوية مميزة للمجتمع الغربي الحديث وللفكر السياسي المعبر عنه والمؤسس له
يعرف المجتمع المدني بانه عبارة عن مؤسسات مدنية لا تمارس السلطة ولا تستهدف ارباحا اقتصادية حيث يساهم في صياغة القرارات خارج المؤسسات السياسية ولها غايات نقابية كالدفاع عن مصالحها الاقتصادية والارتفاع بمستوى المهنة والتعبير عن مصالح اعضائها ومنها أغراض ثقافية كما في اتحادات الادباء والمثقفين والجمعيات الثقافية والاندية الاجتماعية التي تهدف الى نشر الوعي وفقا لما هو مرسوم ضمن اهداف الجمعية ،اذن المجتمع المدني هو مجموعة التنظيمات التطوعية الحرة التي تملأ المجال العام بين الاسرة والدولة لتحقيق مصالح افرادها ملتزمة في ذلك بقيم ومعايير الاحترام والتراضي والتسامح والادارة السلمية للتنوع والاختلاف …ويستحيل بناء مجتمع مدني دون توافر صيغة سلمية لادارة الاختلاف والتنافس والصراع طبقا لقواعد خاصة متفق عليها بين الاطراف ، ويستحيل بناء مجتمع مدني دون الاعتراف بالحقوق الاساسية للانسان خاصة حرية الاعتقاد والرأي والتعبير والتجمع والتنظيم مع الاعتراف واحترام القيم السابقة وبذل كل الجهود من اجل تطوير التجربة الديمقراطية والحفاظ على ديمومتها …واذا كان المجتمع السياسي حيزا للسيطرة بواسطة الدولة فان المجتمع المدني هو فضاء للهيمنة الثقافية وظيفة الهيمنة هي وظيفة توجيهية للسلطة الرمزية التي تمارس بواسطة التنظيمات التي تدعي انها خاصة مثل النقابات والمدارس ودور العبادة والهيئات الثقافية المختلفة –مجلة بياف ص –164-166-.
ويشير بعض الكتاب الى ان (مفهومي الديمقراطية والمجتمع المدني وسواهما من المفاهيم كالمواطنة والمساواة والحريات الفردية والعلمانية موضع جدل دائم حول شموليتها وصلاحيتها لكل المجتمعات الحديثة او المنخرطة في الحداثة فدعاة النزعة النسبية في التفكير يرونها نتاجا خاصا بثقافة وبتاريخ الغرب دون ان يكفوا عن انتقادها من منظورات ايدلوجية عامة او اخلاقية محلية في حين يعتبرها اندادهم من دعاة موضوعية المعرفة ملكا للتجربة الانسانية العابرة لتباين المجتمعات مجلة الثقافة الجديدة ع303 71ص-
لقد عرف ارنست غلنر عالم الاجتماع والاناسة البريطاني المجتمع المدني بانه : مجموعة من مؤسسات غير حكومية متنوعة تكون قوية بما فيه الكفاية لموازنة الدولة وقادرة على منعها من الهيمنة على المجتمع وتفتيته لكن دون ان يشكل ذلك عائقا للدولة للاضطلاع بدورها كمحافظ على السلام وكحكم بين المصالح الرئيسية –ن.م) وما اجمل تعليق احد الكتاب على هذا الدور للمجتمع المدني حينما وصفه بانه (دور اقرب الى دور حرب العصابات ازاء سلطة مركزية راسخة وجامدة نسبيا فهو لن يكون حاملا لقضايا عامة او اداة لمعارضة سياسات قائمة من منطلق تعددية وتنوع المصالح ).
ويرى احد الكتاب ان مجال المجتمع المدني في حالة مجتمعاتنا المعاصرة متنازع عليه بين قوى الاسلام السياسي والقوى العلمانية اللتين تلتقيان في توظيفه لمقاومة احتكار الدولة لمصادر القوة وصنع القرار لذلك ليس من المحتم ان يكون المجتمع المدني حاضنة لافكار وقيم مدنية ودنيوية تعكس المجال العام دون المجال الخاص المشحون بوعي ديني اصيل او مصطنع –ن.م.
ان التنظيمات النقابية والمهنية والجمعيات والمنتديات وغيرها تمارس نشاط التظاهر والاعتراض على أي قرار لاي دولة او حكومة هي في مجال المجتمع المدني كما ان موقف ثقافي تجاه أي ممارسة سلطوية للحكومة هو تعبير المجتمع المدني عن نفسه فهل يمكن ان نتعلرض لهذا المفهوم ضمن المنظور والفكر والتاريخ الاسلامي ونطلق مصطلح المجتمع المدني الاسلامي عليه ام لا وما مقدار ترابط هذا المعنى في اطار علاقة الديمقراطية والاسلام ؟
في سياحتنا عبر صفحات الانترنت وجدنا ان هنك آراء مختلفة ومتعددة لهذه المسألة وفيها تأصيلات متنوعة لمفردة المجتمع المدني الاسلامي سواء على اساس الشورى وتوسيعها او عبر فهم البعد التاريخي لممارسة المنظمات والنقابات المهنية في العصور الاسلامية المختلفة او عبر تحليل مفاهيمي للمقارنة بين المجتمع الديني والمجتمع المدني عموما وصولا الى تحديد اساسيات للاتفاق الحقيقي الواقع بينهما بعد اعادة توضيح سوء الفهم لهذا الموضوع في الاطار الغربي ، ولو بدأنا بموضوع (المجتمعان الديني والمدني –رؤية اولية لمجالات الالتقاء والتنافر)كما يعرضها الباحث كامل الهاشمي فاننا نرى ما يلي :
بعد ان يحدد الباحث ان لكل مجتمع مدني او ديني مرجعيته الخاصة فمرجعية الديني هو الوحي الديني باعتباره المصدر الاساس في تشكيل وعي ومفاهيم وتصورات الافراد والجماعات، نرى مرجعية المدني التجربة البشرية المؤسسة على العقل الانساني بما هو فاعلية منفصلة عن الدين والوحي ، بل بماهو فاعلية مضادة للدين وملغية دوره في الوجود البشري وعلى هذا الاساس اعتبرت العلمانية بمعنى فصل الدين عن الدولة احدى اهم سمات المجتمع المدني ، ويصل الباحث في ختام بحثه الى القول انه اذا كانت ضرورةالمجتمع المدني تتأسس عبر مقولة (ان الانسان مدني بالطبع) فان ضرورة المجتمع الديني تتأسس عبر حقيقة (ان الانسان متدين بفطرته ) فكيف عالج الباحث تفاصيل الموضوع ؟.
لقد عالج الباحث موضوعه من خلال ثلاث مجالات هي المجال الفلسفي والمجال السياسي والمجال الاجتماعي والاخلاقي ففي المجال الفلسفي يرى الباحث ان العقلانية التي اعتبرت السمة الاساسية للمجتمعات المدنية والتي كانت اساس التمايز بينها وبين المجتمعات الدينية التي وصفت بالمجتمعات الاسطورية غير العلمية يرى انها غير صحيحة لان المجتمع الديني لا يتناقض اساسا مع العقلانية والعلمية ويقول بان (المجتمعات البشرية التي جاءت بالرسالات الالهية وبتعبير آخر بالدين من اجل تخليصها وتحريرها انما اريد لها ان تسير في المسار الذي يستثير كل امكانياتها العلمية والعقلية ليس على المستوى النظري فحسب بل وحتى على المستوى العملي والحياتي ) ومن جانب آخر يرى ان المجتمع المدني المعاصر اخذ يتعامل مع دور الخرافة واللامعقول ولكن باشكال حديثة تتخذ صورا واشكالا مختلفة عن المجتمع الديني ، وقد اصبحت هذه الظواهر منتشرة في المجتمع المدني حتى دعا الباحثون المعاصرون الى ضرورة دراستها والبحث عن تفسير معقول لها .
أما في المجال السياسي والتي يعني بها الباحث (الرؤية السياسية التي يتبناها كل واحد من المجتمعين وما يرتبط بالمشروعية السياسية للسلطة وطبيعة العلاقة بين المجتمع والدولة وحقوق الجماعات والافراد وغير ذلك من شؤون الوضع السياسي ) هنا يرجع الباحث الى التاريخ وتطور هذه المجتمعات خلاله وهكذا يصل الىالقول (اذا ما اردنا ان نعدد خصائص المجتمع المدني سنجد ان الانفتاح والتسامح والتعددية وحكومة القانون واحترام الحقوق الفردية والاجتماعية للانسان …الخ تشكل مباديء اساسية للمجتمع المدني وهي في الوقت نفسه تعتبر من صميم المباديء التي عملت الاديان الالهية على ترسيخها وتثبيت جذورها في حركة الفرد والمجتمع والسلطة ) ،أما اسباب المواقف التناقضية الظاهرة بين دعاة المجتمع المدني والمجتمع الديني فهو في الحقيقة يعود الى طبيعة الممارسة الناقصة لكل منهما وانعكاسه على الوعي وقسر الوعي على ان يعتبر الممارسة التاريخية لعلاقة الدولة بالدين في اوربا وما نتج عنها من سلبيات قادت الى طرح مفهوم العلمانية وفصل الدين عن الدولة لا يمكن ان يكون حكما نهائيا عى كل المجتمعات الدينية وهذا ما جعل الجماهير الاسلامية مثلا ترفضها ، ويخلص الباحث الى القول (اننا لا ينبغي ان نكون محكومين في تصوراتنا عن كلا المجتمعين الديني والمدني بالصورة التي تجسدت تاريخيا في العصور الوسطى عن الحكومة الثيوقراطية في اوربا ،لكي نبرر رفضنا للمجتمع الديني بشكل مطلق ومن جهة اخرى ينبغي ان لا نكون اسارى الصورة التي تمارس في اوربا والعالم الغربي اليوم تقديمها عن المجتمع المدني كي نبرر قبولنا المطلق بالمجتمع المدني مع ان الصورة المذكورة تتعرض اليوم لمراجعة نقدية شاملة حتى من قبل القائمين عليها ).
اما في المجال الاجتماعي والاخلاقي والذي هو بيت القصيد –كما يقول الباحث- حيث انه اساس التنافر والتضاد بين المجتمعين نرى ان المجتمعات المدنية بالنسبة الى المتدينين هو (ذلك التفسخ الاخلاقي والانحطاط الاجتماعي الذي طال كل القيم الاخلاقية التي كانت تعتقد بها المجتمعات الدينية ) ويرى الباحث ان هذه النظرة الى المجتمع المدني هي ظواهر ليست ضرورية لمثل تلك المجتمعات الا اذا صح التعبير نفسه حينما توصف المجتمعات الدينية بظواهر الجمود والتحجر والانغلاق والتزمت ، وبالتالي فان هذه الاحكام خاطئة من الجهتين لانها تعتمد على الافراط والتفريط ويرى ان هذا لا يجب ان يمنعنا من القول (ان وجود الدين في حياة البشر ليس مجرد امر مهم ونافع ، بل هو امر لايمكن الاستغناء عنه باي حال من الاحوال بل يمكننا القول : ان الدين دعامة اساسية من دعامات المجتمع المدني بمعنى اننا لا يمكن ان نتصور مجتمعا مدنيا بلا دين ويؤكد على ان الاخفاقات والانتكاسات التي شهدتها البشرية طول عمرها من خلال تجاربنا الدينية سببا لرفض الدين بقدر ما ينبغي ان نجعلها وسيلة لتحليل وفهم ازمة الانسان والمجتمعات البشرية في تعاملها مع الاديان .
اذن فالتجربة الواقعية للدين احيانا تتجاوز صلاحيتها وخارج المفهوم الديني نفسه فتظهر ممارسات خاطئة عبر تحولها الى سيف مسلط على رقاب الناس يمنعهم من الانطلاق والتحليق في الآفاق الرحبة والواسعة ولعل هذا ما عناه رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم حينما قال (ان هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق ولا تكرهوا عبادة الله الى عباد الله فتكونوا كالمنبت الذي لا سفرا قطع ولا ظهرا ابقى ).
على ان بعض الباحثين في هذا المجال يتحدث عن جذور ومظاهر المجتمع المدني في الفكر والمجتمع الاسلامي فيشير الاستاذ عبد المجيد الانصاري الى التساؤلات التي تطرح مثل هذا الموضوع مثل قولهم ان الابحاث التطبيقية عن المجتمع المدني في المجتمع العربي انتهت الى انه ليس هناك مجتمع مدني بالمعنى القائم في الدول العربية وان المجتمع المدني قد نشأ في الغرب كنضال ضد السلطة التي كانت تجمع بين الكنسي والمدني بهدف الفصل بينهما وهو ما يعارضه المجتمع الاسلامي وان المجتمع المدني يتأسس على ثلاثة قيم ومعتقدات لا تتفق مع الاسلام وهي الليبرالية والرأسمالية والعلمانية ، وتساؤل آخر يرفض اعتبار ما سمي بالمجتمع الاهلي في التاريخ الاسلامي قبل ظهور الدولة القومية لا صلة له بالمجتمع المدني حيث انها اقرب الى ممارسات المجتمع الاقطاعي في اوربا في العصر الوسيط والذي جاء المجتمع المدني ليشكل رفضا لها ومحاولة تجاوزها ، وهكذا يصل الاستاذ الانصاري الى سؤالين جوهريين يحاول الاجابة عنهما في بحثه وهما

-هل تستوعب اصول الاسلام وقيمه مباديء وقيم المجتمع المدني على المستوى النظري ؟

-هل هناك مجتمع مدني او شيء قريب منه في الممارسة التاريخية العربية الاسلامية على المستوى العملي؟
وفي محاولة الاجابة عن هذين السؤالين يبدأ الباحث بالفقرة الاولى حول التأصيل النظري للموضوع منطلقا من بعض التحديدات لمفاهيم وسمات المجتمع المدني عموما حيث يقول (ان المجتمع المدني –حسب المفهوم الكلاسيكي-قد تبلور في سياق نظريات التعاقد كما نادى بها فلاسفة العقد الاجتماعي ابان القرن الثامن عشر تعبيرا عن المجتمعات التي تجاوزت حالة الطبيعة وتاسست على عقد اجتماعي وحد بين الافراد وافرز الدولة في النهاية فالمجتمع بهذا الاعنبار سابق على الدولة ومصدر شرعيتها ورقيبها ، ان المجتمع المدني له سمات مشتركة منها : الطوعية والاستقلالية والجمعية والمؤسسية ، ان المجتمع المدني يقوم على قيم من اهمها الاحترام والتسامح والتعاون والتكافل وحق الاختلاف والحرية فهل لهذه السمات والمفاهيم اساس في التطور للمجتمع الاسلامي؟

وفي اجابته على هذه الأسئلة يؤكد الباحث ان المجتمع المدني الاسلامي هو فعلا سابق على دولته حينما بدأ الاسلام دعوته في المجتمع المكي وحين اقبل بعض الافراد بارادتهم الحرة الطوعية على قبوله في مواجهة المؤسسة التسلطية التي كانت تظطهدهم وتحاربهم ، وفي خلال ثلاث عشرة سنة استطاع الاسلام تكوين مجتمعه المدني الاول علىاساس من عقيدة وفي اطار مجموعة من القيم الحاكمة للعلاقات الاجتماعية وتم كل ذلك قبل ان يفرز المجتمع الاسلامي دولته في المدينةالمنورة –دولة المدينة- التي قامت على اساس من تعاقد اجتماعي حقيقي وبارادة طوعية حرة –بيعة العقبة الثانية-ودستور نظم حقوقا وواجبات بين جماعات حرة متعددة الاعراق والديانات وفي اطار من قيم العدالة والتكافل والتسامح وانتشار الحرية ، وفي هذا –يقول الكاتب-يتوافق المفهوم الكلاسيكي للمجتمع المدني –في اسبقيته على دولته-مع تقدم المجتمع الاسلامي واسبقيته على وجود الدولة وتنظيمها واسبقية النظام الاجتماعي على النظام السياسي ، فقد كان المجتمع المدني الاسلامي في مكة هو البنية الاساسية التي افرزت او انشأت دولته على اساس تعاقد حر .



________________________________________
ويؤكد الباحث من جانب آخر على ان المجتمع المدني الاسلامي بما انه يشكل الثقل في البناء الاجتماعي وليس الدولة ويبرهن على ذلك من عدة نصوص اسلامية فهذا يعني اصالة وجود هذا المجتمع المدني الاسلامي ، وملخص ادلته في هذا الجانب يظهر من قوله( ان الهدف الاساسي للاسلام ينصب اساسا على اعادة بناء المجتمع الاهلي عبر بناء الفرد المؤمن القوي والجماعة المتماسكة المستخلفة عن الله ) بدليل ان القرآن في معظم آياته يتوجه بالخطاب في الامور العامة او الشأن العام للمجتمع الى المجتمع المدني ( يا أيها الذين آمنا كونوا قوامين بالقسط ) ( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ) أي ان المجتمع هو المسؤول الاول عن اقامة الدين وشرائعه ورعاية المصالح العامة وهو صاحب السيادة العليا ويحمل القرآن المجتمع المدني واجب الرقابة العامة (السياسية والاجتماعية) تطبيقا لمبدأ الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ( والمؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) وفي الحديث الشريف قوله صلى الله عليه وسلم (الدين النصيحة قلنا لمن يارسول الله قال لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) ،ويضيف الباحث فقرة اخرى تشير الى ان المجتمع المدني الاسلامي كان نقيض المجتمع الجاهلي والبدوي فالاسلام دين مدني حرص على تكوين مدنية وحضارة ولذلك حارب الاسلام نمط الحياة الجاهلية كما حارب نمط الحياة البدوية الرعوية وهذا نجده في الاحاديث مثل ( من بدا جفا) رواه احمد أي من نزل البادية صار فيه جفاء الاعراب وفي رواية اخرى من سكن البادية فقد جفا رواه احمد ولذلك فقد حرم الاسلام على العرب المسلمين من اهل الحضر العودة الى البادية للعيش فيها بصفة دائمة مع الاعراب واعتبر ذلك من الكبائر ( ثلاث من الكبائر منها التعرب بعد الهجرة) .
ان كل هذا كما يقول الباحث يؤكد ان مفهوم المجتمع المدني راسخ في التصور الاسلامي لانه يستمد من طبيعة الاسلام الحضارية التمدينية ،
اما في مجال قيم المجتمع المدني فيرى الباحث ان هناك قيما اساسية منها العدالة والمساواة والحرية والتشاور وحق الاختلاف والتسامح والتعاون والتكامل ويقدم امثلة على التشاور والشورى وحق التعدد والاختلاف حيث يؤكد ان مركز الشورى في الحياة الاجتماعية الاسلامية يمثل مركزا متقدما والشورى في المجتمع المدني الاسلامي قيمة اجتماعية عليا تحكم علاقات الافراد وذلك قبل ان تتحول الى نظام سياسي للدولة وهذا هو المفهوم المستمد من تقدم آية الشورى المكية ( وأمرهم شورى بينهم) على آية الشورى المدنية (وشاورهم في الأمر) فالآية الأولى تبرز السمات الاساسية للمجتمع المدني في مكة قبل ان يكون لهذا المجتمع دولته بانهم يتشارون في امورهم ولا ينفرد احدهم بالقرار في امر مصيري يتعلق بالجماعة ، وقد وردت سمة الشورى بالجملة الاسمية التي تفيد الاستقرار والثبوت فكأن الشورى خصيصة من خصائص المجتمع المدني المسلم التي يجب ان يتحلى بها سواء كانوا يشكلون مجتمعا لم تقم له دولة بعد او يشكلون دولة قائمة بالفعل .
أما بالنسبة لقيمة حق الاختلاف والتعددية في المجتمع المدني الاسلامي فيرى الباحث ان القرآن يكاد يكون الكتاب السماوي الوحيد الذي خلد الفكر او الرأي المخالف بل المحارب سواء كان منافقا او كتابيا او ملحدا وهو الكتاب الوحيد الذي نظر الى جميع الانبياء والرسل والاديان السماوية السابقة نظرة تقدير وتبجيل بل جعل هذه النظرة جزء من عقيدة المسلم انطلاقا من انه رغم اختلاف شرائع هذه الاديان الا ان اصولها واحدة من حيث الالوهية والعمل الصالح والحساب والجزاء والقيم الاخلاقية المشتركة وانطلاقا ايضا من ان حق الاختلاف حق اساسي من حقوق الانسان سواء في المعتقد الديني او التفكير او الرأي والتعبيرعنه.
بعد كل هذا يؤكد الباحث حقيقة ان المجتمع المدني ليس نقيضا للمجتمع الديني اطلاقا واعتمادا على ما يلي :
1-المطلق والنسبي في الاسلام حيث يرى ان الاسلام على الرغم من انه يقوم على قيم مطلقة وثوابت الا ان هذه المطلقات لا تشكل الا حيزا ضيقا من المتغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية حسب الزمان والمكان ، ويرى ان هناك تمايزا بين الفضاء المقيد الذي تشغله هذه المطلقات والفضاء الحر الذي تمارس فيه مؤسسات المجتمع المدني نشاطها النسبي ولا يوجد تطابق بين هذين الفضاءين الا عند بعض الحركات الدينية التي تطرح صيغا مثل الخلافة والحاكمية الالهية وولاية الفقيه .

2-الوظيفة الاخلاقية للدين : حيث ان المجتمع المدني لما كان يفترض فضاء للحرية يلتقي فيه الناس ويتفاعلون فان هذه التفاعلات تحتاج الى سلطة للتقنين للتأكد من احترام قواعد للتعامل ومن هذه القواعد ما هو نتيجة الدين والاخلاق مثل الضمير الذي هو نسق من الضوابط الداخلية التي يتم تفعيلها ذاتيا وتلقائيا وتفضي الى رقابة غير منظورة على السلوك مع غياب الضوابط الاجتماعية الخارجية ، من هنا فالدين يشكل المصدر الاصلي للضوابط الداخلية التي تصنع الضمير .
3-المؤسسات والاحزاب الدينية لا تحتكر الصواب : فرغم وجود تفسيرات للدين معينة الا انه لا سلطة دينية على المجتمع وان الفتاوى والاجتهادات او التفاسير ماهي في النهاية الا توجهات بشرية في سياق زماني ومكاني معينين ولكل مسلم ان يفهم الاسلام حسب قدراته وامكانياته يقول الامام محمد عبده ( ليس في الاسلام سلطة دينية سوى الموعظة الحسنة والدعوة الى الخير والتنفير من الشر وهي سلطة خولها الله لادنى المسلمين يقرع بها اعلاهم …ولم يجعل الاسلام لهؤلاء –القاضي او المفتي او شيخ الاسلام – ادنى سلطة على العقائد وتقرير الاحكام وكل سلطة تناولها واحد من هؤلاء فهي سلطة مدنية قررها الشرع الاسلامي ولا يسوغ لواحد منهم حق السيطرة على ايمان احد او عبادته لربه او ينازعه في طريق نظره ).
4-الوظيفة التحريرية والتنويرية للدين :يرى الباحث انه على الرغم من ان الممارسة الدينية في القرون الوسطى في اوربا قد ادت الى استغلال الدين ووصمه بالشر وان المجتمع المدني هناك نشأ لنقض هذا الطابع الديني للدولة الا ان الظروف اليوم غير ما كانت عليه حتى بالنسبة للدين المسيحي نفسه الذي –خلال العشرين سنة الاخيرة-لعب دورا متزايدا باتجاه الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحقوق الانسان فكنيسة الامس غير كنيسة اليوم في اهتمامها بمشاكل العالم والبعد الديمقراطي ، وكل هذا يشكل جزءا من نشاط لن تهمشه وذلك لسبب بسيط هو ان المجتمع المدني هو اساس الوجود الاسلامي فهو الذي يتمثل الاسلام في كيانه كعقيدة وشريعة في ميزان خلقي وتشده روابط اجتماعية تشكل قوته الحقيقية .
لقد كانت من مهمة المجتمع المدني الاسلامي التربية والتثقيف والتعليم والشؤون الصحية والاجتماعية وقد ساعد على تعزيز دور هذه التنظيمات ان التنظيم الاجتماعي الاسلامي يجعل المجتمع المسلم مسؤولا عن الواجبات الاجتماعية العامة –فروض كفاية- وكل ما نسميه اليوم بالمرافق والخدمات كانت من مسؤولية المجتمع ، لقد كان المجتمع المدني الاسلامي فاعلا متحركا يموج بالحركة بل بالثورة وكان للعلماء استقلاليتهم في الفتوى والتشريع والتثقيف وكان للقضاء استقلاليته وكانت المبادرات الفردية والجماعية الحرة تملأ الفضاء المجتمعي الحر طاقة وابداعا وعملا طوعيا ، وقد اكتسب المجتمع المدني الاسلامي من كل ذلك روحا من الاعتماد على النفس وتعلم الناس كيف يدبرون امورهم ويحلون مشاكلهم دون حاجة الى عون من الحكومة ، وهذا يفسر لماذا بقي الكيان الاجتماعي للاسلام سليما متماسكا رغم التدهور والانحطاط السياسي الذي اصاب الدولة الاسلامية فقد ظل الناس رغم سوء الاحوال السياسية يتمسكون بالمروءة والدين ومكارم الاخلاق فيما بينهم وذلك مقارنة بما حصل من تدهور اجتماعي شامل للمجتمعات الاغريقية والرومانية والفارسية عندما تدهورت نظمها الساسية .
بعد ذلك يتعرض الكاتب لتكوينات المجتمع المدني الاسلامي كما ظهرت في التاريخ العربي ، ويشير الى ان المجتمع الاسلامي عرف تعددية دينية وسياسية وعرقية وجنسية وكانت هناك جماعات مهنية –نقابات –وفرق ومذاهب فقهية وطرق صوفية وجماعات سياسية وهو ما يسميه بعض الباحثين المجتمع الاهلي فصلا له عن الدولة وهو ما يوازي مفهوم المجتمع المدني الحديث ، اما اهم هذه التنظيمات المعبرة عن المجتمع المدني الاسلامي عبر التاريخ فيذكر الباحث منها مايلي:
1-المساجد ودور العبادة حيث كانت محور الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ومركز اشعاع ثقافي وتعليمي وتربوي وملاذ الناس في اوقات الشدة
2-الاوقاف التي كانت مؤسسات كبرى مستقلة اقامها الناس بعطائهم وادت دورها الكبير في تامين مستلزمات (الدفاع الاجتماعي ) واوقفت المستشفيات -البيمارستانات- والفنادق الخانات وحتى الاوقاف لصالح الراغبين في الزواج
3-الطرق الصوفية التي لعبت دورا سياسيا واجتماعيا وتحريريا مهما في المجتمع الاسلامي وبخاصة تلك الطرق التي انتهجت منهجا خلقيا قويما يتفق والقيم الدينية وشيئا فشيئا تحولت هذه الطرق الصوفية الى روابط بين اهل الحرف يحكمهم شيخهم اجتماعيا واخلاقيا ويأخذ عليهم العهد ويساعدهم في امورهم المالية وكانت لهذه الطرق رباطات وزوايا قامت بادوار حيوية للمجتمع الاسلامي .
4-نقابات الحرف والصنائع حيث عرف المجتمع الاسلامي الجماعات المهنية او ( الاصناف) منذ وقت مبكر –القرن السابع الهجري-وذلك على هيئة نقابات فكل اهل صنعة تتكون منهم جماعة مهنية تحت قيادة شيخ يختارونه ليراقب جودة الصناعة ويدافع عن حقوقهم ويفض خلافاتهم وكانت علاقة الدولة بهم عن طريق المحتسب الذي تطور عن (صاحب السوق).
5-جماعات العلماء والقضاة واهل الافتاء حيث استطاع العلماء ان يحتفظوا باستقلالية نسبيةعن السلطة في كثير من الاحوال وحافظوا على الكيان الاجتماعي للمجتمع الاسلامي وبخاصة في عهود التدهور والانحطاط السياسي عن طريق التثقيف والتوعية وغرس القيم الاخلاقية وتثبيت العقيدة والمباديء الاساسية للاسلام وقد كان الشيوخ والقضاة والفقهاء بالفعل رؤساء المجتمع المدني وقادته وكان اناس يلجؤون اليهم في حوائجهم وفي حمايتهم من البطش والاذى
6-نقابات التجار حيث كان لكل طائفة من التجار (نقابة) وتجمع النقابات كلها في نقابة كبيرة تسمى (نقابة التجارة) يرأسها تاجر كبير –شاهبندر- وكانت له مكانة مرموقة عند اهل الحكم والناس ، وكان يقوم بخدمة النقابة والدفاع عن التجار ورفع الظلم عنهم وتخفيف وطأة رجال الادارة عليهم خاصة عند جباية الضرائب منهم ولكن التجار لم يلعبوا دورا يذكر في الحياة العامة لانهم اصبحوا اعوان السلطة
7-جماعة الشطار والعيارين وهو مثلث يشمل حركة الشطار والعيارين والحرافيش اصحاب المهن المحتقرة واشباههم من المعدمين والعاطلين بسبب انشغال السلطة بمصالحها والصراعات السياسية فكانت هناك جماعات تعيش على هامش المجتمع وفي حالة تمرد دائم على المجتمع مطالبين بتحقيق العدالة مما اكسب تمرداتهم دلالات اجتماعية وسياسية واقتصادية .
وهكذا يختم الباحث مقاله باستنتاجات مهمة منها :
1-ان مباديء الاسلام وقيمه تستوعب مضامين وقيم المجتمع المدني ولا تشكل المطلقات والثوابت في الاسلام تناقضا لقيم المجتمع المدني ولاتحد من ممارساته في الفضاء الحر
2- مشاركة المجتمع في الشأن العام واستنفار جهود الافراد للمساهمة في تنظيمات المجتمع المدني بتوازن مع السلطة واستقلال عنها هو مسؤولية مجتمعية شرعية تشكل المعادل الموضوعي لقاعدة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر
3-جذور المجتمع المدني موجودة وبكثافة في عمق المجتمع العربي الاسلامي والتجارب والممارسات والفعاليات التاريخية لتكوينات المجتمع المدني على امتداد التاريخ الاسلامي تعد اساسا صالحا لبناء مشروع لمفهوم عربي اسلامي معاصر للمجتمع المدني ، مع ضرورة الافادة من المعطيات المعاصرة لقيم وممارسات المجتمع المدني
4-ان تفعيل تنظيمات المجتمع المدني المعاصرة هو الكفيل بتعزيز قيم الديمقراطبة على مستوى التنشئة الاولى ، وتصحيح الممارسة الديمقرتاطية على مستوى القاعدة الاجتماعية والسياسية بما يؤدي الى تحسين الوضع الديمقراطي وعدم انتكاسته ونكوصه .
5-ان خطأ النخب والاحزاب العربية السياسية انها ركزت جهودها عل السياسي والايدلوجي واهملت الجانب القيمي والاجتماعي
6-المجتمع المدني ليس بديلا من الدولة العادلة والتي تأخذ على عاتقها مسؤولية البناء والتنمية وانما هو مكمل للدولة في الوظائف والمسؤليات
7-ان مابقي من تراث المجتمع المدني لا يعدو شكلا من التماسك الاجتماعي الذي اخترقته علاقلات الانتاج الجديدة فأخذت النقابة الحديثة مكان الحرفة ويجب تطوير مؤسسة الوقف والصدقات والزكاة لخدمة انشاء المدارس والجامعات وتالمستشفيات ومراكز البحث..الخ
وهكذا تم استعراض ومناقشة اوجه التوافق والاختلاف واشكالية العلاقة عموماً بين الاسلام و الديمقراطية .

أضف تعليق


كود امني
تحديث

الى الاعلى